في السابع من ديسمبر 2020 ستشهد جمهورية غانا انتخابات رئاسية جديدة. وتُعقَد هذه الانتخابات في أجواء منافسة كبيرة بين الحكم والمعارضة، وفي ظل تفشي وباء كورونا، الذي تسبَّب في إلغاء بعض المحافل والتجمعات الانتخابية. كما تُعقَد وسط مناخٍ مشحونٍ إقليمياً بسبب تداعيات انقلاب مالي الأخير، والتوترات في نيجيريا، وانتخابات الرئاسة التي تمت في كلٍّ من توجو (فبراير 2020)، وغينيا (أكتوبر 2020)، وساحل العاج (أكتوبر 2020)، وبوركينا فاسو (نوفمبر 2020).

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على الأطراف المتنافسة الرئيسة في انتخابات غانا، والقضايا التي شكلت محور الحملات الانتخابية للمرشحين، والنتائج المتوقعة لتلك الانتخابات، وتأثيرها المحتمل في المشهد الغاني إجمالاً.

الأطراف المُتنافِسَة

يتنافس في الانتخابات الرئاسية الغانية طرفان رئيسيان، هما: الرئيس الحالي نانا أكوفو أدو (76 عاماً)، الذي يتزعم الحزب الوطني الجديد (NPP)، وهو حزب ذو نزعة اشتراكية. والطرف الثاني هو جون دراماني ماهاما (62 عاماً)، زعيم حزب المؤتمر الوطني الديمقراطي (NDC)، وهو حزب ذو نزعة ليبرالية، وسبق لماهاما أن شغل منصب رئيس الدولة خلال الفترة من 2012-2016. وتُعتبر انتخابات ديسمبر المقبل المنازلة الثالثة بين الرجلين، إذ تواجها مرتين قبلها، إحداهما في انتخابات 2012 التي خسرها نانا، والثانية في انتخابات 2016 التي خسرها ماهاما أمام الرئيس الحالي.

وتَشي الأجواء التنافسية الراهنة بأن المعركة الانتخابية ستكون حامية الوطيس؛ فهي تجري بين الحزبين المتنافسين الأكبر في البلد الذي يحوي نحو 24 حزباً سياسياً، وتجري أيضاً بين شخصين لكلٍّ منهما تاريخ نزال طويل مع الآخر، إضافة إلى خبرتهما في مواجهة غيرهما من الزعماء السابقين في صناديق الاقتراع، وفي الحياة السياسية عموماً.

القضايا المُثارة في الحملات الانتخابية

لم تعُد القضايا السياسية الصِّرف هي محور الجدل الانتخابي في غانا؛ فهذه الدولة الفتية ديمقراطياً، والتي سبقت جيرانها في عملية التحول السياسي، لا تبدو مشاكلها الجوهرية متصلةً بقضية التداول السلمي للسلطة أو قضايا حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير؛ فكلها ما عادت تُثير جدلاً كبيراً في البلاد حالياً. وما تعانيه غانا اليوم يتركز في مشكلات وهموم اقتصادية واجتماعية كثيرة، وفي ظل انتخابات 2020 تبدو أزمات البطالة وارتفاع الأسعار وضعف الأجور وقلة الاستثمارات، والاعتماد على المواد الخام، خاصة الكاكاو، كمصدر دخل رئيس للبلاد، أكثر القضايا التي تُقلِق الناخبين، وتعج بها النقاشات والحملات الانتخابية المتنافِسَة.

وفي خضم عملية التَّلاسُن الحالية بين المرشَّحيْن ومحاولاتهما جَذْب أصوات الناخبين لصالحهما، فإن الحديث عن سوء الأوضاع الاقتصادية التي عادة ما يثيرها مؤيدو جون ماهاما قد لا تجد صدى كثيراً لدى مؤيدي الرئيس نانا أدو. فهذا التدهور، في الواقع، يعود إلى نهاية سنوات حكم ماهاما للبلاد، وتحديداً نهاية عام 2015، التي بدأت فيها معدلات البطالة في الارتفاع، ومع أنها بلغت وفقاً لمؤشرات البنك الدولي عام 2018 نحو 4,16% إلى قوة العمل استناداً لتقديرات منظمة العمل الدولية، إلا أن هذا المعدل بدا خادعاً إلى حد كبير، لاسيما أن مصادر أخرى مثل Trading Economics تصل بهذا المعدل عام 2018 إلى الضعف تقريباً، إذ تتحدث عن بطالة بنسبة 6,7% من قوة العمل، و6,8% وفق ذات المصدر عام 2019. ورغم أن الدخل القومي السنوي للفرد الغاني لا يزال هو الأعلى تقريباً بين بلدان غرب أفريقيا، إذ يبلغ وفق بيانات البنك الدولي نحو 2130 دولار سنوياً، إلا أنه لا يزال منخفضاً مقارنة بالمتوسط العالمي، ولا زالت كافة البلدان الأفريقية جنوب الصحراء تُصنَّف من قبل البنك الدولي ضمن البلاد الأقل نمواً والأكثر فقراً.

وقد حاولت الحكومة الغانية إبان حكم الرئيس جون ماهاما الخروج من عجز الموازنة بالاستدانة، واستعانت بصندوق النقد الدولي بغية الحصول على قرض بقيمة نحو مليار دولار في نهاية 2015، ليبلغ حجم الدين الخارجي وقتها 23,5 مليار دولار تقريباً. وكلّ ما سبق يجعل أسهُم ماهاما على المحك، لأن مسؤوليته عن تراجُع الوضع الاقتصادي والمعيشي واضحة للناخبين الغانيين.

ونتيجةً لإدراك ماهاما بمسؤوليته وإرثه في الحُكْم، فإنه لم يُبدِ رغبة في العزف طويلاً على وتر التحديات الاقتصادية والمعيشية الحالية في البلاد، وكرَّس جزءاً مهماً من حملته الانتخابية لجذب أصوات النساء والشباب. وفي مسعاه لحصد أصوات النساء الغانيات، قام ماهاما بتعيين جين نانا أوبوكو-إجيمانج، التي تولت منصب وزيرة التعليم إبان حكمه البلاد، نائبةً له في حال فوزه بالرئاسة.

في المقابل، يُركِّز الرئيس نانا أكوفو في حملته على الدفاع عمَّا حققته رئاسته للبلاد، والتأكيد بأن غانا رغم المصاعب التي تمر بها جراء تفشي فيروس كورونا، لا تزال الأفضل بين جيرانها من بلدان غرب أفريقيا؛ فنسبة السكان تحت خط الفقر تبلغ 23,4% وفق بيانات البنك الدولي، ورغم كبر هذه النسبة مقارنة بمتوسط المعدلات العالمية، إلا أنها الأفضل مقارنة بجيرانها مثل غينيا التي تبلغ فيها تلك النسبة 43,70% على سبيل المثال.

ويُراهِن نانا على المعدل المرتفع لنمو الناتج القومي الإجمالي في عهده، والبالغ 6,26%، والذي ساهم كما يقول مؤيدوه في الحدِّ من أزمات اقتصادية كثيرة، ويشيرون كذلك إلى أن معدل الاستثمار بلغ 24,55% من إجمالي الناتج المحلي، هو بذلك الأكبر بين جيران غانا في إقليم غرب أفريقيا، ويتضمن هذا الرقم الاستثمارات الأجنبية التي ارتفعت في البلاد إلى 4,26% من الناتج المحلي الإجمالي. وكل ما سبق يشي بوجود اقتصاد حيوي في غانا مع أنه قد لا يكون قوياً بما فيه الكفاية حالياً، لكنه مع ذلك ليس ضعيفاً مُطْلقاً.

النتائج المتوقعة للانتخابات وآثارها المحتملة

يُرجِّح معظمُ المؤشرات ارتفاع حظوظ الرئيس نانا أكوفو أدو وإمكانية فوزه بالانتخابات مُجدداً، إذ أنه سعى إلى الحد من تداعيات حكم سَلَفِه في المنصب ومنافسه الحالي ماهاما (2012-2016) على الملف الاقتصادي، وما زالت كفه راجحة بشأن هذا الملف. لكن هذا لن يُبدد تماماً فُرَص جون ماهاما؛ فهو الأصغر سناً، ويحاول توظيف مسألة كبر سن الرئيس نانا لتعزيز حظوظه، لا سيما وأن أنصاره يُخوِّفون القاعدة العريضة للناخبين الغانيين من مستقبل مظلم للبلاد في حال وافت المنية الرئيس نانا إبان فترة حكمه الثانية المحتملة (2020-2024)، إذ سيكون ناهز الـ80 عاماً عند نهايتها. لكن هذا التخوف ينظر إليه الكثيرون في غانا بأنه في غير محله، بسبب الميراث الديمقراطي المتنامي في هذا البلد، وعدم الرغبة في العودة للحقبة الماضية، والتي أدخلت البلاد في ظُلُمات السلطوية.

وعليه، فإن جزءاً كبيراً من الناخبين الذين سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع في 7 ديسمبر المقبل، والبالغ عددهم زهاء 17 مليون ناخب (من إجمالي 30 مليون نسمة هُم عدد سكان البلاد)، ستكون لديهم الرغبة - وفق التوقعات - في منح الرئيس نانا أكوفو فرصة جديدة ليستكمل استحقاقه الدستوري بولاية رئاسية ثانية وأخيرة. وفي حال فوزه، من المرجح أن يترشَّح منافسه ماهاما مرة أخرى، وقد يجد نفسه على موعد مع خليفة نانا، مُرشَّح الحزب الوطني الجديد في انتخابات ديسمبر 2024.

ويُتوقَّع أن تشهد غانا عقب الاستحقاق الانتخابي المقبل عهداً جديداً لن يكون فيه الرئيس نانا مُنزعجاً على الإطلاق. فمن الناحية السياسية، ستترسَّخ تجربة التحول الديمقراطي في البلاد. ومن الناحية الاجتماعية، ستخطو البلاد قُدُماً في مسار نشر التعليم في صفوف مواطنيها بعد تمكُّنها من الحصول في أكتوبر 2019 على منحة تقدر بـ 150 مليون دولار من البنك الدولي لإيصال التعليم للمناطق المحرومة. ومن الناحية الصحية، ستكون غانا أكثر انطلاقاً بعد أن وضعتها منظمة الصحة العالمية في مايو الماضي في مستوى متقدم في تصنيفها للأنظمة التنظيمية الوطنية للأدوية، والذي يشير إلى تعزيزها قدرتها على ضمان سلامة وجودة وفعالية المنتجات الطبية المصنعة أو المستوردة أو الموزعة داخل البلاد. ومن الناحية الاقتصادية، يبدو أن الرئيس نانا لن يشعُر بكثير من القلق من إمكانية حصول انتكاسة اقتصادية خطيرة تضر ببلده وتهدد حكومته؛ فهذه ولايته الأخيرة، ولن يقف مرة أخرى على الأرجح في اختبارٍ جديد أمام شعبه عند صناديق الاقتراع، وإن كان حزبه سيُعاني من أية معركة انتخابية مقبلة أمام حزب المؤتمر الوطني الديمقراطي في حال وجود مشكلات اقتصادية من هذا القبيل.

خلاصة واستنتاجات

  • يتنافس في الانتخابات الرئاسية الغانية المقرر عقدها في 7 ديسمبر المقبل طرفان رئيسان، هما: الرئيس الحالي نانا أكوفو أدو، زعيم الحزب الوطني الجديد، وجون دراماني ماهاما، زعيم حزب المؤتمر الوطني الديمقراطي. وتَشي الأجواء التنافسية بأن المعركة الانتخابية بينهما ستكون ساخنة.
  • تبدو أزمات البطالة وارتفاع الأسعار وضعف الأجور وقلة الاستثمارات، والاعتماد على المواد الخام، خاصة الكاكاو، كمصدر دخل رئيس للبلاد، أكثر القضايا التي تُقلِق الناخبين الغانيين، وقد تُحدد مصير المرشحين المتنافسين.
  • تبدو حظوظ الرئيس الحالي نانا أكوفو أدو بالفوز بالانتخابات مُجدداً مرتفعة، لكن هذا لن يُبدِّد تماماً فُرَص منافسه جون ماهاما؛ فهو أصغر سناً، وسيحاول توظيف مسألة كبر سِن منافسه نانا لتعزيز حظوظه وإخافة الناخبين الغانيين من عواقب أي موت مفاجئ للرئيس نانا على مستقبل البلاد، مع أن هذا التخوف قد لا يكون في محله، بسبب الميراث الديمقراطي المتنامي في هذا البلد الأفريقي.

أحدث الإيجازات