جاءت الدعوة التي وجهها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في أبريل 2020، لإجراء حوار استراتيجي بنَّاء مع العراق في شهر يونيو الجاري، بهدف مناقشة مستقبل الوجود الأمريكي في العراق، لتعيد الحديث مجدداً عن مستقبل إيران في هذا البلد، خصوصاً وأن الملف الإيراني سيكون ملفاً رئيساً من ملفات الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد. وعلى الرغم من الرسائل الإيجابية التي مررتها إيران للولايات المتحدة خلال الفترة الماضية في العراق، إلا أنها تنظُر بحذر كبير إلى الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة، كونه يأتي في ظروف زمانية ومكانية غير مواتية لإيران في العراق والشرق الأوسط بشكل عام؛ فهي تعاني اليوم من تداعيات جائحة فيروس كورونا التي فاقمت أزمتها الاقتصادية المستفحلة، فضلاً عن الإرباك الكبير الذي يعاني منه حلفاؤها في العراق سياسياً وأمنياً، إلى جانب عودة التظاهرات الاحتجاجية في مدنٍ عراقية عدة، الأمر الذي يضع العديد من التساؤلات حول طبيعة المخرجات التي سيتمخَّض عنها الحوار الاستراتيجي، ومدى تأثيرها في مستقبل مصالح إيران ونفوذها في العراق.

العراق في الرؤية الجيوسياسية الإيرانية

احتل العراق موقعاً مركزياً في رؤية إيران الجيوسياسية الإقليمية، إذ شكل النفوذ الإيراني المتصاعد في الساحة العراقية بعد عام 2003، فرصة كبيرة لإيران للتمدد نحو أغلب دول الشرق الأوسط، ولذلك فهي ترى في العراق قاعدة مركزية من جهة، وجسراً إقليمياً من جهة أخرى، لا يمكن التفريط به عبر الحوار الاستراتيجي أو غيره من الترتيبات، وقد مررت رسائل عديدة في هذا المجال، أبرزها ما حملته الزيارة الأخيرة لقائد قوة القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد في 3 يونيو 2020، من مخاوف إيرانية واضحة على هذا الصعيد، وأهمها وقف أي توجُّه أمريكي يمكن أن يؤثر على استراتيجيتها في العراق.

وكما بات معروفاً، فقد لعب العديد من الأحزاب والفصائل المسلحة العراقية القريبة من إيران، دوراً مهماً في تطويع الساحة العراقية لخدمة أهداف إيران الإقليمية، سواءً كان ذلك في الساحتين السورية واللبنانية عبر طموحها للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، أو في أدوارها باليمن والبحرين، للتأثير على أمن دول الخليج، كما وجدت في العراق شرياناً اقتصادياً يُغذِّي حملاتها الإقليمية منذ دخول العقوبات الأمريكية على إيران حيز التنفيذ في مايو 2018، سواءً كان ذلك من طريق تهريب العملة الصعبة لإيران، أو من خلال تنشيط تجارة المخدرات، أو تهريب النفط الإيراني عبر الموانئ العراقية.

لهذه الأسباب الجيوسياسية والاقتصادية كلها، ترى إيران أنه ينبغي الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في العراق، خصوصاً أن الحوار الاستراتيجي المزمع عقده بين بغداد وواشنطن سيحاول التقليص من هذه المزايا الإقليمية التي حصلت عليها إيران من العراق خلال الفترة الماضية، ما يطرح تساؤلاً مهماً بشأن طبيعة الفاعلية الإيرانية، للحفاظ على مصالحها ومصالح حلفائها في العراق، عبر مسارات الحوار الاستراتيجي العراقي-الأمريكي.

| ترى إيران أنه ينبغي الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في العراق، خصوصاً وأن الحوار الاستراتيجي الأمريكي-العراقي المزمع عقده سيحاول التقليص من هذه المزايا الإقليمية التي حصلت عليها من العراق |

موقف إيران من الحوار الاستراتيجي العراقي-الأمريكي

رحَّبت إيران بالدعوة التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في أبريل 2020، إلى إجراء حوار استراتيجي مع الحكومة العراقية، لبحث مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وشكَّل هذا الترحيب مُتغيراً مهماً في مسار العلاقة التنافسية مع الولايات المتحدة في العراق. لكن، ورغم هذا الترحيب الظاهري، كانت هناك مؤشرات قلق إيرانية متصاعدة حيال التداعيات المستقبلية التي يمكن أن يؤسس لها هذا الحوار، إذ تخشى إيران من أن تنعكس مخرجات الحوار الاستراتيجي سلباً على وجودها ونفوذها في العراق، ولذلك تنظر إلى المقترحات الأمريكية الخاصة بإصلاح قطاع الأمن العراقي، ولاسيما تلك المتعلقة بإصلاح وضع الحشد الشعبي، من قبيل تجميد الوضع الحالي للحشد، ودعم القدرات العسكرية الرسمية العراقية، وتعيين قائد عسكري غير جدلي لرئاسة الحشد، وتمكين الحشود العسكرية التابعة لمرجعية النجف من قيادة الحشد؛ تنظر إليها بوصفها استراتيجية مؤثرة لتحويل الحشد الشعبي من مؤسسة عسكرية عقائدية إلى مؤسسة إدارية تتبع المؤسسة العسكرية العراقية، وبالتالي خروجها من حسابات الاستراتيجية العسكرية الإيرانية مستقبلاً.

كما تخشى إيران أن تنعكس مخرجات الحوار الاستراتيجي سلباً على مصالحها الاقتصادية والتجارية والمالية في العراق، إذ لعب نفوذها في هذا المجال دوراً كبيراً في تخفيف وطأة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها خلال الفترة الماضية، ومن ثمَّ فإن من شأن تقديم التزامات أو تعهدات عراقية عبر مسارات هذا الحوار، أن تُفضي إلى تقليص هذه الامتيازات، وسد نافذة تهريب العملة الصعبة لإيران، فضلاً عن إيقاف عمليات تهريب المخدرات، وعمليات تهريب النفط عبر الموانئ العراقية وغيرها، أو إيقاف عمليات استيراد الطاقة منها، والأكثر من ذلك تحجيم دور المكاتب الاقتصادية العائدة للفصائل المسلحة القريبة منها (وتحديداً منظمة بدر، وعصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله)، والتي تستحصل إيرادات مالية كبيرة عبر مسارات غير رسمية من بينها الإتاوات والتجارة غير الشرعية التي تجري داخل العراق، وتُقدَّر قيمتها بين 100 و135 مليون دولار شهرياً.

| تخشى إيران أن تنعكس مخرجات الحوار الاستراتيجي سلباً على مصالحها الاقتصادية والتجارية والمالية في العراق، إذ لعب نفوذها في هذا المجال دوراً كبيراً في تخفيف وطأة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها خلال الفترة الماضية |

وعلى هذا الأساس، فقد جاءت زيارة قائد قوة القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد، في 3 يونيو 2020، لتؤكد حالة الهروب الإيرانية للأمام، في محاولة لاستباق أي إجراء أو تداعٍ قد يتمخَّض عنه الحوار الاستراتيجي على النفوذ الإيراني في العراق، من خلال تحضير مسارات تحرُّك بديلة فيما لو أثمرت الضغوط الأمريكية عبر مسارات الحوار عن نتائج مؤثرة على استراتيجية طهران في العراق. وعلى الرغم من نجاحها في توقيع عقد لاستيراد الطاقة الكهربائية لمدة عامين مؤخراً، إلا أنه بدورهِ مرشحٌ للإلغاء، في ظل حزمة العقوبات التي تستعد الإدارة الأمريكية لفرضها على إيران في قادم الأيام.

خيارات إيران وفُرصها في التأثير على مخرجات الحوار

في إطار سياسة التأثير التي تسعى إيران لممارستها عبر مسارات الحوار الاستراتيجي، ذهبت إلى لعب أدوار عديدة في هذا السياق؛ أولاً، عبر إصرار حلفائها في العراق، على أن يُشارك ممثلٌ من الحشد الشعبي ضمن الوفد العراقي. وثانياً، من خلال إعلان قيادات فصائل مسلحة عدم التزامهم بأي مخرجات يتمخض عنها هذا الحوار، إذا لم يكن هناك إشارة واضحة لإخراج القوات الأمريكية من العراق، وفق جدول زمني محدد. وثالثاً، من خلال إرسال رسائل مبطنة بواسطة هجمات صاروخية (رسائل كاتيوشا) مُتقطعة، على مصالح عسكرية ومدنية عراقية وأمريكية. ورابعاً، من طريق إثارة وسائل الإعلام الإيرانية مسألة الوطنية أو الانتماء المذهبي لأعضاء الوفد التفاوضي العراقي، على اعتبار أنهم من مزدوجي الجنسية، أو أنهم جميعاً من المذهب الشيعي، للتأثير على أجواء التفاوض والحوار، والتأثير تالياً في مساراته ومخرجاته، وإيصال رسالة واضحة للجميع بأن طهران لن تمضي في سياسة التهدئة الحالية في العراق، إذا لم تأتِ مخرجات هذا الحوار وفق الصيغة التي يريدها صانعو القرار الإيرانيين.

والواضح أن إيران، وعلى الرغم من نبرة الهدوء التي تتحدث بها اليوم، لا تُخفي أنها قد وضعت في حساباتها تداعيات غير محسوبة نابعة من الحوار الاستراتيجي العراقي-الأمريكي، وأبرزها مستقبل وجودها في العراق، لذلك تبدو هي وحلفاؤها مترقبين لما يمكن أن يتمخَّض عن هذا الحوار، وثمة احتمال أن تلجأ القيادة الإيرانية في حال لم تأتِ مخرجات الحوار الاستراتيجي على النحو الذي تريده، إلى الدفع بوزارة الاستخبارات والأمن الوطني ووزارة الخارجية الإيرانية، للدخول على الخط مباشرة في إدارة الملف العراقي إلى جانب قوة القدس، لإحياء الكثير من الروابط القديمة مع الأطراف العراقية، التي كان قد همَّشها قائد قوة القدس السابق، قاسم سليماني، عبر ربط كل خيوط الملف العراقي بقبضة القوة التي يترأسها.

| تبدو فرص إيران في التأثير على مسارات الحوار الاستراتيجي العراقي-الأمريكي، قائمة ومرشَّحة للتصاعد، على اعتبار أن هذا الحوار قد يستمر لأشهر مقبلة |

خلاصة

وفق وجهة النظر الإيرانية، فإن الضرورة الاستراتيجية تقتضي اليوم، الحفاظ على مصالحها وأهدافها في العراق، بغض النظر عن الأسباب الحقيقية التي تقف خلف إجراء الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، على اعتبار أن وجودها في العراق، ليس الغاية الأساسية منه السيطرة على هذا البلد الجار فحسب، وإنما الانطلاق منه نحو كل دول الإقليم، ولذلك عملت إيران على ممارسة أدواراً ضاغطة على الطرف العراقي خلال الفترة القصيرة الماضية، من أجل التأثير على مسارات الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ترحيبها المعلن بهذا الحوار، إلا إنها لم تُخفِ مخاوفها الحقيقية من مخرجاته، وهو ما يُفسِّر الزيارات المستمرة للمسؤولين الإيرانيين إلى العراق، وتحديداً بعد اغتيال قائد قوة القدس قاسم سليماني، فضلاً عن التصريحات المستمرة للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، المُطالِبَة بضرورة الإسراع بإخراج القوات الأمريكية من العراق، وهو توجُّه تتوافق معه العديد من الفصائل المسلحة القريبة منها.

وتبدو فرص إيران في التأثير على مسارات الحوار الاستراتيجي العراقي-الأمريكي، قائمة ومرشَّحة للتصاعد بمرور الوقت، على اعتبار أن هذا الحوار قد يستمر لأشهر مقبلة؛ فكلما زادت قناعة صانع القرار في إيران، بأن مخرجات الحوار قد تنعكس سلباً على نفوذ بلاده في العراق، سيزيد من أدواره التأثيرية في هذا البلد، سواءً بصورة مباشرة، عبر الإدلاء بتصريحات إعلامية ذات صلة أو القيام بزيارات رسمية بهدف ممارسة الضغط على الجانب العراقي، أو بصورة غير مباشرة عبر التلويح بواسطة وكلائه/حلفائه بتهديدات مسلحة أو شن هجمات صاروخية عشوائية، تقوم بها الفصائل المسلحة القريبة منه. ومن هنا يمكن القول بأن أحد أبرز التحديات التي سيواجهها الطرفان العراقي والأمريكي، هو كيفية التعاطي مع العامِل الإيراني وأدواته في العراق.

وفي الختام، يمكن الإشارة إلى أن الخشية الإيرانية الرئيسة من الحوار الاستراتيجي، تتمثل في فشل مساعيها المباشرة وغير المباشرة في إخراج القوات الأمريكية من العراق، ونجاح الولايات المتحدة في إنتاج اتفاقية جديدة أو توسيع اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقَّعة مع العراق عام 2008، بالشكل الذي يُشرعِن ويُبقي القوات الأمريكية في العراق لأمدٍ طويل، خصوصاً إذا ما نجح المفاوض الأمريكي في الربط بين حُزَم الدعم الاقتصادي والسياسي والأمني والصحي، وبقاء (أو  مغادرة) قواته للعراق، في ظل عجز إيراني واضح عن تقديم بديلٍ لذلك، للأسباب التي تعيشها إيران اليوم. وما يزيد من هذه الخشية، أن يؤدي هذا الحوار وما يتمخَّض عنه من مخرجات وترتيبات إلى إخراج العراق من القبضة الإيرانية على المدى البعيد، وعلى نحوٍ قد يُهدد المشروع الإيراني في المنطقة عموماً.

أحدث الإيجازات