لم تكن حادثة عبور المدمرة الملكية البريطانية HMS Defender في البحر الأسود، في الأسبوع الأخير من يوليو الماضي، حادثة مرور عادية إذا ما نُظِر إلى ردود الأفعال الروسية والبريطانية والأوروبية حيالها، وإنما تعد واقعة تعكس عمق توتر علاقات روسيا مع أوروبا عموماً، وبريطانيا بشكل خاص.

فروسيا تبحث عن مكانة لها في النظام الدولي الذي تسعى لتغييره ليكون نظاماً متعدد الأقطاب، وبريطانيا تهدف إلى تصفية حساباتها القديمة مع موسكو في شأن قضية تسميم الجاسوسين الروسيين الموجودين في بريطانيا، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم في 2014، في حين ترغب أوروبا، لاسيما ألمانيا وفرنسا، في التخلص من الوصاية الأمريكية ولعب دور محوري في مسار العلاقات الأوروبية-الروسية، ووضع النقاط فوق الحروف فيما يتعلق بشكل تلك العلاقات في المستقبل.

ماذا جرى في البحر الأسود؟

أبحرت المدمرة البريطانية HMS Defender في 23 يوليو 2021 من ميناء أوديسا في جنوب أوكرانيا إلى جورجيا، مُخترقةً المياه الإقليمية للقرم لتصبح على مسافة 19 كم بحري منها، مما أدى إلى اقتراب زورقين تابعين لحرس الحدود الروسية من المدمرة حتى مسافة 100 متر، وتحليق 20 طائرة روسية من طراز SU-24 فوق المدمرة، وقذف القنابل على طول مسار المدمرة البريطانية.

ومن الواضح أن روسيا لم تُفاجئ باختراق السفينة لمياهٍ تعتبرها جزءاً من مياهها الإقليمية وسيادتها الوطنية. فقد اعتادت موسكو على قيام سفن لدول في حلف الناتو بمثل هذه الأمور خلال السنوات الأخيرة. بيد أن ردة فعل موسكو هذه المرة جاءت شديدة الجرأة، بل والقوة، من الناحيتين الدبلوماسية والعسكرية، استباقاً لمناورات "سي بريز 2021" التي قام بها حلف الناتو بالبحر الأسود خلال الفترة 28 يونيو - 10 يوليو 2021. فقد اعتبرت وزارة الدفاع الروسية أن هذا التصرف البريطاني "عمل خطير تُنتهَك فيه القوانين البحرية الواردة بميثاق الأمم المتحدة، مما يستدعي التحقيق مع طاقم المدمرة"، كذلك فإن قيام نحو عشرين طائرة مقاتلة، وسفينتين روسيتين بالاقتراب بشدة من المدمرة البريطانية، وإطلاق نيران تحذيرية على طول مسار المدمرة يُمثِّل تطوراً درامياً مُثيراً للتأمل.

من الناحية السياسية، تنظر موسكو لما تعتبره استفزازات بريطانية وغربية على أنها تهدف إلى إحداث اضطرابات فيما يسمى "الفناء الخلفي لروسيا"، وفي نفس الوقت إهاجة الرأي العام الغربي ضد روسيا المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان، وتهديد أمن الغرب. ولذا فقد جاءت ردة فعل الخارجية الروسية قوية من الناحية الدبلوماسية، إذ استدعت كلاًّ من السفيرة والملحق العسكري البريطانيين في موسكو، وحمَّلتهما رسالة إلى بلدهما فحواها أن على بريطانيا تحمل عواقب أي استفزاز جديد يحدث مستقبلاً.

ويبدو أن رد الفعل الروسي جاء على هذا النحو لإيصال إشارة أخرى لواشنطن مفادها أن ثَمَّة مِنْ الغرب مَنْ لا يروق له تطوير العلاقات الروسية-الأمريكية، وأن لقاء القمة الذي جمع الرئيسين الأمريكي والروسي في سويسرا مؤخراً لا يعني انفراجاً في العلاقات، وأن أي فعل لا يروق لموسكو يقوم به الغرب سيكون الرد عليه قاسياً بشكل قد يزيد من تدهور العلاقات الروسية-الغربية.

الموقف البريطاني

على الرغم من إنكار الحكومة البريطانية قيامها بانتهاك السيادة البحرية الروسية في البحر الأسود، وتمسُّكها بحقِّها في المرور البريء في المياه الدولية، فإن الواقع يُظهِر أن حكومة بوريس جونسون أصدرت أوامرها لطاقم المدمرة بالمرور من تلك المنطقة أيّاً كانت الظروف، وأيّاً كان رد الفعل الروسي، رغم تحذيرات وزير الخارجية البريطاني، دومينيك راب، من مغبَّةِ ذلك. وتشمل الأدلة على صحة هذا الرأي، الآتي:

  1. استمرار طاقم المدمرة البريطانية في الإبحار، وعدم انصياعه للتحذيرات الروسية المتكررة بعدم خرق الحدود البحرية للبلاد.
  2. الحادث ليس هو الأول من نوعه، بل حدثت اختراقات سابقة للمياه الروسية من قِبَل سفن دول غربية، ومنها اتهام موسكو لواشنطن بقيام سفينة حربية أمريكية في نوفمبر 2020 بالإبحار لمسافة 2 كم في المياه الإقليمية الروسية ببحر اليابان، وقيام سفينة بريطانية في نفس العام بنفس الفعل الذي قامت به المدمرة "ديفيندر".
  3. التأكيد على عدم اعتراف لندن بتبعية القرم لروسيا، التي تتمسك بأن هذا الضم جاء بناءً على رغبة شعب القرم في الاستفتاء الذي أجري في 16 مارس 2014.
  4. انعدام الثقة بين روسيا وبريطانيا، ما أشعل رغبة الأخيرة في تصفية حساباتها القديمة مع موسكو، وعلى رأسها ملف الجاسوسين اللذين قامت روسيا بتسميم أحدهما بعنصر البولينيوم، وحاولت تسميم الآخر في سالزبري عام 2018 بغاز الأعصاب "نوفيتشوك"، والقرصنة السيبرانية التي تمارسها الشركات الروسية ضد شركات غربية، ومنها شركات بريطانية.
  5. قضية المعارض الروسي أليكسي نافالني التي ما زالت مفتوحة، وتؤثر سلبيّاً على العلاقات الروسية-البريطانية.

وليس بمستغربٍ ما تم الكشف عنه في هذا التوقيت، بشأن تسريب بعض الوثائق السرية المتعلقة بخطة مرور المدمرة "ديفيندر"، وعثور أحد المواطنين عليها ملقاة بجانب سلة قمامة بإحدى محطات الحافلات. لكن ما يمكن استقراؤه من هذا أنه رسالةٌ موجَّهةٌ إلى موسكو بأن هذا الحادث قد خُطِّطَ له بعناية، وأنه ليس محض مصادفة، وإنما مقصود لذاته، وأنه لن يكون الأخير من نوعه، بل ستتبعه اختراقات أخرى تأتي رداً على الاختراقات السيبرانية الروسية، وانتهاكات حكومة بوتين لحقوق الإنسان، ومحاولاتها تقويض ديمقراطية الغرب.

مواقف القوى الأوروبية الرئيسة الأخرى (ألمانيا وفرنسا)

بالنسبة لألمانيا، لا شك أن برلين تسعى للعب دور أكثر فعالية على الساحة الدولية عموماً، والأوروبية بشكل خاص، لاسيما في حقبة ما بعد الرئيس الأمريكي ترامب الذي شهدت العلاقات الأوروبية-الأمريكية في عهده فتوراً وعدم ارتياح واضحين، تبدَّيَا خلال آخر اجتماع لقادة حلف الناتو حضره ترامب، فضلاً عن سعي برلين لتوحيد الكلمة الأوروبية تحت رايتها. كذلك ترغب ألمانيا في الخروج من العباءة الأمريكية؛ مُستغلَّةً طبيعة السياسة الهادئة للإدارة الأمريكية الحالية القائمة على الفكر المؤسساتي والعمل الجماعي، بعكس الإدارة السابقة التي انبنت سياستها على القرارات الفردية، والصدامية، لشخص الرئيس الأمريكي.

وقد ظهر ذلك خلال كلمة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمام البرلمان الألماني في 24 يونيو الماضي، التي أكدت أنه لا يكفي أن يتكلم الرئيسان الروسي والأمريكي، ولكن على الاتحاد الأوروبي أيضاً أن يُقيم صيغاً مختلفةً للتحادث مع موسكو، مع التفكير في سبل لوقف استفزازاتها. بيد أنه لا يبدو من السهل تحقق تلك الرغبة الألمانية؛ إذ رأى البعض أن ميركل هُزِمت دبلوماسيّاً عندما انقسم الرأي الأوروبي حول عقد قمة أوروبية-روسية، ودعا قادة الاتحاد الأوروبي إلى "مشاركة انتقائية" مع روسيا بدلاً من الحديث عن قمة على المستوى الرئاسي.

وبالنسبة لفرنسا، يبدو أنها لا تريد منازعة برلين قيادة هذا الاتجاه في الوقت الحالي، وتُظهِر تأييدها لنهج برلين في التحاور مع موسكو، وإنهاء سياسة فرض العقوبات على موسكو التي لم تؤتِ أُكُلها منذ ضم روسيا للقرم في 2014، مفضلةً عدم فصم وجهة نظرها عن رأي الدول الأوروبية التي لا زالت ترى أنه يكفي لقاء القمة بين رئيسي روسيا والولايات المتحدة، ممثلةً عن الغرب ووجهة نظره فيما يتعلق بالسياسات الروسية.

الخلاصة

حَمَلَ رد الفعل الروسي تجاه حادثة المدمرة البريطانية "ديفيندر" في طياته عدة أهداف لموسكو. أولها، إشعار الدول الأوروبية أن مسألة تعاونها عسكريّاً مع أوكرانيا ليست أمراً سهلاً أو يمكن التهاون معه، وخاصةً أنها تجري بالقرب من الحدود الروسية وأفنيتها الخلفية. وثانيها، أن روسيا لن تتسامح مع أي دولةٍ، أيّاً كان ثقلها السياسي أو العسكري، تحاول بتصرفاتها تهديد أمن روسيا أو مصالحها الحيوية. وثالثها، القيام بمحاولة ضمنية لمساندة الرأي الأوروبي القائل بأفضلية التحاور مع موسكو، عوضاً عن سياسة فرض العقوبات، أو رفض التحاور من الأساس التي لن تجدي نفعاً في إخضاع روسيا لمطالب بروكسل.

وبالنسبة لأوروبا، لا يزال الجدال ساخناً بين فريقينِ واتجاهينِ رئيسينِ، يرى أحدهما أنه ينبغي عقد لقاء مع القادة الروس والاستماع إليهم، فيما يرى الآخر أنه لا فائدة من هذا اللقاء، وأنه من الأفضل الانتظار حتى تظهر نتائج القمة الروسية-الأمريكية على أرض الواقع بشكلٍ أو بآخر، والبناء عليها مستقبلاً.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

أحدث الإيجازات