شهدت مدينة سبيطلة التونسية التابعة لولاية (محافظة) القصرين حركة احتجاج عنيفة، على خلفية مقتل شخص تحت أنقاض كشك خلال تنفيذ قرار هدم لمبان فوضوية في المدينة في 13 أكتوبر الجاري[i]. وقد أعادت هذه الحادثة إلى الأذهان، مع بعض الفارق، واقعة حرق محمد البوعزيزي لنفسهِ احتجاجاً على مصادرة عربته من شرطة البلدية بسيدي بوزيد[ii]، والتي كانت نقطة الاشتعال الرئيسة لثورة تونس في نهاية عام 2010، التي أدت إلى إسقاط نظام زين العابدين بن علي.

ورغم مرور ما يقرب من عقد كامل على ما جرى، ما زالت تونس تواجه أزمات متعددة الأبعاد، تتمثل في استقطاب سياسي حاد بين قوى مدنية وحركة النهضة وحلفائها، وتعثر اقتصادي واضح لاسيما في ظل تبعات الموجة الثانية من وباء كوفيد-19، وتواصل معضلة الفجوة التنموية بين الأقاليم، وتوسُّع رقعة الاحتجاجات "الفئوية" والمناطقية، وخاصة في المناطق النائية مثل القصرين وسيدي بوزيد وقفصة، والتي تعرف بـ"مناطق الظل" أو "جيوب الفقر" التي تعاني من التهميش ثلاثي الأبعاد (الإقليمي، والاقتصادي الإنمائي، والإنساني) [iii].

تُلقي هذه الورقة الضوءَ على السياقات المحفزة لاحتجاجات سبيطلة، وسياسات حكومة المشيشي في التعامل معها، وموقف منظمات المجتمع المدني من تلك الاحتجاجات والتعاطي الحكومي، والتداعيات المرحلية الناتجة عنها.

المُحفِّزات/المُحرِّكات الداخلية لاحتجاجات سبيطلة

  • تزايد تعسُّف قوات الأمن: يشير بعض المراقبين إلى أن ثمة تعاملاً سيئاً من جانب شرطة البلدية مع الفئات المهمشة في المجتمع التونسي، وبحسب هؤلاء المراقبين فإن واقعة سبيطلة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وهو ما يؤجج الغضب الشعبي، الأمر الذي يفسر تصاعد الدعوات في عدد من وسائل الإعلام إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الشرطة والمواطنين. [iv]
  • معارضة واسعة لقانون حماية قوات الأمن: تزامنت حركة الاحتجاج في سبيطلة مع إرجاء مجلس نواب الشعب التونسي، بطلب من الحكومة، النظر بمشروع قانون مثير للجدل يتعلق بـ«حماية» قوات الشرطة (يضم مشروع القانون 15 فصلاً، وينص على عقوبات ضد الاعتداءات التي تطال الشرطة خلال القيام بمهامها، وخصوصاً خلال مواجهة خطر مُحدِق)، وذلك بعد ضغط مارسته أحزاب وقوى سياسية ونقابات مهنية ومنظمات مجتمع مدني، ترى في مشروع القانون انتهاكاً للنصوص الدستورية التي تكفل للمواطنين حرية التعبير والتظاهر السلمي، وإضفاء طابع تمييزي بين أفراد الشعب التونسي، ما يمثل - بحسبها - ارتداداً عن حرية التعبير والرأي التي تكفلها الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان[v].
  • تداخُل الصلاحيات بين المجالس المحلية والسلطة المركزية: فلا تزال المجالس المحلية غير قادرة على تفهُّم طبيعة دورها وتوقيت تدخلها، على الرغم من مرور عامين على الانتخابات المحلية في البلاد، ولا يزال هناك تداخل مع السلطة المركزية التي يمثلها المحافظ على مستوى تلك الجهة، ما خلق نوعاً من التنصُّل من المسؤولية في حال الفشل، ونوعاً من التسابق والادعاء بتحقيق الإنجازات في حال إحداث مشروع محلي. وقد أسهم ذلك في سيادة الضبابية لدى المواطنين وحتى لدى رؤساء المجالس المحلية أنفسهم، والنتيجة تضرُّر مصالح المواطنين وتوقف عجلة التنمية وغياب المشاريع، ما يخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي والسخط على أداء المجالس المحلية بشكل عام[vi].
  • معاناة المدينة من معضلة التنمية غير المتوازنة: إذ تعد سبيطلة واحدة من مدن الداخل التونسي المحرومة من فُرَص التنمية التي تتمتع بها مدن المركز، حيث تتكرر الحركات الاحتجاجية للمطالبة بفرص عمل وزيادة تدفق الاستثمارات. كما تعاني المدينة من ازدياد معدلات البطالة في صفوف قاطنيها، بحيث تفوق غيرها من المدن التونسية، فضلاً عن تردِّي المرافق الصحية العاجزة عن التصدي لوباء كورونا، لدرجة أن هناك من يجادل بأن ثمة سياسات حكومية ممنهجة أدت إلى إفقار وتهميش هذه المدينة[vii]، بل ويعتبرها أحد التحليلات أكثر المحافظات تخلفاً في البلاد. وتنتشر فيها "اقتصاديات الظل" القائمة على التهريب على الحدود التونسية الجزائرية، نظراً للتحالف الضمني بين المُهرِّبين وعناصر من السلطات المحلية[viii].

السياسات الحكومية في التعامل مع الاحتجاجات

  • على إثر تصاعُد حركة الاحتجاجات في سبيطلة، عقد الرئيس التونسي قيس سعيد اجتماعاً مع رئيس الحكومة هشام المشيشي، بحثَا فيه الوضع العام بالبلاد، وخاصةً حادثة مدينة "سبيطلة". وشدد الرئيس سعيد على تحميل كل طرف مسؤولياته كاملة، مؤكداً وجوب تطبيق القانون على الجميع مهما كانت المسؤولية التي يتحملها[ix].
  • وبالتوازي، سارع وزير الداخلية توفيق شرف الدين، ووزير الشؤون المحلية والبيئة مصطفى العروي إلى مدينة سبيطلة لتوفير الاحتياجات المادية والرعاية المعنوية لعائلة المواطن المتوفي. وصرح الوزير شرف الدين بأن "رئيس الحكومة كلَّفه بالتوجه إلى سبيطلة وإعطاء تعليماته المباشرة للجهات المعنية لإجراء بحث حازم وجدي في هذه القضية"، مُضيفاً أن "فرقة تعهدت بالتحقيق في حادثة سبيطلة، وهي التي ستحدد المسؤوليات، وتُحيل الأمر للقضاء، المؤهل وحده دستورياً وقانونياً للفصل في هذه القضية وإصدار الأحكام النهائية العادلة بشأنها". [x]
  • كما اتخذ رئيس الحكومة التونسية قرارات إقالة وإعفاء لعدد من المسؤولين، في مقدمتهم محافظ القصرين[xi]، ومعتمد سبيطلة (السلطة المحلية)، مع إعفاء رئيس منطقة الأمن الوطني ورئيس مركز الشرطة البلدية، لتهدئة حركة الشارع.[xii] وصرح المتحدث الرسمي باسم محكمة القصرين، رياض النوبوي، أنه "تم إيقاف رئيس مركز الشرطة البلدية".
  • وفي الأثناء، توجهت تعزيزات عسكرية إلى المدينة لحماية المنشآت العمومية والمؤسسات الحيوية، بالتنسيق مع الوحدات الأمنية، وفقاً لما صرَّح به الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع الرائد محمد زكري، تخوفاً من خروج الوضع عن السيطرة بعد حرق سيارة بلدية وتدمير محلات تجارية وإشعال عجلات مطاطية واقتحام عدد من إدارات حكومية وإغلاق طرق ورشق قوات الأمن بالحجارة[xiii]. وقد اضطر الجيش في مرحلة لاحقة إلى إغلاق المدينة[xiv].

مواقف القوى المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني

  • شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حملة تضامنية مع والي القصرين المُقال تحت عنوان "رجع الوالي"، وطالبت بضرورة مراجعة هذا القرار. ونُظِّمت كذلك وقفة احتجاجية تنديداً بقرار الإقالة نفسه، شارك فيها ممثلون عن نقابات سيارات الأجرة والاتحاد الجهوي للصناعة والتجارة، الذين وصفوا الوالي المُقال بأنه "أفضل والٍ عرفته القصرين منذ الاستقلال، وقد بذل مجهودات كبيرة منذ تعيينه قبل 14 شهراً لحلحلة أزمة المشروعات المتعطلة، ودفع مسيرة التنمية"[xv]. وبالمثل، قام عدد من موظفي الولاية بإبلاغ وزير الداخلية عند زيارته للمدينة بضرورة الإبقاء على والي القصرين وأن يقوم برفع رغبتهم إلى المشيشي.
  • كما استنكر الفرع الجهوي للمحامين في بيان له القرارات الصادرة عن الحكومة، والمتمثلة في عزل بعض موظفيها، واعتبره من قبيل القرارات الشعبوية الهادفة إلى إخماد غضب الأهالي في الجهة، ولا تمس أصل المشكل التنموي الحاصل بها. وطالب المحامون الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة عبر منوال تنموي واضح يوقف نزيف الفقر والبطالة والتهميش[xvi].  
  • أعلن مرضى كوفيد-19 من المقيمين بمركز كوفيد القصرين الإضراب عن الطعام، احتجاجاً على إقالة والي القصرين. وأكدوا أن والي الجهة كان يزورهم باستمرار ليطمئن على حالتهم الصحية[xvii]

التداعيات على الداخل التونسي

  • توسُّع "نسبي" في رقعة الاحتجاجات: استمرت الاحتجاجات في سبيطلة على مدار ثلاثة أيام، بدرجات متفاوتة وفقاً لما يطلق عليه "أثر النفاذية". وبرغم أن قوات الجيش والشرطة قد تنجح في السيطرة مرحلياً على الوضع في المدينة المضطربة، لكن الاحتقان الداخلي قد يطول أمده. [xviii]
  • التفكير في إعادة تنظيم عمل شرطة البلدية، عبر إيجاد صيغ لتطبيق القانون دون أن يؤدي ذلك إلى تجاوز الأبعاد الإنسانية للفئات المهمشة، حتى لا تستغل الجماعات المتطرفة والإرهابية هذه الثغرة وتنفذ إليها، خاصة أن بعضها يتحصَّن في الجبال داخل محافظة القصرين[xix].
  • زيادة تنسيق العلاقة بين السلطة المحلية والسلطة المركزية في ترتيب الشؤون العامة وتطبيق القوانين: ويتحقق ذلك بالحد من التداخل في الصلاحيات والتناغم في المهام، بما يحقق نتائج أفضل في تقديم الخدمات للمواطن التونسي في القصرين بشكل عام، وسبيطلة بوجه خاص.
  • محاولة بلورة خطط تنموية مستدامة لتحقيق العدالة التنموية الأقاليمية، أو تعزيز الخطوات الرامية إلى التنمية الجهوية، وتقليص الفجوة بين السياسات التي يصرّح بها أصحاب السلطة وتوقّعات المجتمعات المحلية، بحيث ترسم خطط محددة زمنياً لتنمية محافظة القصرين ككل، بما فيها مدينة سبيطلة. [xx]

خلاصة

يُسلِّط اشتعال احتجاجات سبيطلة الضوءَ على قضايا رئيسة داخل المجتمع التونسي، أبرزها تعسُّف شرطة البلدية في مواجهة الفئات المهمشة، واستمرار معضلة التنمية غير المتوازنة بين مدن المركز ومناطق الأطراف منذ الاستقلال، وهو ما يتطلب اتخاذ رؤى جديدة للتعامل معها. وعلى الرغم من أن منسوب الاحتجاجات في سبيطلة قد ينحسِر بمرور الوقت، إلا أن نقطة الاشتعال هذه قد تظل قائمة متى توافرت السياقات الداخلية المحفِّزة لها، لاسيما استمرار مشكلة التهميش الاجتماعي في ظل تزايد المصاعب المالية للدولة وضعف الاستجابة لمطالب المحتجين، على نحو قد يُمكِّن جماعات التطرف والإرهاب من استغلال هذا المناخ والأوضاع المتوترة لصالحها، وصولاً إلى تهديد استقرار البلاد بشكل عام.

الهوامش

[i] "الشرطة هدمت كشكه وهو بداخله.. احتجاجات في تونس بعد مقتل شخص"، الحرة، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://arbne.ws/33Y7qw1

[ii] "القصرين التونسية تعيش وقائع مقتل بوعزيزي آخر"، البيان، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3iZPqWi

[iii] سارة يركيس وزينب بن يحمد، "أهداف تونس الثورية لا تزال عالقة"، مركز كارنيجي للسلام الدولي، 7 ديسمبر 2018. على الرابط: https://bit.ly/34SmhqQ

[iv] نهى محمود، "واقعة القصرين ليست الأولى.. تعسُّف الشرطة قنبلة موقوتة في تونس"، الحرة، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://arbne.ws/34Tb6OQ

[v] "البرلمان التونسي يرجئ النظر في مشروع قانون يحمي رجال الأمن"، سبوتنيك، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3nTiMcH

[vi] "بعد أحداث سبيطلة.. هل تضطر تونس لمراجعة الحكم المحلي؟"، إرم نيوز، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3nR5UU9

[vii] "شيراز العتيري من القصرين: بعد سنوات من التهميش لا بد من سنوات من التمييز لتحقيق التوازن"، راديو أكسبريس، 6 يوليو 2020. على الرابط: https://bit.ly/2IpPEcA

[viii] دالية غانم، "المناطق الحدودية في الجزائر بلد قائم بذاته"، مركز كارنيجي للسلام الدولي، 18 سبتمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3lMVPG3

[ix] أنظر في هذا الإطار: "رئيس تونس يدعو لتطبيق القانون باحتجاج سبيطلة وسط انتشار الجيش"، العربية نت، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3iZqOx0، وكذلك: "الرئيس التونسي يؤكد ضرورة تطبيق القانون على الجميع"، الشروق المصرية، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2H9O3H9

[x] "وزير الداخلية يؤدي زيارة إلى القصرين"، الشروق التونسية، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/377Gwnk

[xi] "تونس.. المشيشي يقيل والي القصرين بعد حادثة صاحب الكشك"، سكاي نيوز عربية، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/34Tjpu0

[xii] المنجي السعيداني، "احتجاجات عنيفة تطيح مسئولين في الحكومة التونسية"، الشرق الأوسط، 14 أكتوبر 2020.

[xiii] "تونس: احتجاجات عنيفة في سبيطلة والجيش ينشر مدرعاته"، نبض، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/375yVFO

[xiv] "الجيش التونسي ينشر المدرعات لحماية المنشآت"، سكاي نيوز عربية، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2SW8sCg

[xv] "دعوات لإبقائه في منصبه.. احتجاجات تضامنية مع والي القصرين المقال"، الشاهد، 14 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/378Kcp2

[xvi] "الفرع الجهوي للمحامين بالقصرين: عزل بعض الموظفين هو قرار شعبوي"، شمس أف أم، 14 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3lLkGKs

[xvii] "القصرين: مرضى كوفيد-19 يدخلون في إضراب جوع احتجاجاً على إقالة والي الجهة"، جريد أف أم، 14 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2H7FSes

[xviii] "تونس.. اتساع الاحتجاجات في سبيطلة وأنباء عن فرار رئيس البلدية"، إرم نيوز، 13 أكتوبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/2H5JVYO

[xix] "وزير الداخلية التونسي: سنهزم الإرهاب من ولاية القصرين"، الشروق المصرية، 15 مايو 2020. على الرابط: https://bit.ly/2SSYK3J

[xx] العربي صديقي، "التنمية الإقليمية في تونس: تداعيات التهميش المركب"، مركز بروكنجز الدوحة، 14 يناير 2019. على الرابط: https://brook.gs/372ujAm

 

أحدث الإيجازات