قامت السياسات الاقتصادية لحزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى السلطة عام 2002 على تحقيق النمو الاقتصادي من خلال تمويل الحكومة للقطاع الخاص لإقامة المشاريع الضخمة، وضخّ الائتمان عبر البنوك التجارية، واستقطاب التمويل الخارجي، إلا أن هذه السياسات تعرضت للتحدي حينما زادت تكاليف الائتمان الخارجي بسبب تغيّر سياسات البنوك المركزية الرئيسة في العالم في أعقاب الأزمة العالمية عام 2008.

وبينما نجح أردوغان في تأجيل الأزمة الاقتصادية من خلال اتباع سياسات نقدية ومالية توسعية، إلا أن هذه السياسات ليست مستدامة؛ فأصاب الاقتصاد التركي الركود في أواخر العام 2018، وسيُواجه هذا الاقتصاد مشكلة حقيقية في عام 2020.

معضلة الدَّين القومي وارتفاع مخاطر الاستثمار في الأصول التركية

تتمثل المشكلة الرئيسة في الاقتصاد التركي بارتفاع الدَّين القومي، الذي يبلغ 447 مليار دولار، إذ يصل حجم الديون بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي إلى 61.8%، وهي أعلى نسبة على الإطلاق في تاريخ تركيا. ونصف هذا الدين تقريباً يعود إلى القطاع الخاص، ما يعني تراجع الاستثمارات الخاصة بسبب تراكم الديون، الأمر الذي يقود إلى تراجع النمو وحدوث ركود، كما يقود إلى حالة من عدم الاستقرار المالي.

وبينما سعت الحكومة التركية إلى إنقاذ الشركات التركية الضخمة التي تواجه مشاكل مالية من خلال تحويل قروضها المعدومة إلى صندوق الثروة السيادي التركي، إلا أن قيمة أصول الصندوق ستتراجع إذا حدث اضطرابٌ مالي جديد؛ ما سيؤثر تالياً في إجمالي حجم محفظة الصندوق، وبخاصة أنه من غير المتوقع أن يُقبل المستثمرون العالميون على المخاطرة في الأصول التركية، وبخاصة إذا علمنا أيضاً أن البيانات الصادرة عن الحكومة التركية تفتقر إلى الشفافية.

وتتزامن تلك التطورات مع التوتر في العلاقات التركية-الأمريكية نتيجة شراء تركيا منظومة الصواريخ الروسية "أس-400"، وتعارض سياسات البلدين بخصوص شمال سوريا، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات اقتصادية على تركيا وفق "قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات" (كاتسا). وضمن ذلك القانون هناك نوعان من العقوبات الرئيسة، هما: استبعاد أنقرة من نظام "سويفت" (نظام التحويلات المالية والمعاملات بين البنوك)، وعرقلة سعي الشركات الأمريكية وشركائها الدوليين للاستثمار في الأصول التركية. وهذان النوعان من العقوبات سيكون لهما تأثير مُدمّر على اقتصاد تركيا؛ فتركيا مُثْقَلة بالديون لحاملي السندات الخارجيين، والغالبية العظمى من مصادر رأس المال تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. وعلاوة على ذلك، فإن عدم القدرة على استخدام نظام "سويفت" سيُعرقِل بشكل مُباشر صادرات تركيا ووارداتها.

وحتى في حال فرض العقوبات الأقل شدة وفق قانون "كاتسا"، فإن من شأنها أيضاً أن تزيد من علاوة مخاطرة الاستثمار في تركيا؛ وبالتالي زيادة كُلف تمويل الشركات والدولة التركية. ومن الُمحتمل أن يزداد التقلّب في أسواق الصرف والسندات. ومع أن هذه العقوبات لن تؤدي إلى انهيار تام في الاقتصاد التركي، إلا أنها يمكن أن تكون مُدمِّرة حينما تتدهور الظروف المالية العالمية بالنسبة لتركيا في الفترة نفسها.

التوقعات في المستقبل القريب

تتمثّل المشكلة الرئيسة للاقتصاد التركي بصعوبة الحصول على التمويل الخارجي بتكاليف معقولة بسبب ضخامة الدَّين. فينبغي تأجيل سداد 50% من الدَّين الداخلي للحكومة في عام 2020. وعلاوة على ذلك، يبلغ الحجم الإجمالي للديون الخارجية التي تستحق السداد في أقل من عام 175 مليار دولار أمريكي. وبحكم هذين السببين، فإن أكبر تحدٍّ سيواجه الاقتصاد التركي في 2020 هو تسديد الديون، وتأجيل سدادها. وسيؤدّي عدم تمديد فترة استحقاق الديون إلى فقدان النشاط الاقتصادي، بينما ستدفع عمليات تمديد استحقاق الدَّين إلى رفع أسعار الفائدة، وقيمة سعر صرف الدولار. وهذا الأمر يُمثل مأزقاً بحد ذاته، والفرصة الوحيدة لتفاديه تتوقّف فقط على القبول الإيجابي بالمخاطرة من قبل المستثمرين العالميين.

ولذلك، سيكون من الحكمة وصف 2019 كعام نصف الانتعاش قبل الصَّدمة الُمقبلة، بدلاً من الانتعاش الكامل. وستُواجه الشركات الصغيرة والكبيرة القابضة صعوبةً كبيرة في الحصول على الأموال لمواصلة عملياتها. فانهيار مصرف رئيس ليس هو الحالة الأساسية، في حين أنه خيار لا يُمكن استبعاده تماماً، في حال ضرَبَ الكسادُ العالمي تركيا بقوة. لقد نشطت الحكومة بشكل كبير جداً في تأجيل الأزمة إلى عام 2018، واستخدمت جميع المصادر تقريباً لتخفيف الآثار السلبية على كلٍّ من الكيانات التجارية والشعب في 2019، ولكن لا يتوافر لديها المزيد من الموارد لمكافحة الأزمة الاقتصادية في 2020. وسيكون حجم الركود العالمي وآثاره الجانبية الإيجابية المحددَّين الرئيسَين لمدى قوة الاقتصاد التركي أو سوئه.

ويتعين أخذ الآثار الاجتماعية والسياسية للأزمة الاقتصادية في الاعتبار أيضاً؛ وبخاصة أن معدلات البطالة تُعد الأعلى على الإطلاق في تاريخ تركيا، إضافةً إلى التوقعات باستمرار هذه المعدلات خلال السنة المقبلة. وقد تحاول الحكومة التركية خفضَ الأجور الحقيقية لجعل تكاليف العمالة معقولة بالنسبة للقطاع الخاص، لكنَّ هذا الأمر سيقود أيضاً إلى تراجع القوة الشرائية للطبقة العاملة. وسيتواصل الاستياء في صفوف المجتمع التركي، إضافة إلى احتمال استمرار التراجع في معدلات الرضا عن الحكومة. 

أحدث الإيجازات