تشهد كينيا تنامياً ملحوظاً في نشاط حركة "شباب المجاهدين" الصومالية. ففي أبريل الماضي، قتلت الحركة ستة من الجنود في شمال شرق البلاد. وقَبْلها، وتحديداً في شهر يناير، شنَّت هجوماً على قاعدة جوية أمريكية. وبرغم الضربات الأمريكية المتواصلة لمعاقلها، ما تزال الحركة تُصعِّد من عملياتها، خاصةً في الجزء الشمالي الشرقي.

تُلقي هذه الورقة الضوء على الاتجاهات الحالية لنشاط حركة الشباب في كينيا ومخاطر تمدُّدها، وتحديات مكافحتها، لاسيما في ظل تفشي وباء كورونا المُستَجَد في البلاد، والسيناريوهات المحتملة لنشاط الحركة وجهود الحكومة الكينية في مكافحة الإرهاب.

نشاط حركة الشباب في كينيا: الاتجاهات العامة ومخاطر التمدُّد

  • اتجهت الحركة إلى تكثيف هجماتها خلال الفترة من يناير إلى مايو، والتي بلغت أكثر من 15 هجوماً منذ بداية عام 2020[1]، وتركز معظمها في المناطق الساحلية: مانديرا، واجير، جاريسا، لامو. واستهدفت بشكل رئيسي قوات الجيش والأمن[2]. وهدفت بذلك إلى الضغط على كينيا التي تساهم بقوات في بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال[3]، حيث تأتي هذه الهجمات متزامنة مع تصعيد الحركة هجماتها لاستعادة معقلها السابق في جنال بمنطقة شبيلي السفلى في جنوب الصومال، التي سيطرت عليه القوات الصومالية المدعومة من قبل قوات الأفريكوم وقوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في منتصف مارس.
  • في مقابل استمرار الضربات والغارات الأمريكية التي تستهدفها، واصلت الحركة استهداف القوات الأمريكية في كينيا. ففي 5 يناير، شنَّت هجوماً على "معسكر سيمبا" في خليج ماندا، بالقرب من حدود كينيا مع الصومال. وقتلت ثلاثة أمريكيين ودمرت ست طائرات مدنية وثلاث مركبات عسكرية[4]، وهو ما يشير إلى تطور القدرات الهجومية لـفصيل "جيش الإيمان" التابع للحركة بعد تلقيه دعماً لعملياته من قيادة الحركة عبر الحدود الهشَّة مع الصومال. كما تشير كثافة الهجمات وانتشارها إلى توسُّع خلايا الحركة داخل كينيا، حيث يتخذ "جيش الإيمان" من غابة بوني في مقاطعة لامو قاعدة لعملياته، وهو المسؤول عن الهجوم على "معسكر سيمبا"[5].
  • تزداد مخاطر التمدد الإقليمي لحركة الشباب، لاسيما في شمال شرق كينيا، حيث تستفيد من الانقسامات الدينية والصرعات الطائفية، وقد وجهت تهديدات إلى المسيحيين في المنطقة وأعدمت العديد منهم. وبرَّرت الحركة هجومها على القاعدة الأمريكية في يناير برغبتها في استعادة المنطقة التي تدعي أنها سُرِقَت من السكان المسلمين من قبل الحكومة الكينية والجماعات المسيحية[6].
  • وثمَّة إمكانية لتعميق الحركة تواصلها مع خلاياها في كينيا وتنزانيا عبر المدن والمناطق الساحلية الكينية بما يُسهِم في زيادة عملياتها، لاسيما تجنيد المقاتلين المحتملين، بشكل يجعل من الشمال الشرقي نقطة عبور لعمليات الحركة داخل تنزانيا وأوغندا، حيث يشكل مئات المقاتلين الكينيين والتنزانيين النسبة الأكبر في صفوف الحركة.

| تُشير كثافة هجمات حركة الشباب وانتشارها إلى توسُّع خلاياها داخل كينيا، حيث يتخذ "جيش الإيمان"، ذراع الحركة هناك، من غابة بوني في مقاطعة لامو قاعدةً لعملياته

تحديات مكافحة الإرهاب في كينيا

في الوقت الراهن، تواجه جهود مكافحة الإرهاب في كينيا عددٌ من التحديات، أبرزها ما يأتي:

1. انخراط الأجهزة الأمنية في مكافحة وباء كورونا المُستجَد الذي أخذ في التفشي مؤخراً وتنفيذ إجراءات التباعد الاجتماعي في مختلف مناطق البلاد[7]، وهو ما يفرض تحديات على جهود مكافحة الإرهاب في ظل أعمال العنف التي اندلعت في بعض المناطق احتجاجاً على تطبيق هذه الإجراءات.

2. تفشي الفساد في أجهزة الأمن، الأمر الذي يسمح للحركة باختراقها وتسهيل نقل الأسلحة عبر الحدود أو حتى شرائها من هذه القوات.

3. استمرار التوترات بين كينيا والصومال حول الحدود البحرية، بسبب الاكتشافات النفطية في المنطقة، إذ لا توجد اتفاقية لترسيم الحدود بين البلدين[8]. وتواصل مقديشو اتهاماتها لكينيا بدعم جوبالاند، حيث تعمل نيروبي على إقامة منطقة عازلة لحركة الشباب. وفي أوائل فبراير، اتهمت الحكومة الصومالية كينيا بإخفاء عبد الرشيد جنان في مانديرا المتاخمة لجوبالاند[9].

| تزداد مخاطر التمدد الإقليمي لحركة الشباب، لاسيما في شمال شرق كينيا، حيث تستفيد من الانقسامات الدينية والصرعات الطائفية، وقد وجهت تهديدات إلى المسيحيين في المنطقة وأعدمت العديد منهم

السيناريوهات المحتملة لنشاط حركة الشباب وجهود مكافحة الإرهاب

السيناريو الأول، تكثيف الحركة لهجماتها على القواعد والأهداف العسكرية في كينيا لتخفيف الضغط العسكري عليها في الصومال، حيث تستفيد من خلاياها بما في ذلك "جيش الإيمان"، في تنفيذ هذه الهجمات. وتبدو الأجهزة الأمنية مُنشغلة بمكافحة وباء كورونا، ناهيك عن تفشي الفساد بين صفوفها وسهولة اختراقها من قبل الحركة، التي لا تزال قادرة على تهديد أمن كينيا بفضل مرونتها وإمداداتها المستمرة بالمقاتلين[10]. ومع ذلك تعاني الحركة من صراعاتها الداخلية والصراع مع تنظيم داعش[11]، واستمرار الضربات العسكرية الأمريكية التي تستهدف قياداتها وعناصرها، وهو ما قد يحد من قدرتها على توسيع عملياتها داخل الأراضي الكينية.

السيناريو الثاني، انسحاب القوات الكينية من الصومال، خاصةً بعد تصاعد مطالب المعارضة الكينية بسحبها، إذ لم تحقق عملياتها العسكرية أهدافها المتمثلة في إخضاع حركة الشباب وإنهاء الإرهاب في كينيا. ناهيك عن التوترات المتزايدة في العلاقات الكينية-الصومالية بسبب النزاع حول حدودهما البحرية، والتي تحد من التعاون بين الدولتين في مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، تبدو كينيا مترددة في الانسحاب لأن ذلك يعني التخلي عن حلفائها داخل الصومال وتمدد النفوذ الأثيوبي، الذي سيمنح أثيوبيا موقعاً مهيمناً في بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، وهي المعضلة التي يواجهها صُنَّاع القرار في كينيا اليوم[12].

السيناريو الثالث، استمرار التعاون العسكري والتنسيق الأمني بين كينيا والولايات المتحدة للحد من تمدد حركة الشباب، وخاصة في ظل الوجود العسكري الأمريكي المتزايد في كينيا، وإرسال واشنطن تعزيزات عسكرية إلى كينيا بعد استهداف القاعدة الأمريكية هناك. وقد أعلنت واشنطن بالفعل في فبراير عن إنشاء أول فرقة عمل أمريكية مشتركة لمكافحة الإرهاب (JTTF-K)، ومقرها في كينيا. وبرغم التحديات المرتبطة بارتفاع أعداد المصابين بفيروس كورونا في الولايات المتحدة، واستهداف حركة الشباب للوجود الأمريكي في كينيا، لكن الضربات العسكرية الأمريكية لمعاقل الحركة لم تتوقف في المنطقة حتى الآن.

وبموازنة السيناريوهات المطروحة، يبدو أن السيناريو الأول هو الأكثر ترجيحاً في ضوء الاعتبارات التالية:

  1. أن الحركة لا تزال تحاول تعويض خسائرها في الصومال، والانتقام من القوات الأمريكية والكينية التي كبَّدتها خسائر كثيرة، وتحاول استغلال أزمة كورونا في توسيع عملياتها في التجنيد والهجوم على المواقع العسكرية.
  2. التمديد لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال حتى 28 فبراير 2021، وهو ما يتوقع معه استمرار الحركة في تكثيف هجماتها على المصالح الأجنبية والكينية.
  3. استراتيجية التدخل العسكري الأمريكي المحدود من خلال الضربات العسكرية الجوية وتقديم تغطية للعمليات البرية. وبرغم أن هذه الضربات قد نجحت في تصفية العديد من قيادات "الشباب"، لكن الحركة في المقابل تظل قادرة على تعزيز وترسيخ وجودها في المجتمعات المحلية من خلال استغلال المظالم المحلية وتردِّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصحية.

خلاصة

لا تزال حركة الشباب تشكل تهديداً للأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهناك حاجة إلى تعزيز الجهود الدولية والإقليمية في مكافحة الإرهاب، ودعم استمرار ولاية بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، وخاصة في ظل عدم قدة الجيش الصومالي وحده على مواجهة الحركة من دون دعم عسكري دولي وإقليمي.

الهوامش

[1] Karen Allen, "The United States has established its first joint terrorism task force overseas – will its focus stop at training?," 26/3/2020 , available at: https://issafrica.org/iss-today/why-is-the-us-ramping-up-anti-terrorism-efforts-in-kenya

[2] Crisis Group, Crisis Watch: Tracking Conflict Worldwide, April 2020, available at: https://www.crisisgroup.org/crisiswatch/may-alerts-and-april-trends-2020#kenya

[3] U.S. Department of Defense, East Africa and  North and West Africa  Counterterrorism  Operations Lead Inspector General Report to The United States Congress, October 1, 2019‒December 31, 2019, p.17

[4] James Barnett, "The Evolution of East African Salafi-Jihadism," Hudson Institute, 28/3/2020, available at: https://www.hudson.org/research/16075-the-evolution-of-east-african-salafi-jihadism

[5] John foulkes, "Bashir Qorgab—al-Shabaab Veteran Commander Killed in U.S. Airstrike," Militant Leadership Monitor, Volume: 11, Issue: 3, 2/3/2020, available at: https://jamestown.org/brief/bashir-qorgab-al-shabaab-veteran-commander-killed-in-u-s-airstrike

[6] Ideam.

[7]  برغم أن تفشي وباء مرض "كوفيد-19" في كينيا لا يزال في المرحلة الأولية منذ الإعلان عن أول حالة إصابة في مارس الماضي، لكن البلاد، وفق بعض التقديرات، مُعرَّضة لفقدان حوالي 30 ألف شخص خلال مرحلة الذروة ما لم يتم الالتزام بتدابير التباعد الاجتماعي. وتواجه كينيا عَجْزاً في أسرة العناية المركزة (518 سريراً)، وأجهزة التنفس (297 جهازاً) على المستوى الوطني. فضلاً عن ضعف البنية التحتية لنقل المصابين إلى مرافق الرعاية الصحية. انظر: The Senate, AD HOC Committee on The Covid-19 Situation in Kenya, 3rd Progress Report  ,Thematic Area I: Health Issues, 28/4/2020, available at: https://www.theelephant.info/documents/3rd-progress-report-of-the-senate-ad-hoc-committee-on-the-covid-19-situation-in-kenya

[8]  عبد الرحمن عيسى، "الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا: قراءة في الخلفيات واستشراف المآلات"، 2019/3/25، متاح على الرابط التالي: https://somaliacenter.com/2019/03/25

[9] Tom Collins, "Al-Shabaab renews focus on north-eastern Kenya," 23/03/2020, available at: https://newafricanmagazine.com/22592

[10] Ideam.

[11] U.S. Department of Defense, op.cit, p.18

[12] Stig Jarle Hansen, "What Kenya stands to lose and gain by withdrawing from Somalia," 30/4/2020, available at: https://theconversation.com/what-kenya-stands-to-lose-and-gain-by-withdrawing-from-somalia-133640

 

أحدث الإيجازات