يأتي اتفاق حفتر - معيتيق بشأن استئناف العمل بالمنشآت النفطية، والذي جرى بوساطة روسية وتم الكشف عنه في 18 سبتمبر 2020، ليعكس مستوى التعقيد الذي يتسم به الصراع في ليبيا، وهامش المناورة الواسع الذي يتمتع به مختلف اللاعبين الداخليين والخارجيين، بالشكل الذي يجعل أي تقدم يمكن إحرازه على طريق التسوية مسألة محفوفة بالكثير من المناورات والحسابات المتداخلة.

وعلى الرغم من أن مضمون الاتفاق قد يبدو خطوة متقدمة على طريق حلحلة الوضع المتأزم لإدارة الثروة النفطية، التي تعد موضوع الصراع الرئيس في ليبيا، إلا أن ما أبداهُ أغلبُ الأطراف المعنية من رفض أو صمت متحفِّظ، يشير إلى محدودية فرص إنفاذ الاتفاق، على الأقل وفق الشروط التي تضمنها. وفي هذا السياق فإن التوقف عند هذه الخطوة، وردود الأفعال الصادرة رداً عليها، يأتي على خلفية ما تكشفه من حسابات أطراف الصراع خلال المرحلة الحالية، وليس على خلفية ما قد تمثله فعلاً من حلحلة للصراع حول ورقة النفط في ليبيا وإدارة عائداته.

مضامين الاتفاق

تعكس بنود الاتفاق، وفق النسخة المصورة والمنشورة على الحساب الرسمي لأحمد معيتيق، النائب الأول لرئيس المجلس الرئاسي، على موقع تويتر، التركيز على مسألة إنتاج النفط وتوزيع عائداته، وكذلك المعاملات المصرفية الخاصة بالنقد الأجنبي وآليات عمل البنوك، والاعتمادات والمخصصات المالية الموجهة لعملية التنمية، وغير ذلك من قضايا ذات صلة بالأبعاد الاقتصادية والمالية للصراع، والتي تتماس بشدة مع جدول أعمال المسار الاقتصادي للمفاوضات.

تُقدِّم البنود المنصوص عليها في الاتفاق حلولاً مباشرة وصريحة لكثير من القضايا محل النزاع حالياً؛ حيث تم النص على استئناف عمليات إنتاج النفط وتصديره فوراً، وتقديم الدعم اللازم للمؤسسة الوطنية للنفط، بما يضمن إعادة الانتاج إلى وضعه الطبيعي.

كما تم النص على رفع الحظر الذي يفرضه البنك المركزي في طرابلس على المعاملات المالية (المقاصة ونظام المدفوعات) الخاصة بالبنوك الرئيسة العاملة في المنطقة الشرقية، والذي هدف في السابق إلى تشديد الخناق المالي على كلٍّ من الحكومة المؤقتة وعلى عمليات التمويل المقدمة لقوات حفتر، مما جعله أحد المحفزات الرئيسة لإطلاق عملية "طوفان الكرامة" بغرض السيطرة على العاصمة طرابلس.

كذلك، فقد نصَّ الاتفاق على الاستفادة من الرسوم المفروضة على سعر الصرف، وتوجيهها لخدمة المشاريع التنموية التي تخدم المواطن بشكل مباشر، مع إعطاء الأولوية لإعادة إعمار المناطق المتضررة.

وفي شكل عام، تتضمن بنود الاتفاق حلولاً يصعب رفضها، لاسيما أنها تركز على مبادئ عامة وخطوط عريضة لا يوجد خلاف عام بشأنها، غير أن ما تضمنه الاتفاق من إنشاء لجنة فنية مشتركة تتولى الإشراف على توزيع إيرادات النفط، وتنفيذ جميع بنوده؛ والمهام التي أوردها الاتفاق بشأن عمل اللجنة، فإن كل ذلك يحدّ من فرص إنفاذ الاتفاق من زاوية ما يحمله من صدام محتمل مع كلٍّ من المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي، نظراً لما يتضمنه عمل اللجنة من تحجيم لصلاحيات المؤسستين، وإخضاع التعاملات الخاصة بهما لإشراف اللجنة.

من ناحية أخرى، فإن الخلافات المتوقعة بشأن تشكيل اللجنة، في حال تنفيذ الاتفاق، لن تصطدم فقط بالمصالح الجهوية والسياسية الضيقة لأطراف الصراع، لكنها ستصطدم أيضاً بمصالح الكيانات المسلحة، لاسيما في العاصمة طرابلس، حيث تخضع كافة المؤسسات المالية والاقتصادية المعترف بها دولياً لسيطرة وحماية هذه الميليشيات، مما خلق شبكات واسعة من الانتفاع والنهب، عبر تغلغل شخصيات محسوبة على الميليشيات المسلحة داخل مجالس إدارات تلك المؤسسات؛ ومن ثمَّ فإن تنفيذ الاتفاق من هذه الزاوية يتوقف بشكل كبير على مستوى التقدم المحرز في ملف تفكيك الميليشيات وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، وهو ملف معقّد يصعب إحراز تقدم فارق بشأنه على المدى القصير؛ كما يتوقف على مصير المقترح الخاص باتخاذ سرت مقراً مؤقتاً لعمل الحكومة الموحدة التي سيجري التوافق عليها.

حسابات الأطراف

يمكن القول بأن الذي يجمع بين الأطراف الثلاثة المشاركة في الاتفاق، وهم روسيا بوصفها وسيطاً وحفتر ومعيتيق باعتبارهما طرفيّ تفاوض، هو التهميش النسبي لأدوارهم ضمن المسار التفاوضي الراهن، ومن ثمَّ فإن العمل على الخروج بهذا الاتفاق يهدف بالأساس إلى تحقيق هدف كبير مشترك، وهو تعزيز مكانة كل منهم كطرف فاعل يصعب تهميشه، من دون تبني سلوكيات تعطيلية أو الظهور بمظهر الطرف المعارض للتسوية، بل عبر مواكبة المسار التفاوضي الراهن، وتحقيق الأهداف المرجوة، لكن وفق صيغة تضمن بقاء كل طرف فاعلاً رئيساً لا يمكن تهميشه. ويمكن الإشارة إلى حسابات كل طرف بشكل أوضح على النحو الآتي:

1. روسيا: تجدر الإشارة ابتداءً إلى أن الانخراط الأمريكي النشط في الشأن الليبي خلال الشهور الأخيرة يأتي على خلفية رغبة واشنطن في كبح تنامي نفوذ موسكو في ليبيا؛ كما أن مسار التسوية الراهن هو أحد مسارين متنافسين منذ بزوغ أزمة سرت، حيث يتمثل المسار الآخر في التنسيق الروسي التركي. وقد عملت واشنطن على الترويج لتسوية تهدف إلى تحييد ورقة النفط بشكل عام، وإبعادها عن النفوذ الروسي بشكل خاص، عبر تبني مقترح إخلاء الهلال النفطي من مظاهر العسكرة، وإبعاد عناصر فاغنر عن المنشآت النفطية التي يتمركزون بداخلها، وهو ما شددت عليه الولايات المتحدة في عدة مناسبات، آخرها كان البيان الصادر عن السفارة الأمريكية في طرابلس بتاريخ 12 سبتمبر.

من خلال الاتفاق الحالي، تسعى موسكو إلى فك الارتباط بين عملية استئناف انتاج وتصدير النفط وبين وقوع المنشآت النفطية تحت سيطرة عناصر فاغنر وقوات حفتر، حيث يؤمّن الاتفاق عملية استئناف انتاج وتصدير النفط "فوراً"، من دون أن يتطرق إلى أية مسائل تتصل بالأوضاع الأمنية والعسكرية المحيطة بعمل تلك المنشآت. ولم تكن تلك النقطة بعيدة عن ردود أفعال الأطراف الرافضة للاتفاق، وتحديداً موقف المؤسسة الوطنية للنفط، حيث يشير بيان المؤسسة رداً على الاتفاق إلى رفض أي دور لعناصر فاغنر في قطاع النفط الليبي، كما وصف رئيس المؤسسة مصطفى صنع الله ما تم في موسكو بأنه فوضى ومفاوضات غير نظامية.

2. حفتر: يمثل الاتفاق خطوة إضافية في مسار إعادة الاعتبار لدور حفتر في تحديد بوصلة القرار في إقليم برقة، بعد شهور ثلاثة من تهميش دوره على خلفية انسحاب قواته من كامل المنطقة الغربية، وتَصدُّر رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح في تمثيل مصالح الإقليم أمام بقية الأطراف الداخلية والخارجية. ويأتي الاتفاق عقب أقل من أسبوع على بيان السفارة الأمريكية في طرابلس، والذي كشف عن تعهُّد شخصي من حفتر بإعادة فتح المنشآت النفطية للعمل مرة أخرى، وهو ما يعكس عدم ثقة حفتر في واشنطن، ورغبته في توسيع هامش المناورة السياسية في مواجهة خصومه، لاسيما في ضوء أن السيطرة على مرافق النفط تعد الورقة الاستراتيجية الأهم المتبقية لديه، ومن ثمّ التقاء مصالح القيادة العامة [للجيش الوطني الليبي] مع موسكو في عدم التخلي عن تلك الورقة.

عسكرياً، تطابقت ردود الفعل الصادرة عن الأصوات الممثلة لمناطق الثقل العسكرية داخل معسكر الوفاق، مثل وزير دفاع الوفاق صلاح النمروش (الزاوية)، وقائد المنطقة العسكرية الغربية أسامة الجويلي (الزنتان)، والناطق باسم غرفة عمليات سرت - الجفرة عبد الهادي دراه (مصراتة)، حيث عبَّروا جميعاً عن رفضهم للاتفاق.

3. معيتيق: يمكن قراءة خطوة معيتيق في إطار مساعيه المستمرة لطرح نفسه شخصيةً توافقيةً قادرة على الحلول محل فايز السراج، سواء على رأس المجلس الرئاسي أو على رأس حكومة الوفاق، لاسيما أن الاتفاق يأتي في أعقاب إعلان السراج عن نيته الاستقالة من رئاسة حكومة الوفاق نهاية شهر أكتوبر المقبل. كما أنها ليست المرة الأولى التي يسعى خلالها معيتيق إلى التقرب من موسكو، التي زارها على رأس وفد من حكومة الوفاق في يونيو الماضي على خلفية احتدام أزمة سرت، وأثار وقتها موقفه الرافض للحرب غضب ميليشيات مصراتة.

ويأتي الاتفاق ليزيد من حالة الانقسام داخل مدينة مصراتة، والذي تفاقم في الأسابيع الأخيرة على وقع أزمة احتجاجات طرابلس، واحتدام التنافس بين كل من وزير الداخلية فتحي باشاغا، الأقرب لمصالح ميليشيات مصراتة، وأحمد معيتيق، الأقرب لتمثيل مصالح الطبقة الرأسمالية داخل المدينة. ولم تختلف ردود الأفعال على الاتفاق عن حالة العداء التقليدية من قبل الميليشيات تجاه معيتيق، فقد تم منعه بالقوة من السفر إلى مدينة سرت في 18 سبتمبر، حيث كان من المزمع التوقيع على الاتفاق.

وعلى الرغم من التضارُب المشار إليه بين مصالح وحسابات الأطراف المعنية بالصراع إزاء الاتفاق، إلا أنه من المرجح إبداء مرونة نسبية من قبل أغلب الأطراف، بما يسمح ضمناً بالعمل تدريجياً على استئناف عمل المنشآت النفطية، لتجنُّب مزيد من التأزيم حول هذا الملف، مع ترك القضايا الخلافية ذات الطبيعة المالية والاقتصادية لما ستسفر عنه المباحثات الخاصة بالمسار الاقتصادي، والتي تجري برعاية أممية. وقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط فعلياً عن رفع القوة القاهرة عن مينائي البريقة والحريقة وتوافد الناقلات النفطية بدءاً من 23 سبتمبر.

خلاصة واستنتاجات

  • يحمل اتفاق حفتر - معيتيق حلولاً متوازنة للأزمات المرتبطة بإدارة الثروة النفطية في ليبيا؛ غير أن سياق التوصل إلى الاتفاق، وما يبدو من تضارُب مع المسار الاقتصادي للمباحثات الذي ترعاه الأمم المتحدة، يدفعان أغلب الأطراف المعنية بالصراع نحو تبنّي مواقف رافضة أو متحفظة.
  • يسعى الأطراف الثلاثة للاتفاق، موسكو وحفتر ومعيتيق، من وراء الاتفاق، إلى توظيف الورقة النفطية في تعزيز موقعهم داخل العملية التفاوضية، وتجنُّب حالة التهميش التي يسعى إليها خصومهم، من دون تبني إجراءات تعطيلية صريحة.
  • من المرجح استئناف عمل المنشآت النفطية بشكل تدريجي، من دون اعتراف أي طرف من أطراف الصراع بالخطوات التي يتخذها الطرف الآخر، مع إرجاء التباحث حول القضايا الخلافية لمجريات المسار الاقتصادي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

أحدث الإيجازات