في خطوة كانت متوقعة منذ شهور أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد، في 25 يوليو 2021، عن إقالة رئيس الحكومة، وتجميد عمل المجلس النيابي، في سياق إعلان "حالة الخطر الداهِم" كما ينص عليها الدستور التونسي الجديد (2014). وقد جاءت قرارات الرئيس قيس سعيد في سياق احتجاجات شعبية واسعة شهدتها تونس في ذكرى إعلان الجمهورية، وفي ظل حالة موجة غير مسبوقة لوباء كورونا المستجد في البلاد.

تتناول هذه الورقة أبعاد الخطوة الجذرية التي اتخذها الرئيس التونسي ومواقف القوى الداخلية والخارجية إزاءها، وتأثيراتها المستقبلية المحتملة على المشهد السياسي في تونس.

ماهي أبرز قرارات الرئيس سعيّد؟

في أعقاب اجتماع طارئ جمعه بالقيادات العسكرية والأمنية أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد في خطاب توجه به للشعب عبر التلفزيون الرسمي عن تفعيل الفصل 80 من الدستور[1]، مضيفاً إلى صلاحياته رئاسة النيابة العامة، ثم أصدرت الرئاسة التونسية أمراً رئاسياً تضمن قرارات جديدة للرئيس سعيد، وقد جاءت الإجراءات تفصيلاً كالآتي:

  • إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي.
  • تجميد عمل واختصاصات المجلس النيابي لمدّة 30 يوماً.
  • رفع الحصانة البرلمانية عن كلّ أعضاء مجلس النواب.
  • تولي قيس سعيّد السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس حكومة يعيّنه الرئيس.
  • إقالة وزراء الوزارات السيادية (إبراهيم البرتاجي، وزير الدفاع الوطني، وحسناء بن سليمان، وزيرة العدل بالنيابة، إلى جانب هشام المشيشي الذي كان يشغل وزارة الداخلية)[2].

الرئاسة التونسية أكدت أن الرئيس سعيّد استشار كلاً من رئيس الحكومة هشام المشيشي، ورئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي، وذلك عملاً بالفصل 80 من الدستور الذي ينظم الإجراءات الإستثنائية لحالة "الخطر الداهم"، والذي يقر نصه بأن "لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتّمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن التدابير في بيان إلى الشعب"[3]. لكن القسم الثاني من الفصل يشير إلى أن "هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعدّ مجلس نواب الشعب (البرلمان) في حالة انعقاد دائم طوال هذه المدة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب، كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة، وبعد مضيّ 30 يومًا على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يُعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو 30 من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه".

ويبدو أن الرئيس التونسي قد تجاوز في تطبيق الفصل 80، إذ قرر تجميد عمل المجلس النيابي، مُستفيداً من غياب المحكمة الدستورية، التي لديها صلاحيات تفسير المواد الدستورية، وفي غياب هذه المؤسسة يبقى للرئيس الصلاحية المطلق للتأويل الدستوري.

مواقف القوى السياسية والدولية

تباينت مواقف القوى السياسية التونسية من الخطوة الجذرية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد بحسب موقع كل حزب وتنظيم من السلطة:

  • قوى مُعارِضة: وهي أساساً أحزاب التحالف الثلاثي الداعم لحكومة هشام المشيشي، وتتزعمها حركة النهضة إلى جانب حزبي قلب تونس وائتلاف الكرامة. وقد اعتبرت هذه القوى أن ما قام به الرئيس "انقلاب على الديمقراطية"، ودعت أنصارها للنزول إلى الشوارع و"الدفاع عن الشرعية"، ودعت النواب إلى الإلتحاق بالمجلس النيابي الذي أغلقته وحدات عسكرية.
  • قوى مُؤيّدة: وهي أساساً الأحزاب المعارضة لحكومة المشيشي، وعلى رأسها حركة الشعب القومية التي دعمت إجراءات الرئيس بشكل واضح، وحزب التيار الشعبي القومي الذي عبر عن تأييده لإعلان التدابير الاستثنائية، إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية القوية، والذي لم يرفض القرارات التي اتخذها الرئيس سعيد، داعياً في الوقت نفسه إلى "ضمانات دستورية مرافقة لقرارات رئيس الدولة"[4]. إلى جانب وجود تأييد شعبي ملحوظ لقرارات سعيّد، حيث نزل العشرات من التونسيين للاحتفال في الشوارع بهذه الإجراءات[5].

خارجياً، صدرت مواقف بعضها حَذِر، وبعضها الآخر مُباشر من دول الجوار المغاربي الأوروبي وتركيا، حيث تباينت بين الانحياز والدعوة للحوار:

  • الجزائر: أعلنت الرئاسة الجزائرية أن الرئيس عبد المجيد تبون تلقى مكالمة هاتفية من الرئيس التونسي قيس سعيد "تبادلا فيها مستجدات الأوضاع في تونس، كما تطرق الرئيسان إلى آفاق العلاقات الجزائرية التونسية وسبل تعزيزها"[6]. ولئن لم يُفصِح الجانب الجزائري عن فحوى الاتصال، إلا أنه يكشف عن تشاور تونسي جزائري بشأن ما حدث.
  • ليبيا: تباينت مواقف الفرقاء في ليبيا حول الخطوة التي أقدم عليها الرئيس التونسي، حيث اعتبر رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي خالد المشري قرارات سعيد "انقلاباً على الأجسام المنتخبة"[7] في انحياز أيديولوجي لحركة النهضة الإخوانية، باعتباره ينتمي للتيار الإخواني. في المقابل، وصف المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني الليبي، ما يجري في تونس بـأنه "انتفاضة الشعب التونسي ضد الإخوان"[8].
  • تركيا: في خطوة متوقعة أدانت تركيا الإجراءات التي أعلن عنها الرئيس قيس سعيد واستنكر المتحدث الرئاسة التركية إبراهيم قالن، ما اعتبره "تعليقاً" للعملية الديمقراطية في تونس، فيما جدد نائب رئيس "حزب العدالة والتنمية" نعمان قورتولموش، موقف أنقرة المبدئي الرافض للانقلابات أينما كانت، على حد قوله[9].
  • الاتحاد الأوروبي: حث الاتحاد الأطراف السياسية الفاعلة في تونس على احترام الدستور وتجنب الانزلاق إلى العنف، وقالت متحدثة باسم المفوضية الأوروبية "نتابع عن كثب أحدث التطورات في تونس وندعو كافة الأطراف في تونس إلى احترام الدستور ومؤسساته وسيادة القانون، كما ندعوهم إلى التزام الهدوء وتجنب اللجوء إلى العنف حفاظاً على استقرار البلاد"[10]. لكن اللافت أن الاتحاد الأوروبي لم يصدر أي تقييمات سياسية للإجراءات التي أقدم عليها الرئيس سعيّد.
  • الولايات المتحدة: أظهرت الإدارة الأمريكية مواقف غير محسومة تجاه تطورات تونس الأخيرة؛ فمن ناحية بادر البيت الأبيض إلى إعلان قلقه بشأن ما جرى، لكنه أشار إلى أن واشنطن "لم تحدد بعد ما إذا كان الوضع في تونس يعد انقلاباً"[11]. وفي الوقت نفسه، حثّ وزير الخارجية أنتوني بلينكن الرئيس التونسي قيس سعيّد في اتصال هاتفي بينهما، بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، على "الالتزام بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تُعد الأسس التي يقوم عليها الحكم في تونس"، وشجَّعه على "الاستمرار في الحوار المفتوح مع جميع الأطراف السياسية والشعب التونسي"[12].

المسارات المحتملة

على الرغم من أن الرئيس قيس سعيّد قد أصدر حتى الآن مراسيم محدودة، ويبدو أنه سيصدر مراسيم وقرارات أخرى خلال الساعات المقبلة، مما يصعب من عملية إستشراف مستقبل الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، إلا أنه يمكن أن نتوقع مسارين محتملين قد تسير في اتجاههما تونس مستقبلاً:

  1. المسار التصعيدي: يمكن أن يتوجه الرئيس سعيّد نحو تصعيد الإجراءات الجذرية من خلال اعتقال عدد من النواب الذين تتعلق بهم قضايا فساد وإرهاب، وفتح الملفات القضائية المسكوت عنها منذ سنوات، والمتعلقة أساساً بالإرهاب والفساد، لاسيما ملف الجهاز السري لحركة النهضة وشبكات التسفير وقضايا الفساد المالي والإداري. في المقابل، يُمكن أن تنجرف حركة النهضة نحو التصعيد الشعبي من خلال دعوة انصارها للنزول إلى الشوارع والعصيان المدني في صورة مشابهة لما حدث في مصر في عام 2013.
  2. المسار الحواري: بعد انقضاء مهلة الثلاثين يوماً التي يُقرّها الفصل 80 من الدستور، يمكن أن يتوجه جميع الأطراف إلى طاولة الحوار الوطني، ويمكن أن تُطرح خلالها مسألة تغيير النظام السياسي والانتخابي جذرياً بما يتوافق مع الرؤية التي يُبشّر بها الرئيس سعيّد منذ حملته الانتخابية، وهو أمر ستكون حركة النهضة مُجبرة على قبوله هرباً من مسلسل التصعيد الذي يمكن أن تكون له نتائج كارثية على تنظيمها السياسي.

لكن، ومهما جرى من تطورات للحالة التونسية المأزومة، من المؤكد أن الرئيس قيس سعيّد سيتوجه لوضع اليد على السلطة التنفيذية من خلال تعيين رئيس حكومة جديدة خلال الساعات المقبلة، وكذلك الإستعانة بجهاز النيابة العامة من خلال التغييرات على رأس وزارة العدل، والشروع في فتح الملفات القضائية التي تخص الطبقة السياسية، وخاصة بعض النواب، بعد أن سيطرت حركة النهضة وحلفاؤها لسنوات على هذا الجهاز القضائي الحيوي.

خلاصة واستنتاجات

  • في خطوة كانت متوقعة منذ شهور أعلن الرئيس التونسي، في 25 يوليو 2021، عن إقالة رئيس الحكومة وتجميد عمل المجلس النيابي في سياق إعلان "حالة الخطر الداهِم" كما ينص عليها الدستور التونسي، كما قرر رفع الحصانة البرلمانية عن كلّ أعضاء مجلس النواب، وإقالة وزراء الوزارات السيادية (الداخلية والدفاع والعدل).
  • تباينت مواقف القوى السياسية التونسية من الخطوة الجذرية التي اتخذها الرئيس سعيّد بين قوى مُعارِضة لقراراته، وهي أساساً أحزاب التحالف الثلاثي الداعم لحكومة هشام المشيشي وتتزعمها حركة النهضة إلى جانب حزبي قلب تونس وائتلاف الكرامة معتبرةً أن ما قام به سعيّد "انقلاب على الشرعية"؛ وقوى مؤيدة، وهي أساساً الأحزاب المعارضة لحكومة المشيشي وعلى رأسها حركة الشعب القومية وحزب التيار الشعبي القومي، كما دعم اتحاد الشغل خطوة الرئيس مشترطاً ضمانات دستورية مرافقة.
  • تراوحت مواقف القوى الخارجية مما حصل في تونس بين المقاربة الحذرة والتعليق المباشر على التطورات من دول الجوار المغاربي الأوروبي وتركيا، وتباين معظم هذه المواقف بين الانحياز لموقف حركة النهضة كما جسدته تركيا والقوى الإسلاموية الليبية، والدعوة للحوار كما أظهرت البيانات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.  
  • يمكن توقُّع مسارين محتملين قد تسير في اتجاههما الأزمة التونسية مستقبلاً: المسار التصعيدي، وفيه سيتوجه الرئيس سعيد نحو تصعيد الإجراءات الجذرية ضد حركة النهضة وحلفائها، وفي المقابل يمكن أن تنجرف حركة النهضة نحو التصعيد الشعبي من خلال دعوة أنصارها للنزول إلى الشوارع والعصيان المدني. وهناك المسار الحواري الذي يمكن أن ينهي الأزمة بتغييرات جذرية تطال النظام السياسي، فضلاً عن النظام الانتخابي الحالي.

الهوامش

[1] الرئيس قيس سعيد يترأس اجتماعاً طارئاً للقيادات العسكرية والأمنية. https://www.facebook.com/Presidence.tn/posts/4462323937158962            

[2] أمر رئاسي بإعفاء وزراء السيادة. https://www.facebook.com/Presidence.tn/posts/4464552766936079

[3] الفصل 80 من الدستور التونسي. https://anc.majles.marsad.tn/uploads/documents/TnConstit_final_1.pdf

[4] اتحاد الشغل يدعو إلى وجوب مرافقة التدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس بجملة من الضمانات الدستورية. https://bit.ly/3y9c6M5

[6] بيان من رئاسة الجمهورية الجزائرية. https://www.facebook.com/AlgerianPresidency/posts/351631959753029

[7] المشري رداً على تطورات تونس: نرفض "الانقلابات" على أجسام منتخبة، وكالة الأناضول، 26 يوليو 2021. https://bit.ly/3kZf8Ps

[8] حفتر يصف ما يجري في تونس بالانتفاضة، روسيا اليوم، 26 يوليو 2021. https://bit.ly/370LaSL

[9] متحدث الرئاسة التركية يدين تعليق الديمقراطية في تونس، وكالة الأناضول، 26 يوليو 2021. https://bit.ly/3x7PVEC

[10] الاتحاد الأوروبي يدعو كافة الأطراف التونسية إلى احترام الدستور وسيادة القانون. https://bit.ly/3iSo1r4

[11] واشنطن: لا نعد ما حدث في تونس انقلابا، العين الإخبارية، 26 يوليو 2021. https://al-ain.com/article/1627320288

[12] الأزمة في تونس: واشنطن تحث الرئيس قيس سعيد على "احترام الديمقراطية وإجراء حوار مع الأطراف السياسية"، بي بي سي، 27 يوليو 2021. https://www.bbc.com/arabic/middleeast-57979957

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

 

أحدث الإيجازات