في 26 يونيو 2020، نَفَّذ جهاز مكافحة الإرهاب العراقي عملية أمنية مُفاجِئة، دَاهَمَ خلالها مقراً أمنياً تابعاً لمليشيا "حزب الله" العراقي في أحد أطراف بغداد، كان يضم العديد من صواريخ الكاتيوشا ومنصات إطلاق الصواريخ المُعدَّة لاستهداف مقرٍ عسكريٍّ تشغله القوات الأمريكية في مطار بغداد الدولي. وسَلَّطت هذه العملية الضوء على الأزمة الأمنية المعقدة التي يمر بها العراق اليوم، وعلى مقدار التحديات الصعبة التي تواجه حكومة مصطفى الكاظمي من أجل تحقيق استقرار أمني وسياسي مُستَدام، إلى جانب إيجاد حلولٍ للأزمات الاقتصادية والصحية التي تعصف بالبلاد.

الخلفية والسياق

مَثَّل مقتل قائد قوة القدس الإيرانية قاسم سليماني رفقة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في 3 يناير الماضي، بداية عنوان جديد للصراع بين إيران والولايات المتحدة في العراق، إذ شهدت المراحل اللاحقة العديد من عمليات القصف الصاروخي التي طالت القواعد العسكرية التي توجد فيها القوات الأمريكية في العراق. وتنظر الفصائل الولائية القريبة من إيران، بريبة وشك إلى طبيعة الوجود الأمريكي في العراق، وهو ما ترجمته عملياً في يناير الماضي عبر ضغطها على مجلس النواب العراقي لإصدار قرار نيابي يُطالب الحكومة بإخراج القوات الأجنبية من البلاد.

وفي خضم هذا الصراع المعقد، خاضت حكومة الكاظمي الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة في 11 يونيو الماضي، وذلك من أجل الوصول إلى تفاهم واضح حول طبيعة مستقبل الوجود الأمريكي في العراق، على أمل أن تستكمل الجولات المقبلة بعد زيارة الكاظمي إلى واشنطن في شهر يوليو الجاري، حسب ما تم الإعلان عنه من قبل الحكومة العراقية. وفي هذا الإطار، ترى الفصائل الولائية وتحالف الفتح الذي يقوده رئيس منظمة بدر، هادي العامري، أن هذا الحوار قد تَنتُج عنه تداعيات خطيرة على مستقبلها ومستقبل النفوذ الإيراني في العراق، ولهذا أعلنت رفضها في أكثر من مناسبة، لأي اتفاقية تتمخض عن الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، إذا لم يتم النص فيها صراحة على خروج كامل للقوات الأمريكية من العراق.

وفي خطوةٍ هدفها استباق زيارة الكاظمي لواشنطن، قَدَّم تحالف الفتح وائتلاف دولة القانون الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، طلباً نيابياً لاستضافة الكاظمي في البرلمان، وتحميله مسؤولية الفشل في إدارة الملف الصحي في العراق، كما طالب تحالف الفتح بضرورة أن يكون هناك ممثل له ضمن الوفد الذي سيرافق الكاظمي لواشنطن، للاطلاع على طبيعة الحوارات التي ستُجرى بين الطرفين. كما أصدر زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، المُصنَّف على لوائح الإرهاب الأمريكية، تصريحات حَمَّل فيها الكاظمي مسؤولية أي تداعيات أمنية مقبلة في العراق.

وتَنظُر إيران ومن بعدها الفصائل الولائية بشكوك كبيرة إلى طبيعة التحركات التي يقوم بها رئيس الوزراء العراقي الجديد، وعلى الرغم من الزيارة التي قام بها الكاظمي لمقر هيئة الحشد الشعبي في 16 يونيو الماضي، والتطمينات التي قدَّمها لهم، إلا أنه في المقابل قَدَّم إشارات واضحة إلى ضرورة تطبيق القانون رقم 40 لسنة 2016 الخاص بهيكلة الحشد الشعبي، وهي خطوة قد تُمهِّد لتحييد الفصائل الولائية التي تنضوي ضمن الحشد الشعبي. وفضلاً عن ذلك، تنظر هذه الفصائل المهيمنة على الحشد الشعبي، بقلقٍ وترقُّب إلى الإجراءات الإدارية التي يقوم بها الكاظمي عبر إجراء تعديلات على عدة مناصب أمنية حسَّاسة، منها إعادة عبدالوهاب الساعدي إلى رأس جهاز مكافحة الإرهاب، وتعيين عبدالغني الأسدي رئيساً لجهاز الأمن الوطني، وعثمان الغانمي وزيراً الداخلية، وإعفاء مستشار الأمن الوطني، فالح الفياض من منصبه، وتعيين قاسم الأعرجي بدلاً منه، وتَعتقِد الفصائل أن هذه الإجراءات والقرارات قد تطول المواقع المهمة التي تحتلها داخل هيئة الحشد الشعبي مستقبلاً.

احتمالات التصعيد بين الفصائل الولائية وحكومة الكاظمي

نظراً للتداعيات العميقة التي أنتجتها عملية الدورة التي قام بها جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، فقد يشعر "حزب الله" العراقي بأنه مضطر إلى تصعيد الموقف، إذ عانى الحزب من انتكاسة تلو الأخرى في الأشهر الأخيرة، بدءاً من الضرر الذي أُلحِق بسمعته بسبب الدور الذي اضطلع به في تنسيق عمليّات قتل المتظاهرين، وحالات الاختفاء، مروراً بمقتل سليماني والمهندس، والضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على مواقعه في العراق وسوريا، واحتجاجات مرجعية النجف ضد ترقية "أبو فدك المحمداوي" زعيم الحزب حالياً ليحلّ محل المهندس نائباً لرئيس هيئة الحشد الشعبي، ووصولاً إلى تعيين مصطفى الكاظمي رئيساً للوزراء، وهو ما رفضه الحزب صراحة، ومن ثمَّ قد يكون الحزب بالغ الحساسية في حال تعرّضه لإذلال آخر؛ فهناك دلائل سابقة تُبيِّن الخلل الذي حلّ بتوازناته، بسبب سلسلة من الانتكاسات التي مرَّ بها؛ فهو يبدو اليوم أقل انتظاماً وأقلّ انضباطاً مما كان عليه في الماضي، حيث يتوعّد القادة العراقيين بإرسال جماعات كبيرة من المقاتلين إلى قلب المنطقة الخضراء، وهم مسلحون ببنادق هجومية وحتى بقذائف صاروخية، مع العلم أن لدى الحزب حامية عسكرية كبيرة داخل هذه المنطقة، يبلغ مجموع عناصرها أكثر من ألفي مقاتل، ويمكن تعزيزها بسهولة في وقت قصير، وتقع إحدى قواعد الحزب وراء مقر رئيس الوزراء مباشرة، بينما يقع مقر آخر داخل القصر الجمهوري، الذي هو الموقع الرسمي لاستقبال الزيارات الرسمية.[1]

ويُشكِّل سؤال الشرعية اليوم أحد أبرز أوجه الصراع بين مصطفى الكاظمي والفصائل الولائية؛ ففي الوقت الذي تستند فيه شرعية الكاظمي إلى كونه رئيساً لوزراء العراق، وجاء عبر توافق العديد من الكتل السياسية، لمعالجة الأزمات السياسية والاقتصادية والصحية التي تعيشها البلاد، تَستنِد شرعية الفصائل الولائية إلى دورها الأساسي في محاربة تنظيم "داعش"، وأنها جزءٌ من محور المقاومة الذي يقوده خامنئي، وهي تُشكِّل ما يقرب من 70% من هيئة الحشد الشعبي، ما يوضح بدورهِ الهيمنة الكبيرة لهذه الفصائل على الحشد.

وعلى الأرجح فإن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تقرير مستقبل التوافق - الخلاف بين الطرفين، خصوصاً أن الفصائل الولائية تنظر بترقُّب كبير لمخرجات الحوار الاستراتيجي المرتقب بين العراق والولايات المتحدة، وباتت تُبدي خشيةً متزايدةً من إمكانية إجراء تعديلات جوهرية على هيكلية الحشد الشعبي، بالشكل الذي يطيح بمركزيتها وتأثيرها، وخاصةً في ضوء إعلان الكاظمي عن قُرْب إطلاق عملية أمنية كبيرة لاستعادة السيطرة على المنافذ الحدودية التي تهيمن عليها هذه الفصائل، والتي تدر عليها مليارات الدولارات سنوياً، تَستخدِمها في تمويل نفسها بعد انقطاع الدعم والتمويل الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية.

كما أنها تنظُر إلى المقترحات الأمريكية الخاصة بإصلاح قطاع الأمن العراقي، والتي تُركِّز على إصلاح وضع الحشد الشعبي عبر تدابير من قبيل: تجميد الوضع الحالي للحشد الشعبي، ودعم القدرات العسكرية الرسمية العراقية، وتعيين قائد عسكري غير جدلي لرئاسة الحشد؛ تَنظُر إليها باعتبارها استراتيجية مؤثرة لتحويل الحشد الشعبي من مؤسسة عسكرية عقائدية إلى مؤسسة إدارية تتبع المؤسسة العسكرية العراقية، وبالتالي خروجها من الحسابات الاستراتيجية الإيرانية مستقبلاً. وعلى هذا الأساس، جاءت زيارة قائد قوة القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد في يونيو 2020، لتؤكد سياسة الهروب الإيرانية للأمام، ومحاولة طهران استباق أي تداعيات غير مرغوبة إيرانياً قد تتمخض عن الحوار الاستراتيجي العراقي-الأمريكي وتؤثر سلباً على نفوذها في العراق، من خلال تحضير مسارات تحرُّكٍ بديلةٍ؛ لاسيما في حال أثمرت زيارة الكاظمي لواشنطن هذا الشهر، عن نتائج مهمة تؤثر على وضع الفصائل الولائية المرتبطة بها، ومن بين تلك المسارات التي تُطرَح إمكانية تدبير انقلاب على حكومة الكاظمي على نحو يُشابِه ما قامت به جماعة "أنصار الله" الحوثية الموالية لإيران في العاصمة اليمنية صنعاء سنة 2014، عندما أطاحت بالحكومة الشرعية التي يرأسها عبد ربه منصور هادي، لتتولى بعدها زمام السلطة في البلاد بدعم إيراني كامل.

______

[1] Michael Knights, Testing Iraq’s Ability to Crack Down on Anti-U.S. Terrorism, The Washington Institute for Near East Policy, Policy Watch 3341, June 26, 2020. Available at: https://bit.ly/2NDFpRx

 

أحدث الإيجازات