في 13 سبتمبر 2020، ذكر رئيس "التيار الوطني الحر" في لبنان، جبران باسيل، أن "حزب الله" بدأ يُفكِّر بالعودة من سوريا، داعياً اللبنانيين إلى احتضان هذا القرار ودعمه. وقد أثار هذا الإعلان ردود فعل متباينة حول مدى دقته وجديَّتهِ، وما إذا كان مجرد مناورة سياسية لها أهداف محدَّدة. واللافت أن إعلان باسيل هذا قد تزامن مع معلومات تداولها بعض وسائل الإعلام، تفيد بأن "حزب الله" بدأ خطة انسحاب تدريجي من سوريا منذ أسابيع، وتحديداً من الجبهتين الجنوبية والشرقية الجنوبية، حيث سحب أكثر من 2500 مقاتل، بينهم خبراء وقادة عسكريون. وهذه الأنباء تظل غير مؤكدة، ولا يوجد ما يثبت حصولها، كما لم يَصدُر عن "حزب الله" إشارة واضحة بهذا الخصوص؛ فما حقيقة الأمر؟

خريطة انتشار الحزب في سوريا

يوجد "حزب الله" في العديد من المناطق السورية، وفق التشكيل الآتي:

  • في دمشق، وتحديداً جنوبها، في السيدة زينب والمناطق المحيطة بها، حيث استولت مليشيات إيران والحزب على مساحات واسعة من هذه المنطقة، سواء عبر الاستيلاء على عقارات المُهجَّرين، أو من طريق إجبار من لم يرحل على بيع عقاره، وذلك بهدف إنشاء "ضاحية جنوبية" هناك، على غرار الضاحية في بيروت.
  • في كامل منطقة الشريط الحدودي من تلكلخ بريف حمص إلى شبعا في القنيطرة بعمق يتراوح بين 10 و25 كلم، وما بينهما في مناطق القصير وريف دمشق الغربي، حيث يمنع الحزب عودة سكان هذه المناطق المُهجَّرين منذ 2014، وقام بإحلال عائلات لميليشيات تتبع إيران محل السكان الأصليين.
  • في مناطق جنوب سوريا، درعا والقنيطرة، وتحديداً منطقة "مثلث الموت" التي تربط بين محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق، حيث تتركز أكبر معسكراته.
  • في مناطق وسط وشمال سوريا، حمص وحماة وأرياف إدلب، حيث تقاتل قواته المعارضة السورية.
  • في مناطق غرب الفرات، دير الزور والبوكمال والميادين وأجزاء من الرقة وأرياف حمص ودمشق الشرقية، التي تشكل الصِّلَة البريَّة مع العراق، حيث تعمل إيران على إنشاء بنية اجتماعية مؤيدة لها من خلال اختراق العشائر العربية في تلك المنطقة.

الأسباب "النظرية" الداعية لإعلان الانسحاب

من الناحية النظرية، من الممكن تصديق خبر انسحاب "حزب الله" من سوريا، إذ تتضافر عوامل عديدة تدفع صانع القرار في الحزب إلى اتخاذ قرار بالانسحاب في هذه الظروف، ذلك أن العوائد السياسية لمثل هذا القرار "العقلاني" ستصُبُّ في مصلحة لبنان الذي يمر بأسوأ أزماته في المرحلة الحالية، فضلاً عن الفوائد الأخرى المتوقعة للحزب من هذا القرار، ومن بينها:

  • قرار الانسحاب من سوريا سيُجنِّب لبنان و"حزب الله" تداعيات قانون "قيصر" الأمريكي، الذي يهدّد بفرض عقوبات على لبنان، وخاصة قطاعه المصرفي، الذي يترنح جراء الأزمة التي عصفت به مؤخراً، وانسحاب الحزب من سوريا سيشكل ورقة بيد ساسة لبنان، والمتعاطفين معه، في مواجهة قانون العقوبات الأمريكي.
  • بهذا القرار، سيظهر "حزب الله" أنه حزب لبناني يُراعي الرأي العام في بلده الذي يشدّد على ضرورة حياد لبنان عن الصراعات والمحاور الإقليمية، وهي الدعوة التي نادت بها قطاعات واسعة في الشارع اللبناني في حراكه الأخير، وأكد عليها المرجع المسيحي الأعلى، البطريرك بشارة بطرس الراعي.
  • إفساح المجال أمام إنجاح الجهود التي يبذلها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في لبنان، لانتشاله من الأزمة الاقتصادية. وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة Le Figaro الفرنسية أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أثناء زيارته الأولى للبنان في 6 أغسطس، بعد انفجار مرفأ بيروت، توجَّه إلى نائب "حزب الله" محمد رعد، أثناء الخلوة القصيرة التي عقدها معه، بالقول "أريد العمل معكم لتغيير لبنان، لكن اُثبتوا أنكم لبنانيون؛ فكلنا يعلم أن لكم أجندة إيرانية. عودوا إلى الوطن. اتركوا سوريا واليمن، ولتكن مهمتكم هنا لبناء الدولة، لأن الدولة الجديدة ستكون لصالح أبنائكم". وأكدت الصحيفة الفرنسية أن كلام ماكرون "لم يأت من تَمنٍّ"، وإنما ضمن سياق اتفاق دولي أُنيطَ بالرئيس الفرنسي تسويقه في لبنان ومنه، حيث النفوذ الأكبر العسكري والسياسي لـ"حزب الله."
  • حاجة "حزب الله" إلى صلة تربطه بأوروبا، بعد إدراجه في غالبية الدول هناك على لوائح الإرهاب، باستثناء فرنسا، التي أدرجت الذراع العسكري للحزب فقط على لوائح الإرهاب، دون الجهاز السياسي. وعليه، فإن للحزب مصلحة في تسهيل المبادرة الفرنسية، والأمر كذلك بالنسبة لفرنسا التي تريد الحفاظ على علاقة بالحزب وإيران أيضاً.

قيودٌ "عملية" أمام الانسحاب

ليست سوريا مجرد ساحة قاتل فيها "حزب الله" خصماً وانتهت مهمته فيها وحان موعد عودته لقواعده شرق نهر الليطاني أو غربه، فبين سوريا والحزب علاقة معقدة لا يمكن فكَّها بسهولة، وتُقيِّد قدرة الحزب على الإقدام على الانسحاب الكامل من الميدان السوري، لعدة أسباب أهمها:

  • تَرتبط سوريا بمشروع جيوسياسي إيراني، يمثل "حزب الله" اللبناني أحد وكلائه، وباعتباره جزءاً من محور "المقاومة والممانعة"، وليس وارداً تسليم سوريا بشكل مجاني، لا في هذه المرحلة ولا في مراحل مقبلة. ويرتبط أمر انسحاب الحزب بالتسويات النهائية للملف السوري، التي لم يحن وقتها بعد. والتنازل عن الورقة السورية، التي كلفت المحور أثماناً باهظة، يبدو أمراً غير واردٍ على الإطلاق.
  • أسس "حزب الله"، على مدار سنوات مشاركته في القتال، بنيةً لوجستيّة كاملة في سوريا، تتضمن معسكرات ومراكز تدريب وتخزين أسلحة وطرق إمداد، وقد ساعدت الطبيعة الجغرافية الوعرة على إنشاء مواقع يصعب استهدافها.
  • تُوفِّر مناطق القلمون الغربي، بطبيعتها التضاريسية المعقدة، عمقاً حيوياً لحزب الله في حال نشوب حرب مع إسرائيل، فقد حفر فيها الحزب الأنفاق التي تضمن حماية عناصره وجنوده، ويستطيع من خلالها الوصول للجولان السوري، كما تُشكِّل هذه المناطق جبهة رافدة لجبهات لبنان، وتحديداً الجنوب والبقاع، تساعد على استنزاف إسرائيل وتشتيت قوتها وإضعاف قدراتها.
  • تُشكِّل سوريا بظروفها الحالية، فرصة تاريخية للحزب، حيث يحصل على فوائد ومزايا لا يحصل عليها في لبنان نفسه، رغم كل ما يُقال عن سيطرته السياسية والعسكرية، فقد أصبحت سوريا القناة المُغذِّية للحزب وأهم مصادره المالية، من خلال تجارة المخدرات منها وإلى الدول العربية والعالم، ولديه استثمارات ضخمة في مشاريعها الاقتصادية، وهي طريق ومخبأ أسلحته، وتتموضع فيها عشرات الميليشيات السورية التي صنعها وتعمل لحسابه.
  • "حزب الله" غير ملتزم بشؤون لبنان وانتشاله من أزماته المستفحلة، وبالتالي هو غير معني بشعارات الحياد التي يرفعها البعض.
  • قرار الخروج من سوريا هو قرار استراتيجي إيراني بالدرجة الأولى، ولا يمكن للحزب الخروج من سوريا دون أمر طهران، لأنها تتخذ أذرعها أوراقاً في أي مفاوضات مستقبلية، وهذه المفاوضات مع الأطراف الدولية غير مطروحة الآن، وخصوصاً أن الولايات المتحدة منشغلة بالانتخابات الرئاسية، وعليه فإن انسحاب الحزب من سوريا غير وارد حالياً.

خلاصة واستنتاجات

قد يكون من السذاجة التصديقُ بأن "حزب الله" يفكر حالياً بمغادرة سوريا، نظراً للمزايا الاستراتيجية التي تؤمِّنها له، وبالعكس من ذلك، تُفيد تقارير محايدة بأن الحزب أرسل في الآونة الأخيرة قوات إلى أربع محافظاتٍ سورية هي درعا والقنيطرة وريف دمشق ودير الزور. وقد تحمَّل "حزب الله" في السنوات الماضية آلاف الضربات الإسرائيلية، اعتماداً على تقديره بأنه يحقّق وجوداً طويل المدى وعميقاً واستراتيجياً في سوريا، وبالتالي لن يكون مُستعداً، بهذه البساطة، للتنازل عن مكسبٍ دفع أثماناً باهظة من أجله، نزولاً عند تمنيات بعض الأفرقاء اللبنانيين، أو تلبية لأوهام الرئيس الفرنسي وتمنياته.

والأرجح أن جبران باسيل، أراد من تصريحه بشأن انسحاب "حزب الله" من سوريا تخفيفَ الضغوط عن حزبه (التيار الوطني الحر) حليف "حزب الله"، من قِبَل البيئة المسيحية، بعد تصريحات البطريرك الراعي الداعية للحياد، وكذلك توجيه الرسائل للمجتمع الدولي ليخفف الضغط عن لبنان، وربما بهدف شق التحالف الفرنسي-الأمريكي.

وفي كل الأحوال، لم يطل الأمر كثيراً حتى خرج مسؤول من الحزب ينفي صحة هذه الأخبار، قائلاً إنه "لا جديد في سوريا يستدعي تغيير موقف الحزب". كما أن المبادرة الفرنسية في حالة جمود، نتيجة عدم التزام "حزب الله" بمقتضياتها.

أحدث الإيجازات