تحولت الفصائل الولائية، المرتبطة بالمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إلى قوة موازية للدولة العراقية، فضلاً عن طرح نفسها ممثلاً رئيساً للحالة الشيعية في العراق، إلا أن هذا الصعود شابتهُ تحديات كبيرة بعد اغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في 3 يناير 2020، إذ ظهرت خلافات ضمن الفصائل الولائية أخذت في تهديد وحدة البيت الولائي من جهة، والاستقرار السياسي والأمني في العراق من جهة أخرى. وفيما يلي قراءة لجوانب الخلاف بين الفصائل الولائية في العراق وتداعياتها.

بروز الخلافات الداخلية بين الفصائل الولائية وأسبابها

ساهم العديد من الأسباب في بروز الخلافات فيما بين الفصائل الولائية في الآونة الأخيرة، ومن أبرز هذه الأسباب:

  1. الفراغ القيادي الناجم عن مقتل سليماني والمهندس، إذ لعبت هاتان الشخصيتان دوراً مهماً في تأطير حركة هذه الفصائل، وضبط التنافس فيما بينها، وتوحيد مواقفها، وذلك بسبب شخصيتهما الكاريزمية وتاريخهما الطويل في العمل المسلح ومكانتهما التنظيمية. ولم يتمكن القائد الجديد لفيلق القدس إسماعيل قاآني من ملء الفراغ الذي خلّفه غياب سليماني، وتحديداً على مستوى فرض الالتزام بالتعليمات والمواقف القادمة من طهران، وهو ما برز واضحاً حيال تعاطي الفصائل الولائية مع موضوع التهدئة الإيرانية مع الولايات المتحدة في العراق.
  2. حالة عدم الاستقرار السياسي التي مرّ بها العراق، وتحديداً في مرحلة ما بعد اندلاع احتجاجات "تشرين" في مطلع أكتوبر 2019، والذي انعكس بدوره على طبيعة المواقف السياسية لهذه الفصائل، من حيث تبني مواقف متباينة حيال قضايا وملفات عديدة.
  3. بروز التنافس بين قيادات الفصائل الولائية، سواءً على مستوى انتزاع مركزية القرار الفصائلي مع إيران، أو تصدُّر المشهد السياسي في العلاقة مع الحكومة العراقية، أو في تبني مشهد المواجهة مع الولايات المتحدة في العراق، وتتمثل أبرز صور هذا الصراع بين هادي العامري زعيم منظمة بدر وقيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق وعبدالعزيز المحمداوي (أبو فدك) الذي دعمت إيران توليه رئاسة أركان الحشد الشعبي وأكرم الكعبي الذي عُين بصفة ممثل فيلق القدس في العراق. ومع الدعم الإيراني الواضح لكتائب حزب الله العراق يبدو أن قيادات لفصائل ولائية أخرى بدأت تشعر بتراجع دورها، مثل قيس الخزعلي، ما دفعه إلى محاولة إظهار تمايزه عن المواقف الإيرانية في العراق، كما حصل في مسألة قصف السفارة الأمريكية.[1] إذ يبدو أن فصيل الخزعلي هو من يقف وراء عملية قصف المنطقة الخضراء في 20 ديسمبر 2020، وقد ألْقت القوات الأمنية العراقية القبض على حسام الأزيرجاوي مسؤول وحدة الصواريخ في عصائب أهل الحق، وهو ما دفع إسماعيل قاآني إلى زيارة بغداد في 23 من الشهر نفسه، وإبلاغ جميع قادة الفصائل الولائية بأن عدم استهداف المقرات الأمريكية أمر وليس طلباً من طهران، ويجب على الجميع الالتزام به.[2]
  4. استشراء الخلافات واشتداد الصراعات بين الفصائل الولائية على المكاسب المالية والمصالح الاقتصادية؛ فعملية تفكيك "سرايا طليعة الخراساني" وملاحقة كبار قادتها، وإن وضع تحت عنوان تطبيق القانون وفرض الانضباط، إلا أنها لا تحجب الخلافات المعقدة بين الفصائل القوية والفصائل الطامحة، وتم اللجوء إلى أسلوب الشطب والإلغاء على قاعدة البقاء للأقوى سلاحاً والأكثر نفوذاً سياسياً.[3]

التأثيرات المتوقعة لهذه الخلافات بين الفصائل الولائية

يمكن القول بأن استمرار هذه الخلافات وتعاظمها سوف يكون له تداعيات كبيرة على مستقبل وجود هذه الفصائل ودورها، خصوصاً إذا ما تجاوزت الحدود المسموح بها، وفي هذا الإطار تتضح أربعة تداعيات مهمة، هي:

  1. على مستوى قوة الفصائل الولائية، إذ إن القوة التراكمية التي حققتها هذه الفصائل في مرحلة ما بعد "داعش"، على مستوى التأثير السياسي والاستحواذ الاقتصادي والسطوة الأمنية، جاءت بفعل المركزية التي امتازت بها خلال الفترة الماضية، وعليه فإن استمرار هذه الخلافات سيقوض المركزية ما سيسهم في تراجع قوتها التراكمية، وانحلال الكثير من تلك الفصائل.
  2. على مستوى النفوذ الإيراني، تعوّل إيران كثيراً على تأثير الفصائل الولائية في ترسيخ وإدامة نفوذها، وبالتالي فإن الخلافات المتصاعدة بين هذه الفصائل ستنعكس بصورة مباشرة على طبيعة الدور الإيراني في العراق، وهو ما يبرر الزيارات المكوكية لقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى العراق، للسعي إلى وضع حد لهذه الخلافات ومعالجتها.
  3. على مستوى الواقع السياسي العراقي، فإن الصعود الكبير للفصائل الولائية في العراق جاء بعد مشاركتها في الانتخابات البرلمانية في 12 مايو 2018 ضمن تحالف "الفتح"، وحصولها على 48 مقعداً، وبالتالي فإن من شأن الخلافات الحالية أن تؤثر في وحدة هذا التحالف من جهة، وفي الواقع السياسي العراقي من جهة أخرى، خصوصاً إذا ما أدت هذه الخلافات إلى الانشقاق والدخول في تحالفات انتخابية مختلفة. ومع أن تحالف "الفتح" أعلن في 24 ديسمبر الماضي عن دخوله الانتخابات ضمن قائمة موحدة، مع إضافة المجلس الإسلامي الأعلى له، وتشكيل هيئة قيادية تتكون من هادي العامري وقيس الخزعلي وأحمد الأسدي وهمام حمودي، واختيار هادي العامري أميناً عاماً للتحالف، إلا أن هذا الإعلان قد لا يكون نهائياً، فمع تأجيل الانتخابات التشريعية المبكرة إلى أكتوبر المقبل، يوجد احتمال كبير بانفراط التحالف نتيجة للتنافسات البينية بين هذه القيادات.
  4. على مستوى استراتيجية حكومة الكاظمي، إذ تُظهر عملية تعاطي حكومة الكاظمي مع الفصائل الولائية أنها ليست قادرة حتى اللحظة على امتلاك الإرادة السياسية الواضحة لإخضاع هذه الفصائل ضمن هيكل الدولة، ويبدو أن استراتيجية الكاظمي ترتكز على احتواء تلك الفصائل وتحييد سلوكها المتحدي للدولة وتخفيف التصعيد معها، وهو في استراتيجيته هذه يستغل حالة التنافس والصراع بين هذه الفصائل وكلٍّ من التيار الصدري وحشد العتبات، كما أنه يعتمد على الدور الإيراني في "ضبط" الفصائل الجامحة منها.[4] ولا شك في أن تنامي الخلافات والصراعات ضمن صف الفصائل الولائية يسهم في تعزيز استراتيجية حكومة الكاظمي لضبط هذه الفصائل وإخضاعها للقرار السياسي العراقي على المدى القريب، أو لإصلاح قطاع الأمن في العراق على المدى المتوسط والطويل، خصوصاً أن هناك دعماً شعبياً ودولياً في هذا الاتجاه.

خلاصة واستنتاجات

تحولت الفصائل الولائية بعد نهاية الحرب على "داعش" إلى قوة موازية للدولة العراقية، وأخذت على عاتقها خدمة المصالح الإيرانية في العراق والوقوف بوجه أي محاولة حكومية أو شعبية تطمح إلى إنهاء النفوذ الإيراني. إلا أنها في المقابل واجهت تحديات كبيرة في مرحلة ما بعد سليماني والمهندس، إذ ظهرت خلافات عديدة على مستوى القيادات الفصائلية، وهو ما اتضحت صورته في الخلافات الأخيرة التي ظهرت للسطح حول التهدئة مع واشنطن والتبرؤ من الهجمات التي طالت السفارة الأمريكية في بغداد مؤخراً.

وعلى صعيد العلاقة بين إيران وهذه الفصائل، فيمكن القول بأن هذه العلاقة شهدت تحولات مهمة في مرحلة ما بعد سليماني غلب عليها طابع عدم السيطرة، إذ إن قاآني اليوم يتصرف بوصفه ناقلاً لتعليمات المرشد الأعلى أكثر من ممارسة دور مؤثّر، حتى إن زياراته المستمرة إلى العراق تأتي في إطار معالجة ملفات آنية، وليس لوضع استراتيجيات طويلة الأمد كما كان عليه الحال في زمن سليماني، والأكثر من ذلك فإن الاضطراب الحالي في سلوك الفصائل الولائية يأتي أيضاً بسبب ضبابية السياسة الإيرانية المتوقعة مع إدارة بايدن الجديدة، فضلاً عن الصراع المتصاعد بين وزارة الاستخبارات الإيرانية وفيلق القدس في العراق، حيث يحتضن كل طرف فصائل بعينها. وإجمالاً قد تلجأ إيران في الفترة المقبلة إلى ترسيخ مركزية بعض الفصائل الولائية في مقابل تفكيك وحل فصائل أخرى، كمدخل لمعالجة الإخفاقات الحالية، سواء بصورة مباشرة أو بالتفاهم مع حكومة الكاظمي.

وفي هذا المجال فإن تردد الكاظمي في ضبط حركة الفصائل الولائية أسهم في غياب خطوط واضحة لأدوار هذه الفصائل، في داخل العراق وخارجه، وهو ما قد ينبئ بتداعيات خطيرة قد يشهدها الواقع العراقي فيما لو تمردت هذه الفصائل أكثر، ويبقى التحدي أمامه في كيفية تمكنه من ربط الديناميات الإقليمية والدولية المناهضة للسلوك الإيراني مع الداخل العراقي، لتحقيق إجماع داخلي وخارجي يدعم جهود الحكومة العراقية في مجال إنهاء دور الفصائل الولائية وإصلاح قطاع الأمن في العراق.

الهوامش

[1] Suadad al-Salhy, “Exclusıve: Asaib Ahl al-Haq defying Iran to attack US in Iraq,” Middle East Eye, 12 December 2020: https://bit.ly/34htxx3

[2] "أمر بوقف تمرد الفصائل وحذر من الهجوم على الأمريكيين .. تفاصيل زيارة الجنرال قآاني للعراق"، موقع عربي بوست، في 28 ديسمبر 2020. https://bit.ly/34YdK6G

[3] "الحشد الشعبي يدشّن عملية تصفيات داخلية بعد استشراء الخلافات بين فصائله"، صحيفة العرب، في 17 ديسمبر 2020. https://bit.ly/38ag2Ax

[4] Suadad al-Salhy, "Soleimani's shadow: How the general's death upended Iranian strategy in Iraq," Middle East Eye, 2 Jan 2021. https://bit.ly/2X7U63I

 

أحدث الإيجازات