عند اندلاع الحراك الاحتجاجي في العراق في أكتوبر 2019، اتَّسم موقف مقتدى الصَّدر في البداية بالتردد، على الأرجح بسبب عدم وضوح طبيعة هذا الاحتجاج وقوته بشكل كامل، رغم وجود مؤشرات على أن فكرة الاحتجاج بعد مرور عام على تشكيل حكومة عادل عبد المهدي قد تم تداولها في بعض حلقات التيار الصدري وأنه قد تم التراجع عنها بعد الضغط على الصدر ليعطي عبد المهدي مهلة ستة أشهر إضافية لتقييم أداء حكومته. انتقل الصدر تدريجياً من التردد والحذر إلى تبنِّي الدعم العلني لمن أطلق عليهم "الثوار"، ودعا لاستقالة عبد المهدي بشكل مبكر، واستخدم تعبير "ثورة الإصلاح" في وصف الحراك الاحتجاجي. ورغم أنه امتنع عن دعوة أنصاره بشكل صريح للمشاركة في التظاهرات، إلّا أن الكثير من المحسوبين على الخط الصدري انضموا فعلاً لساحات الاحتجاج، ولعبوا أدواراً أساسية في إدامة الزخم، بينما طلب الصدر من أعضاء في تياره أُطلق عليهم بأصحاب "القُبَّعات الزرق" تولي حماية الساحات من هجمات الميليشيات.

كانت استراتيجية الصدر في تلك المرحلة تقوم على دعم الاحتجاجات واستثمارها للدفع نحو اجراء إصلاحات من داخل النظام، وبالطبع تعزيز موقعه السياسي باعتباره يقود تياراً شعبياً عريضاً في مقابل قوى سياسية بلا قواعد شعبية وتعتمد بشكل أساسي على المنافع الزبائنية والأذرع المسلحة لإدامة وجودها. ورغم أن الصدر كان حذراً من التعبير عن مواقف مناوئة بشكل صريح للنفوذ الإيراني، بل وانتقد حرق القنصليتين الايرانيتين في كربلاء والنجف، إلّا أن التحول الأكثر وضوحاً في موقفه برز إثر عملية اغتيال قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس. بعد هذا الحادث، أخذت سردية الصدر تقترب بعض الشيء من السَّردية التي تبناها المعسكر القريب من إيران، فصار يُكثر من الإشارة إلى وجود "المندسِّين" و"المخرِّبين" في صفوف التظاهرات، ويدعو القوات الأمنية للتعامل مع هذه العناصر.

تحوُّل موقف الصَّدر من الحراك الاحتجاجي

بدأ الافتراق بين الصَّدر وبين بقية جمهور المحتجِّين من غير الصدريين مع دعوته لتظاهرة كبيرة يوم 24 يناير 2020 للتنديد بالوجود العسكري الأمريكي في العراق ومطالبة الأمريكيين بالانسحاب، وهي دعوة تبنتها بقية الفصائل القريبة من إيران مثل "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله"، دون أن تقر بقيادة الصدر لهذا الحراك أو تقبل دعوته الضمنية لزعامة "المقاومة" كما جاء في بيان صادر عنه. لقد أدّى اغتيال سليماني والمهندس، والفراغ الذي نشأ في قيادة شبكة الفصائل المسلحة المدعومة من الحرس الثوري، إلى خلق تضامن بين القوى الإسلامية الشيعية، وأسهم بتعزيز التنسيق بين الصدر والفصائل المنضوية في ائتلاف (الفتح)، برعاية إيرانية. وبالطبع، فان وجود الصدر في قُم سهّل هذه المهمة، ذلك أن الإيرانيين نجحوا بإقناعه بأن هناك تهديداً على حياته في حالة بقائه في النجف، وفي مرحلة لاحقة، وظفوا اغتيال سليماني لإقناعه بأن الحراك الاحتجاجي هو جزء من مشروع أمريكي يستهدف التيار الاسلامي والطبقة الدينية بالمجمل، وأن عليه أن ينأى بنفسه عن العناصر المتماهية مع المشروع الأمريكي.

وقد سعى الصدر إلى طرح موقفه الجديد ليس بوصفه تخلياً عن الحراك الاحتجاجي، بل محاولة لاستعادة "نقائه" السابق وتخليصه من "المندسين" و "المخربين" كما قال، وبدا من بياناته أنه صار مسكوناً بهاجس التأكيد على أن الاحتجاج لا يناقض القيم الإسلامية ولا يُروِّج لمفاهيم وممارسات مرفوضة دينياً، بمعنى محاولة إنتاج صبغة أيديولوجية جديدة للاحتجاج لا تضعه بالضد من "الشيعية السياسية" التي ينتمي إليها الصدر ويطرح نفسه مدافعاً عنها. بهذا الموقف، يستمر الصدر بمحاولة الإمساك بالهويات المتعددة لتياره، مازجاً النزوع الاحتجاجي الشعبوي للتيار بطابعه الإسلامي المحافظ، بغية الإبقاء على رأسماله الأساسي كحركة جماهيرية عمادها طبقة الفقراء في المدن الشيعية، وبنفس الوقت قوة سياسية تستمد جزءاً كبيراً مِن نفوذها مِن هيمنة تقاليد الشيعية السياسية على الفضاء العام، كما هيمنة رؤاها وتصوراتها على الطبقة السياسية.

الموقف من ترشيح علاوي ودلالاته

وفي مقابل قيادة عملية "التصحيح" للحراك الاحتجاجي، كمقدمة للسيطرة على دينامياته والتأكد من عدم تطوره إلى تحدي أكثر راديكالية لهيمنة الشيعية السياسية، وبالتالي التحكم باستمراريته كما حصل في موجات احتجاجية سابقة، فإن الإيرانيين وحلفائهم سمحوا للصدر بلعب دور أوسع في دعم بديل لعادل عبد المهدي (من داخل منظومة الإسلام السياسي الشيعي) وإخراج صفقة الحكومة الجديدة بشكل يسمح بتسويقها باعتبارها استجابة لمطالب الإصلاح، دون أن تنتج تهديداً جدياً لتوازنات القوى التي تظل الكثير من مفاصلها الحساسة، لاسيما تلك المتعلقة بالملفين الأمني والمالي، خاضعة لرقابة وتأثير المعسكر المدعوم ايرانياً. هكذا تراجع إصرار تحالف (البناء) على تولي تسمية رئيس الوزراء الجديد (الذي كان يستند على شروط وضعتها قوى ائتلاف الفتح تتعلق بعدم المساس بالحشد الشعبي وتبني الخيارات الجيوسياسية التي لا تصطدم مع خيارات "محور المقاومة")، وظهر اسم محمد توفيق علاوي كتسوية يدعمها الصدر وتقبلها معظم قوى (البناء) ما عدا نوري المالكي الذي اعترض بسبب وجود صراع شخصي بينه وبين علاوي منذ الفترة التي شغل فيها الأخير موقع وزير الاتصالات في حكومة المالكي الثانية.

جاء اختيار علاوي، أولاً، لكونه مرتبطاً بعلاقات تاريخية وطويلة مع القوى الإسلامية الشيعية وبالتالي لا يحتمل أن يُهدِّد مصالحها أو يتبنى مواقف مغايرة لرؤاها الأساسية، وهو معروف بكونه مُتديِّناً بشكل عميق وكان في شبابه منتمياً لحزب الدعوة.

ثانياً، أنه كان مُنزوياً عن المشهد السياسي لعدة سنوات، تولى خلالها -كما فعل عادل عبد المهدي سابقاً- التصدّي للشأن العام عبر المقالات الصحفية التي تركز على الإصلاحات الاقتصادية والإدارية ودون التعرض للقضايا ذات الطابع الحساس أو الأثر الجيوسياسي، بما يجعله قابلاً للتسويق كإصلاحي ومستقل، خصوصاً أنه اتخذ مواقف علنية متعاطفة مع الحراك الاحتجاجي، مع إمكانية تقييد حركته والسيطرة عليها بشكل لا يسمح له الاصطدام بمراكز القوى الرئيسة.

ثالثاً، أنه بعد تجربة حكومة عبد المهدي التي خضعت بشكل كبير لنفوذ الفصائل المسلحة التي سيطر حلفاؤها السياسيون على مواقع حساسة كمنصب مدير مكتب رئيس الوزراء، يمكن لحكومة بوجه ناعم وبطاقم من "المُستقلِّين" أو "شبه المستقلين" و "التكنوقراط" -وهي مطالب صدرية منذ سنوات استهدفت بشكل أساسي تفكيك شبكة الموالين للمالكي في مؤسسات الدولة- أن تُسوَّق داخلياً وخارجياً على أنها حكومة إصلاحية ومعتدلة وليست حكومة خاضعة بشكل كبير للتأثير الإيراني.

ولربما أسهمت الاحتجاجات والصدام الأخير مع الأمريكيين الذي أودى بحياة سليماني بإقناع الإيرانيين أن من الأسلم لهم ترك هامش أوسع للعراقيين في تحديد شكل حكومتهم -شريطة التأكد من أن تلك الحكومة لن تهدد المصالح الإيرانية الأساسية في العراق- وهو ما يبدو أن صفقةً مع الصدر يُمكنها أن تؤمِّنه.

الصدر وعلاوي في مواجهة تحدي الحِراك الاحتجاجي

تفاجأ الصدر بقوة واتساع الرفض لأولوياته، وبأن الحراك الاحتجاجي قد تطوَّر بشكل يصعب عليه السيطرة التامة على دينامياته، وجاء الصدام بين عناصر من الصدريين وغيرهم من المُحتجين في النجف وبغداد، مُسقِطاً عدداً من الضحايا ليُنتِج استقطاباً جديداً في الساحات اتخذ أحياناً طابعاً أيديولوجياً بين صدريين "إسلاميين" و مدنيين "علمانيين". وقد وجد الصدر نفسه في وضع صعب وغير مسبوق، ليس فقط بسبب سقوط "الحصانة" من النقد العلني التي تمتع بها سابقاً، مع هتاف آلاف المتظاهرين ضده، وتداعي تحالفه السابق مع القوى "المدنية"، بل وأيضاً ظهوره بمظهر المتبنِّي الأساسي لحكومة علاوي المنتظرة، في وقت لم تُظهِر المرجعية الشيعية الكثير من الحماس تجاهها ونأت بقية الفصائل الشيعية بنفسها عن تبنِّيها بشكل مطلق. لذا عاد الصدر مؤخراً لمحاولة تخفيف التصعيد مع الساحات والتأكيد على شروطه بأن لا تكون حكومة علاوي خاضعة للأحزاب بل أن تكون حكومة مستقلين وتكنوقراط.

وبين ضغط الصدر ورفض أقسام كبيرة من الحراك الاحتجاجي لتكليفه، من جهة، وضغط بعض القوى السياسية للحصول على مواقع في تشكيلته الحكومية، من جهة ثانية، يواجه علاوي تحدي الموائمة بين رغبته الحصول على شرعية شعبية عبر تشكيل حكومة غير حزبية، وبين حاجته لتصويت "الأحزاب" داخل البرلمان لمنح الثقة لتلك الحكومة. مع ذلك، إن نجح علاوي بالاحتفاظ بدعم الصدر وبالقبول الإيراني، وقدّم تشكيلة لا تستفز مزيداً من المعارضة الشعبية، فقد ينجح بتمريرها برلمانياً في ظل الضغط الصدري-الإيراني على القوى الشيعية التي يمكن لها أن تضمن أغلبية حتى في حالة معارضة القوى الكردية والسنية التي تطالب بمناصب وزارية. لكن تمرير هذه الحكومة لن يكون على الأرجح نهاية المطاف في الصراع بين الطبقة السياسية والشارع، بل بداية لمرحلة جديدة.

* باحث أول في مركز كارنيغي للشرق الأوسط.

 

أحدث الإيجازات