شهدت مصر في أقل من شهر حادثتي قطار مروعتين؛ الأولى في 26 مارس 2021، عندما اصطدم قطار بآخر في مركز طهطا بمحافظة سوهاج، والثانية في 18 أبريل الجاري، عندما خرج قطار عن القضبان بمدينة طوخ بمحافظة القليوبية، وخلَّفت الحادثتان 259 ضحية، بينهم حوالي 48 قتيلاً و211 مصاباً.

تُسلط هذه الورقة الضوء على أسباب تكرر حوادث القطارات في مصر، والتحديات التي تواجه التعامل الحكومي معها، والتداعيات الناتجة عنها.

مؤشرات حوادث القطارات في مصر

وفقاً لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، شهدت مصر منذ عام 2016 وحتى عام 2019 حوالي 6,949 حادثة قطار، كما هو مبين في الشكل رقم (1)، وخلَّفت تلك الحوادث 530 ضحية، بينهم 191 قتيلاً. وأكثر من 80% من إجمالي تلك الحوادث كانت بسيطة، ولم تسفر عن أي ضحايا. وقد شملت إحصائيات الجهاز المركزي حوادث انتحار بعض الأفراد أمام القطارات أو سقوطهم من القطارات أثناء سيرها. وتكمن المعضلة، خلال النطاق الزمني نفسه (2016-2019)، في 6 حوادث كبرى، وقعت في محافظات الجيزة والإسكندرية ومرسى مطروح والبحيرة والقاهرة، وأسفرت عن 346 ضحية، أي حوالي 65.3% من إجمالي عدد ضحايا حوادث القطارات في تلك الفترة. ومن بين ضحايا الحوادث الكبرى 88 قتيلاً، أي 46.1% من إجمالي عدد قتلى تلك الحوادث. هذا بخلاف ضحايا وقتلى حادثتي العام الحالي 2021، المُشار إليهما آنفاً.

أسباب تكرُّر الحوادث

يمكن إيجاز أهم الأسباب التي أفضت إلى تكرُّر حوادث القطارات في مصر، في الآتي:

1. الأخطاء البشرية، ومثلت السبب الرئيس في أغلب حوادث القطارات الكبرى، سواء كانت تلك الأخطاء صادرة عن العاملين في هيئة السكة الحديد المصرية أو قادة المركبات المارة بالطرق المتقاطعة مع السكك الحديدية. ومن الأمثلة على تلك الأخطاء؛ تجاوز السائقين للسرعات المقررة للقطارات، وتأخُّر عمال التحويلة (وحدة التحكم في اتجاهات القضبان) في تحويل مسارات القضبان لتجنُّب اصطدام قطار بآخر معطل على نفس القضيب. ومن أكثر الأخطاء البشرية شيوعاً؛ إغفال عمال (حراس) المزلقانات (وهي نقاط تقاطع السكك الحديدية مع الطرق)، أو تأخرهم في إغلاق حواجز المرور أمام السيارات الماضية على الطرق المتقاطعة مع السكك الحديدية أثناء مرور القطارات عليها.

2. تدنِّي البنية التحتية، إذ إن بعض الحوادث نتجت عن تدهور حالة القضبان أو تعطل حواجز المزلقانات وتحويلات القضبان. واقترن تدنِّي البنى التحتية في مرات عديدة بالأخطاء البشرية كمسببين لحوادث القطارات في مصر. ففي حادث القطار الذي وقع في 18 أبريل الجاري بمدينة طوخ، كشف الإعلام المحلي عن سببين للحادثة وهما؛ استبدال أجزاء من القضبان الحديدية ببلنكات خشب (ألواح خشبية)، لحين انتهاء صيانة القضبان الحديدية، وتجاوز قائد القطار للسرعات المحددة للمرور فوق تلك الألواح الخشبية البديلة.

التحديات

مع أن حوادث القطارات قد تكون في حد ذاتها حدثاً عرضياً، إلا إن تكررها تحول إلى ما يشبه الظاهرة، وكشف التعاطي الحكومي مع أزمة تكرار هذه الحوادث العديد من التحديات ونقاط الضعف التي تواجهها في هذا الإطار، ومن أهمها الآتي:

1. تعقُّد منظومة السكك الحديدية، بفعل تشابك مسارات القطارات مع مسارات الطرق العامة، حيث تتقاطع شبكة السكك الحديدية المصرية في 1332 نقطة (مزلقان) مع طرق السفر الصحراوية أو الزراعية أو الشوارع داخل بعض المدن والمحافظات. ويشكل هذا التشابك عبئاً على السلطات المصرية، إذ إن كل تقاطع هو في حد ذاته بؤرة محتملة لوقوع حوادث تصادم القطارات بالسيارات وتكررها، ويتراجع معدل هذه الحوادث كلما مضت السكك الحديدية في مسارات موازية، غير متقاطعة، مع الطرق العامة. ويتطلب تفادي الحوادث على تلك التقاطعات انضباط ويقظة العنصر البشري المختص بغلق حواجز المزلقانات أمام السيارات أثناء مرور القطارات، إلى جانب صيانة تلك الحواجز بشكل دوري، أو الاعتماد على المزلقانات الذكية (الإلكترونية)، التي تدار حواجزها دون تدخل بشري. وتكلف تطوير 435 مزلقان من التحكم البشري إلى الإلكتروني حوالي 1.2 مليار جنيه، وهو ما يكبد قطاع السكة الحديد تكاليف ضخمة يصعب توفيرها في ظل مديونيته التي وصلت إلى 66 مليار جنيه عام 2020.

2. اتساع الشبكة، وإشكاليات الحوكمة والرقابة والتأمين: رغم تدهور حالتها الفنية، تعتبر شبكة السكة الحديد المصرية واحدة من أعرق الشبكات والأكثر اتساعاً والأوسع تغطية على مستوى أفريقيا والشرق الأوسط. ويبلغ طول شبكة السكة الحديد في مصر حوالي 9 آلاف و570 كيلومتر.  وفي ظل غياب الأنظمة الذكية في رصد أعطال القطارات والبنية التحتية (القضبان والإشارات والتحويلات والمزلقانات) وتسجيلها، تُمثِّل الحوكمة والرقابة على تلك الشبكة والعنصر البشري المشرف على صيانتها تحدياً أساسياً بالنسبة لوزارة النقل والمواصلات، وقيادات هيئة السكة الحديد المصرية. كما يُمثِّل تأمين تلك الشبكة المتسعة ضد التدخلات البشرية غير المشروعة، من قبيل تخريب القضبان أو الإشارات أو اجتياز السيارات للسكك الحديدية من نقاط غير مخصصة لذلك، تحدياً للسلطات الأمنية المصرية.

3. تردِّي الخدمات الطبية: تنقسم الخسائر الناجمة عن حوادث القطارات إلى خسائر في المعدات وأخرى بشرية. ومع أن خسائر المعدات تُكبِّد ميزانية الدولة عدة مليارات سنوياً، إلا أن شركات التأمين ضد مخاطر حوادث القطارات تتحمل جانباً كبيراً من تلك الخسائر، وتكمن الخسائر التي يستحيل تعويضها في العنصر البشري ما بين الإصابات والوفيات. ومما يزيد أزمة تكرر حوادث السكك الحديدية تعقيداً، غياب الجاهزية الطبية للتعامل مع مثل تلك الحوادث، ما تسبب في ارتفاع معدل قسوة حوادث القطارات (أي نسبة الوفيات من إجمالي الإصابات) من 31.3%، عام 2017، إلى 34.3%، عام 2018، ثم إلى 42.4%، عام 2019، كما هو مبين في الشكل رقم (2).

4. طول أجل تطوير السكة الحديد: تستغرق عمليات تطوير قطاعات السكة الحديد، سواء في مصر أو في أي دولة أخرى، زمناً طويلاً لا يتناسب مع ضرورية وإلحاح إحلال بعض المعدات والقطارات الهالكة بأخرى جديدة لضمان أعلى مستوى من الأمن والسلامة. ففي أغسطس 2017، أطلقت وزارة النقل تصورها الأول لمشروع تطوير السكة الحديد المصرية، والقائم على شراء عربات وجرارات جديدة، ومع ذلك لم تتسلم مصر حتى الآن الجزء الأكبر من تلك العربات والجرارات رغم إبرام أغلب الاتفاقات الخاصة بها منذ عام 2018. ويرجع ذلك إلى إن إبرام مثل تلك الاتفاقيات يستغرق زمناً طويلاً في أطوار المناقصات والتفاوض وتصنيع العربات والجرارات نفسها بناء على متطلبات شبكة السكة الحديد لكل دولة.

التداعيات

تُلقي حوادث القطارات وظاهرة تكررها في مصر بظلالهما على الحالة السياسية والاقتصادية بوجه عام، ويمكن إيجاز أهم تأثيراتها وتداعياتها على النحو الآتي:

  • الغضب الشعبي، وفُقدان الثقة في السلطات: ولَّدت حوادث القطارات، نظراً لما تخلفه من عدد كبير من الضحايا، حالات من الاحتقان الشعبي ضد السلطات المصرية المتعاقبة، وحاول بعض التنظيمات المتطرفة استغلالها في الدعوة للتظاهر والاحتجاج ضد الدولة المصرية، كما حصل بعد حادث محطة رمسيس في يناير 2019. ويهدد استمرار إخفاق السلطات في ضبط أداء مرفق السكة الحديد بخفض مستوى ثقة المواطنين في الحكومة والقيادة السياسية للبلاد بشكل عام. وقد أدرج بعض المراقبين أزمة تكرر حوادث القطارات ضمن قضايا الأمن القومي المصري، إذ فاق تعداد ضحايا حوادث القطارات في عام 2019، وهو 92 ضحية، عدد ضحايا العمليات الإرهابية والتي سجلت 66 ضحية في نفس العام. ويزيد التعامل الإعلامي غير الاحترافي من قبل السلطات مع حوادث السكة الحديد من الغضب الشعبي الناشئ عن تلك الحوادث، وعن تكررها. ويتصف التعامل الإعلامي مع تلك الحوادث غالباً بصفتين غير موضوعيتين، وهما: تحميل عناصر تخريبية مجهولة مسؤولية الحوادث قبل بدء التحقيقات التي تنتهي إلى نتائج مغايرة؛ ومطالبة المواطنين بتحمل ذلك الوضع رغم خطورته دون تقديم أي وعود أو ضمانات على توقفه أو حتى الحد منه لحين انتهاء أعمال تطوير السكة الحديد غير المحددة الأجل.
  • اضطراب الإدارة: في محاولة لمعاقبة المقصرين والمخطئين استبدلت وزارة النقل والمواصلات المصرية، منذ العام 2016 وحتى الآن، 5 رؤساء لهيئة السكة الحديد خلال 5 سنوات. ورغم ما تنطوي عليه قرارات الإقالة من معايير الشفافية والمحاسبة والإثابة والعقاب، إلا أن التغير السريع للقيادات يعد في حد ذاته تهديداً للاستقرار الإداري لهذه الهيئة، إذ سيستغرق كل رئيس جديد لها وقتاً إلى حين استيعاب أزمات وتحديات الهيئة وآليات التغلب عليها.
  • الخسائر الاقتصادية: بخلاف الخسائر المباشرة الناتجة عن الحوادث على مستوى المعدات والبنى التحتية، تُكبِّد حوادث القطارات الاقتصاد المصري خسائر غير مباشرة، نتيجة توجس بعض المستثمرين من ظهور احتجاجات ضد السلطات في أعقاب تلك الحوادث. ومن أبرز الأمثلة على تلك الخسائر، ما شهدته البورصة المصرية من اضطراب كبير في يناير 2013 في أعقاب حادث قطار البدرشين، إذ خسرت البورصة في يوم واحد (16 يناير 2013) حوالي 5 مليار جنيه من رأس مالها السوقي، لتُسجِّل واحداً من أشد الانهيارات اليومية في تاريخها. ومع أن حوادث القطارات الأخيرة لم تلق بظلالها على البورصة المصرية، نظراً لأنها تشهد بالفعل حالة من الخسائر الحادة، منذ مارس 2021، أي قبل وقوع الحادثتين الأخيرتين، إلا أن هذه النوعية من الحوادث تمثل إحدى عوامل الخطر التي تعنى بها إدارات المخاطر في كافة أسواق الأوراق المالية على مستوى العالم، والتي يعنى بها أيضاً العديد من المستثمرين الأجانب.

الخلاصة والاستنتاجات

  • تحوَّل تكرُّر حوادث القطارات في مصر إلى ما يُشبه الظاهرة مؤخراً، وتُمثِّل الأخطاء البشرية السبب الرئيس في أغلب حوادث القطارات الكبرى في مصر، ويليه تدنِّي مستوى البنية التحتية للسكك ومرافقها، واقترن الأمران معاً في التسبُّب بحوادث القطارات، كما أظهرت حادثة مدينة طوخ في شهر أبريل الجاري.
  • كشف تعاطي الحكومة المصرية مع أزمة تكرار هذه الحوادث العديد من التحديات ونقاط الضعف، من بين أهمها: تعقُّد منظومة السكك الحديدية، بفعل تشابك مسارات القطارات مع مسارات الطرق العامة؛ واتساع شبكة السكة الحديد المصرية، وما تعترضها من مشكلات في الحوكمة والرقابة والتأمين؛ وتَردِّي الخدمات الطبية اللازمة للتعامل مع هذه الحوادث؛ واستغراق عمليات تطوير قطاعات السكة الحديد المصرية زمناً طويلاً، رغم تهالك بعض المعدات والقطارات.
  • من بين أهم تأثيرات وتداعيات حوادث القطارات وظاهرة تكررها في مصر، اتساع رقعة الغضب الشعبي، وفقدان ثقة المواطنين في السلطات، ومحاولة بعض التنظيمات المتطرفة استغلال تلك الحوادث في الدعوة للتظاهر ضد الدولة، ويزيد التعامل الإعلامي غير الاحترافي من الغضب الشعبي الناشئ عن تلك الحوادث. وفضلاً عن الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة الكبيرة الناتجة عنها، أدَّت حوادث القطارات المتوالية إلى إحداث تغييرات متكررة في قيادة هيئة السكة الحديد، الأمر الذي يهدد استقرارها الإداري، وقدرتها على التعاطي مع التحديات والأزمات التي تواجه الهيئة بالشكل المطلوب.
  • للحدّ من هذه الحوادث وتداعياتها السلبية، توصي الورقة السلطات المصرية بإنشاء لجنة دائمة للتعامل مع أزمة حوادث القطارات، بحيث تتولى التنسيق بين كافة الهيئات والجهات الحكومية المعنية بالسكة الحديد في أوقات الطوارئ، وتُشرِف على الإدارة الإعلامية خلال الأزمات؛ واعتماد اللامركزية في المسؤولية عن هذا الملف، وخَفْض المسؤوليات عن القيادات المركزية بالعاصمة في مقابل إطلاق صلاحيات القيادات الفرعية في المحافظات؛ واعتماد خطوات سريعة وأقل كلفة في الحد من احتماليات الحوادث، من قبيل استبدال المزلقانات بالتوسعات الرأسية للطرق العامة، أي الكباري والأنفاق؛ والتوسع في اعتماد الحلول التقنية وإحلالها محل العنصر البشري في إدارة السكك الحديد على المستوى القُطري؛ وتفعيل دور التكنولوجيا المتقدمة في كشف أعطال البنية التحتية بشكل مبكر أو التنبؤ بها؛ وتحسين مستوى الجاهزية الطبية الضرورية للتعامل مع حوادث القطارات.

أحدث الإيجازات