الانتخابات ومستقبل النظام السياسي في زيمبابوي

مركز الإمارات للسياسات | 09 أغسطس 2018

شهدت زيمبابوي مؤخراً إجراء أول انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية، بعد 40 عاماً من حكم الرئيس روبرت موجابي، حيث أسفرت الانتخابات عن احتفاظ إيمرسون منانجاجوا برئاسة البلاد، وفوز الحزب الحاكم " الاتحاد الوطني الزيمبابوي الأفريقي– الجبهة الحاكمة"، الذي يُعرف اختصاراً بـ"زانو"، بأغلبية مقاعد البرلمان والمجالس المحلية، متفوقاً على حزب المعارضة الأساسي "حركة التغيير الديمقراطي" بقيادة نيلسون شاميسا، لتدخل البلاد حلقةً جديدة من العنف، بسبب رفض المعارضة لنتائج الانتخابات، الأمر الذي يثير تساؤلات جمة بشأن مستقبل النظام السياسي في زيمبابوي، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في إقليم الجنوب الأفريقي.  

إدارة العملية الانتخابية

أعلنت اللجنة الوطنية العليا للانتخابات بدء عملية الاقتراع في 30 يوليو 2018، حيث ترشح للرئاسة 23 مرشحاً، وهو أكبر عدد من المرشحين منذ استقلال البلاد عام 1980. وكان على رأس هؤلاء الرئيس الحالي منانجواجا، والمحامي القس شاميسا. كما تقدم آلاف المرشحين لخوض الانتخابات البرلمانية والمحلية، سواء من المستقلين أو الممثلين لأكثر من 120 حزباً سياسياً.

قدم منانجاجوا نفسه للشعب باعتباره رجل الدولة القادر على تصحيح المسار، بهدف بناء دولة ديمقراطية جديدة حديثة. كما طرح برنامجاً انتخابياً يقوم على تحسين العلاقات السياسية بين زبمبابوي والدول الغربية، وخلق مناخ اقتصادي جاذب للاستثمارات الأجنبية، بما يسهم في زيادة معدلات النمو، ويخلق الآلاف من فرص العمل، ويحسّن الدخول ومستويات المعيشة. كما تعهد بأن تسير العملية الانتخابية بكل حرية ونزاهة، مؤكداً ثقته الكاملة في تحقيق النصر الساحق. 

أما شاميسا، فقد خاض الانتخابات تحت شعار التغيير، مركزاً على مشكلات البلاد الراهنة، وبخاصة انتهاك حقوق الإنسان، والفساد السياسي، وتنامي معدلات الجريمة، وارتفاع التضخم، ونقص السلع الأساسية، وانتشار الفقر والمرض. كما حرص شاميسا (40 عاماً) على اكتساب تأييد فئة الشباب بالبلاد، الذين يمثلون 43.5% من الناخبين، مؤكداً أن زيمبابوي لا تحتاج إلى رجل كبير السن، بقدر احتياجها إلى أفكار كبيرة وطموحة، ملمحاً إلى كون منانجواجوا (75 عاماً) ينتمي لطائفة الحكام المستبدين بالقارة الأفريقية، وأن تصعيده إلى الرئاسة في نوفمبر 2017 –خلفاً للرئيس موجابي– من طرف الجيش لم يكن بهدف استعادة الديمقراطية وإنقاذ الاقتصاد الوطني، وإنما كان بهدف الحفاظ على شبكة المصالح السياسية والمالية التي تجمع أعضاء التحالف الحاكم. 

تحليل نتائج الانتخابات   

شهدت الانتخابات إقبالاً واضحاً، قدّرته اللجنة الانتخابية بـ 75% من العدد الإجمالي للناخبين، والذي يناهز 5 ملايين ناخب. وكشفت النتائج عن فوز منانجاجوا برئاسة البلاد، محققاً 50.8% من الأصوات مقابل 44.3% لشاميسا، بالإضافة إلى نجاح حزب زانو في حصد 144 من مقاعد البرلمان مقابل 61 مقعداً لحركة التغيير الديمقراطي، بما يؤهل زانو للقيام بتعديل الدستور، بعدما حصد أكثر من ثلثي المقاعد البرلمانية.

ويمكن تفسير نتائج الانتخابات بكون منانجاجوا موجوداً في السلطة بالفعل، بالإضافة إلى نجاح حملته في مواجهة الفساد خلال الأشهر الماضية، ومساندة قادة حزب زانو له، وتأييد العديد من الأطراف الأخرى له، وبخاصة القوات المسلحة ووسائل الإعلام، وجمعية المحاربين القدماء، التي ترتبط تاريخياً بالحزب الحاكم. فضلاً عن المساندة الإقليمية القوية التي تلقاها منانجاجوا وحزبه من أعضاء "مجموعة التنمية لدول أفريقيا الجنوبية" (سادك)، وبخاصة دولة جنوب أفريقيا، التي يتولى رئيسها رئاسة المجموعة في دورتها الحالية.  

في المقابل افتقر شاميسا إلى الخبرة والجماهيرية اللازمة لمنافسة غريمه القوى منانجاجوا، الملقب بالتمساح، وبخاصة أنه تولى قيادة حركة التغيير الديمقراطي قبل عدة أشهر فقط، عقب رحيل قائدها السياسي المخضرم، ورئيس الوزراء السابق مورجان تسفانجيراي.  

ردود الأفعال الداخلية والخارجية 

رحب منانجاجوا بنتائج الانتخابات، مؤكداً نزاهتها، وأكد أنه سيكون رئيساً للجميع، بمن فيهم هؤلاء الذين لم ينتخبوه. في المقابل رفضت المعارضة نتائج الانتخابات، مؤكدة أن العملية الانتخابية شابها الكثير من الخروقات التي تقدح في صدقيتها، وأهمها ترويع الناخبين، وغياب الأمن، وانحياز اللجنة الانتخابية والقوات المسلحة والإعلام لمرشح الحزب الحاكم. لذا أكد شاميسا تمسكه بحقه القانوني في الطعن على نتائج الانتخابات أمام القضاء. كما اندلعت احتجاجات في العاصمة هراراي، وهو ما قابله النظام بنشر قوات الأمن في البلاد، وقمع الاحتجاجات ما أدى إلى مقتل ثلاثة من المُحتجين.

أما عن الموقف الإقليمي والدولي، فقد أكد الاتحاد الأفريقي ومجموعة "سادك" أن الانتخابات تمتعت بالشفافية والنزاهة وفقاً للمعايير الأفريقية، فيما أكد المراقبون الأوروبيون عدم تمتع العملية الانتخابية بالنزاهة الكافية.        

مستقبل النظام السياسي في زيمبابوي

في ضوء نتائج الانتخابات، والمواقف المتباينة إزائها يمكن توقع حدوث سيناريوهَين اثنين في زيمبابوي: أولهما اعتماد نتائج الانتخابات، والاعتراف الدولي بمنانجاجوا رئيساً للبلاد؛ وثانيهما هو إبرام صفقة سياسية يتم خلالها اقتسام السلطة بين منانجاجوا وشاميسا.

لكن يبدو أن السيناريو الأول هو الأرجح، ويعود ذلك إلى الشعبية التي يتمتع بها منانجاجوا في الشارع السياسي، وخاصة بعد مساهمته في إزاحة موجابي عن السلطة، فضلاً عن قوة التيار المساند له في حزب زانو والقوات المسلحة، والدعم الإقليمي الذي يتمتع به، ووجود خطوط اتصال بينه وبين القوى الدولية المؤثّرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا والصين، وسعيه لاستعادة عضوية بلاده في الكومنولث بعد تجميدها منذ 2002، وحرص صناديق الاستثمار الدولية على فتح صفحة جديدة مع زيمبابوي.

وتزداد احتمالات تحقق هذا السيناريو مع انحسار أعمال العنف بالبلاد، والانقسام الداخلي الذي تعانيه حركة التغيير الديمقراطي المعارضة، وعدم توافر المعطيات اللازمة لفرض نوع من تقاسم السلطة، حيث يوجد بالفعل نائب قوي للرئيس هو قسطنطينو تشيوينجا، الجنرال السابق صاحب الدور الأكبر في إطاحة موجابي. كما أن تجربة تقاسم السلطة لم تنجح مسبقاً؛ فقد تم تعيين مورجان تسفانجيراي رئيساً للوزراء عام 2009، بضغط غربي على الرئيس موجابي، للتخلي عن مصادرة أراضي المزارعين البيض وفق برنامجه للإصلاح الزراعي، فلم تدم تلك التجربة أكثر من عامين ونصف عام، بسبب فقدان الثقة المتبادل وتداخل الاختصاصات، ومن المرجح أنها لن تنجح الآن أيضاً.     

 لكن انفراد منانجاجوا بالسلطة لا يعني أن زيمبابوى سوف تسير في طريق سلس نحو الاستقرار السياسي والتعافي الاقتصادي. فهذا الأمر مرهون باتخاذ إجراءات متوازية عديدة على صعيد الإصلاح السياسي، وإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتحسين مستويات المعيشة، وذلك حتى لا يصبح منانجاجوا هو الوجه الآخر لموجابي.

 

أحدث الإيجازات