مستقبل الهدنة ودور الفصائل الولائية في العراق

مركز الإمارات للسياسات | 06 ديسمبر 2020

يُمثِّل دور الفصائل الولائية في العراق مشكلة معقدة للعلاقات العراقية-الأمريكية نتيجة تنامي دور هذه الفصائل التي تُعَد من أكثر الأدوات الأمنية والعسكرية فاعليةً للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة العربية. وكانت الفصائل الولائية هذه قد أعلنت هدنة لإيقاف إطلاق الصواريخ على السفارة الأمريكية في بغداد، نتيجة الضغوطات التي مورست والتهديدات الأمريكية بأن الولايات المتحدة ستقوم بعمليات قصف مكثف لـ 80 موقعاً تابعاً للحشد الشعبي والفصائل حال إتمام إغلاقها السفارة. وهذه الورقة تلقي الضوء على أبعاد الهدنة وطبيعة الدور الإيراني فيها ومستقبلها، ومستقبل دور الفصائل الولائية في العراق. 

أبعاد هدنة الفصائل الولائية والدور الإيراني فيها

منذ نهاية العام الماضي تطوَّر دور الفصائل الولائية في العراق باتجاه استهداف الوجود العسكري الأمريكي، في مقابل قيام الولايات المتحدة بتوجيه عمليات نوعية لمقرات هذه الفصائل وسط غياب أي دور للحكومة العراقية في إيقاف هذه الهجمات المتبادلة، وجاءت حادثة اغتيال سليماني والمهندس لتمثل ضربة قاصمة للدور الإيراني في المنطقة، إذ شهدت الاستراتيجية الإيرانية في العراق فيما بعد حالة ارتباك شديدة، وذلك لأنها فقدت العنصر الأكثر أهمية من أدواتها الاستراتيجية، سواء في دور سليماني كمُوجِّه وقائد للدور الإيراني في العراق أو المهندس الذي كان يملك القدرة على ضبط حركة توازنات القوى بين الفصائل والحكومات العراقية المتعاقبة أو بين الفصائل ذاتها، وازدادت حالة استهداف الفصائل للمقرات العسكرية وللسفارة الأمريكية في بغداد وأَّدى ذلك إلى تصعيد حالة التوتر لاسيما مع وجود حكومة الكاظمي التي أعلنت عزمها إنهاء دور الفصائل والحفاظ على هيبة الدولة دون أن تنجح في تحقيق ذلك لاعتبارات عديدة.

وجراء تصاعُد التوتر أبلغ وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الرئيس العراقي برهم صالح أن الولايات المتحدة لا تستبعد استهداف قيادات الفصائل الشيعية الموالية لإيران في العراق، وأشارت صحيفة الواشنطن بوست إلى إمكانية غلق السفارة الأمريكية في بغداد واحتمالية نقلها إلى أربيل في حال فشلت الحكومة العراقية في إيقاف الاستهداف المتكرر للمصالح الأمريكية، ممَّا أسهم بزيادة الضغط على حكومة الكاظمي الساعية لتطوير العلاقات العراقية-الأمريكية، ونتيجة لذلك أعلن الكاظمي تشكيل لجنة أمنية عليا برئاسة مستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي للتحقيق في جرائم استهداف المقرات الأجنبية في العراق، وأدت تلك التهديدات الأمريكية إلى مضاعفة جهود الحكومة العراقية للدخول في مباحثات مكّثفة مع قادة الفصائل الولائية لإيقاف هذه الممارسات. 

وأعلن الناطق باسم كتائب حزب الله محمد محيي في 12 أكتوبر عن هدنة بين الفصائل المسلّحة والولايات المتحدة الأمريكية تلتزم من خلالها الفصائل بعدم استهداف القوات العسكرية أو السفارة الأمريكية، مشترِطاً أن تعلن الولايات المتحدة جدولة انسحاب قواتها بنهاية العام الحالي، وعاد في اليوم التالي ليحذر من أي غدر تتعرض له هذه الفصائل والذي سيفتح أبواب جهنم على القوات الأمريكية حسب تعبيره.

وتُعَد الهدنة في حقيقتها هدنة إيرانية-أمريكية وليس هدنة الفصائل مع الولايات المتحدة، وذلك لأن الأبعاد الحاكمة لها مرتبطة بطبيعة الصراع الأمريكي-الإيراني في المنطقة أكثر من الجوانب المتعلقة بالوجود العسكري الأمريكي في العراق. وبالتالي، فأبعاد الهدنة متعلقة بالدرجة الأساس بالإدراك الإيراني لخطورة التهديدات التي أبلغتها الإدارة الأمريكية لحكومة الكاظمي بأن أي استهداف للقوات العسكرية أو السفارة الأمريكية في بغداد سيواجَه بردٍّ أمريكيٍّ قاسٍ ربما أدرك من خلاله صانع القرار الإيراني أنه سيكون شبيهاً بعملية قتل سليماني والمهندس من خلال استهداف قيادات إيرانية أو قيادات فصائل شيعية عراقية.

وفي إطار مناقشة طبيعة الدور الإيراني في إعلان هذه الهدنة والتعقيد الذي يكتنف علاقة الفصائل الولائية بالحكومة العراقية، لاسيما في عهد الكاظمي المقّرب للولايات المتحدة، يتضح جلياً الفراغ الذي تركه غياب أبو مهدي المهندس كضابط لحركة التوازن في حركة هذه الفصائل ونشاطاتها وأدوارها وعلاقتها مع الحكومة العراقية ومع الجهات الأخرى، فضلاً عن علاقة بعضها ببعض. وترتبط الفصائل الولائية بالأهداف الاستراتيجية الإيرانية ارتباطاً مباشراً، وذلك لأن مُوجِّهات الفصائل الولائية إيرانية بالدرجة الأساس، سواء على المستوى السياسي أو العقائدي أو العسكري، وبات واضحاً حجم التأثير الإيراني على حركة ونشاط هذه الفصائل التي تختلف مسمياتها وتنظيماتها لكنها تشترك جميعاً في كونها تقع ضمن المنظومة الأمنية-العسكرية للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.

ولإدراك حكومة الكاظمي أن القوى السياسية والدينية العراقية غير قادرة على الـتأثير في مواقف هذه الفصائل بعد سلسلة المباحثات المكّثفة التي أجراها الكاظمي مع القادة العراقيين، لجأ الكاظمي في آخر المطاف إلى السفير الإيراني في العراق ايرج مسجدي، الذي ازداد دوره في مرحلة ما بعد سليماني والمهندس، وتدخَّل لإقناع قادة الفصائل الولائية بالتوقف عن استهداف المصالح الأمريكية. فالإدراك الإيراني المتسم بالبراغماتية تعامل بشكل موضوعي مع التهديدات الأمريكية الأخيرة، لاسيما في مرحلة ما قبل الانتخابات الأمريكية، حتى أجبرت القيادة الإيرانية الفصائل الولائية بقبول الهدنة التي عرضها الكاظمي.

وأشارت التقارير إلى أن الهدنة تضمَّنت إطلاق الأموال الإيرانية المجمّدة في العراق بسبب العقوبات الأمريكية والتي تقدر بحوالي 10 مليارات دولار، وذهب بعض المصادر إلى أن الكاظمي تعهَّد للسفير الإيراني بالعمل على مساعدة إيران في الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها لاسيما بعد إعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران. وفي هذا الصدد، وبعد أيام قليلة من إعلان الهدنة، وصل إلى بغداد عبد الناصر همتي محافظ البنك المركزي الإيراني، والتقى كبار المسؤولين الماليين في العراق، وأشارت المصادر إلى أنه حصل على موافقة حكومة الكاظمي على إطلاق حوالي 3 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمّدة في العراق.

مستقبل الهدنة ودور الفصائل الولائية في المشهد السياسي العراقي

1. سيناريوهات مستقبل هدنة الفصائل الولائية

السيناريو الأول: استمرار الهدنة، وذلك في ضوء تبلور ملامح إيجابية من جهة الرئيس المنتخب جو بايدن في التعامل مع الأزمة الإيرانية. ومن مؤشرات ذلك تعهُّد بايدن باستئناف المفاوضات من أجل إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، وهي الخطوة التي في حال تمت ستكون في صالح إيران من خلال تخفيف الضغوطات ودعم دورها الاستراتيجي في المنطقة ولاسيما في العراق.

السيناريو الثاني: استئناف استهداف المواقع العسكرية والسفارة الأمريكية في العراق، وذلك في حال استمرت السياسة الأمريكية في عهد بايدن في آلية فرض العقوبات والضغط السياسي والاقتصادي على إيران مع احتمالية أن يفوز التيار المحافظ بالرئاسة الإيرانية، وستكون الأراضي العراقية الساحة لاستهداف الوجود الأمريكي العسكري والسياسي عبر الفصائل الولائية.

2. سيناريوهات مستقبل دور الفصائل الولائية في المشهد السياسي العراقي

يرتبط مستقبل دور الفصائل الولائية بطبيعة مستقبل العلاقات الأمريكية-الإيرانية في المرحلة المقبلة، وفي ضوء ما تقدَّم بخصوص مستقبل الهدنة يمكن الحديث عن سيناريوين لمستقبل دور الفصائل الولائية في المشهد السياسي العراقي:

السيناريو الأول: تراجُع التأثيرات السلبية لدور الفصائل الولائية في المشهد السياسي العراقي، وذلك في حالة توافق العلاقات الأمريكية-الإيرانية مع توجه الطرفين لدعم الحكومة العراقية لاسيما في ظل التحضير لإجراء الانتخابات البرلمانية المبكّرة منتصف العام المقبل، ومن قبيل ذلك التوجه الايراني لدعم القوى السياسية على حساب القوى المسلّحة في الانتخابات المقبلة، الأمر الذي سيساهم في تطور العلاقات العراقية-الأمريكية ويساعد في زيادة الدعم الأمريكي للعراق.

السيناريو الثاني: تصاعُد الـتأثيرات السلبية للفصائل الولائية في المشهد السياسي العراقي، وذلك في حالة استمرار التوتر في العلاقات الأمريكية-الإيرانية، من خلال مواصلة سياسة فرض العقوبات والضغط السياسي والاقتصادي على إيران، الأمر الذي يؤدي إلى توجُّه إيران لتوظيف الفصائل الولائية لاستهداف الوجود الأمريكي والإخلال بالأمن الوطني العراقي، إلى جانب دعم القوى المسلّحة في الانتخابات القادمة وإعاقة تطوير العلاقات العراقية-الأمريكية.

الخلاصة

تُعتبَر الهدنة التي عقدتها حكومة الكاظمي مع الفصائل الولائية هدنة إيرانية-أمريكية تضمَّنت تخفيف حدة التوتر في العلاقات الأمريكية-الإيرانية إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وذلك في إطار آمال القيادة الإيرانية حينها بفوز المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن الذي تُعّول عليه في اتِّباع سياسة مغايرة لسياسة ترمب الذي اعتمد تصعيد حدة المواجهة الأمريكية-الإيرانية لاسيما في العراق حيث يبرز النفوذ الإيراني من خلال القوى الولائية المرتبطة بالمشروع الإيراني.

وبالتالي، فالفصائل الولائية مُلتزمة بالهدنة وهي مُستجيبة للرؤى والتصورات الإيرانية في هذه القضية، لاسيما في ظل فوز المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن الذي يشير إلى إمكانية عودة التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، وصولاً حتى إلى إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الكبرى، والذي سوف ينعكس في تراجُع مستويات الصراع الأمريكي-الإيراني، وتصاعُد الدور الاستراتيجي الإيراني في المنطقة.

أحدث الإيجازات