يطرح "الاتفاق الإطاري" الذي توصل إليه لبنان مع إسرائيل بوساطة أمريكية، بشأن التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية، والذي أُعلِن عنه في مطلع أكتوبر الجاري، سؤالاً عما إذا كان هذا الاتفاق مقدمة لظهور ديناميات جديدة من شأنها إعادة ترتيب المشهد الإقليمي ومعادلاته، وخاصة أن التفاوض بين الطرفين لن يكون أمراً تقنياً مجرداً، بل يحمل أبعاداً جيوسياسية قد تُغيِّر طبيعة الصراع في المنطقة، وتنحو بالعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية إلى شكلٍ من أشكال الاتفاق السياسي، ستكون له مُترتبات تتناقض مع الواقع الذي ساد لأكثر من عشرين عاماً على حدود الطرفين.

التفاوض على ماذا؟

تُشكِّل مسألة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل محور المفاوضات المزمع عقدها في 14 الشهر الجاري حسب تأكيدات مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، الذي سيمثل الولايات المتحدة في المفاوضات بوصفه وسيطاً. وتعود أزمة الحدود البحرية بين الجانبين إلى الفترة التي أعقبت اكتشاف مخزونات ضخمة من احتياطي النفط والغاز الطبيعي في المنطقة القريبة من حدودهما عام 2009، وهو ما أدى إلى تفجُّر أزمة ترسيم الحدود في المياه الاقتصادية بينهما.

وتبلغ نسبة المساحة المتنازع عليها بحدود 850 كيلو متراً مربعاً، وكان الدبلوماسي الأمريكي، فريديريك هوف، قد اقترح في عام 2011 حلاً، جرى تسميته بـ "خط هوف"، يقوم على منح 58 بالمائة للبنان مقابل 42 بالمائة لإسرائيل، كما بدأ الطرفان، بناء على طلب الأمم المتحدة منذ عام 2010 مفاوضات لترسيم الحدود الاقتصادية، ولكنهما لم يتوصلا إلى صيغة توافقية بسبب اعتراضات "حزب الله".

وكان للولايات المتحدة الأمريكية دورٌ حاسمٌ في التوصل إلى اتفاق الإطار عبر إجراء محادثات دبلوماسية بين الطرفين استمرت أكثر من عامين وشملت ثمان جولات، وتأمُل الإدارة الأمريكية، حسب تصريحات وزير الخارجية مايك بومبيو، أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق في غضون ستة أشهر ستقوم خلالها شركات من الجانبين بإجراء مسح زلزالي في المنطقة المتنازع عليها.

ويطمح لبنان، في حال نجاح المفاوضات، إلى البدء في الاستثمار في البلوكين 8 و9، حيث توقَّع نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني، أن يُسهِم الغاز المستخرج في تسديد ديون لبنان المتراكمة. أما بالنسبة لإسرائيل، فالهدف الاستراتيجي لها من الاتفاق يتمثل في الحد من مخاطر النشاطات العسكرية ضد منصات الغاز الإسرائيلية القريبة من الحدود اللبنانية.

دوافع "حزب الله" لقبول التفاوض

رغم أن الموافقة على التفاوض صدرت باسم لبنان الدولة، إلا أنه ليس سراً أن لبنان محكومٌ من قِبَل "حزب الله"، وأن الحزب هو مَنْ عطَّل المفاوضات لسنوات طويلة، وكان يَتهم كل من ينتقد موقفه بهذا الخصوص بالتفريط بالحقوق اللبنانية، رغم أن شروط التفاوض هي ذاتها التي تمت الموافقة عليها، ولكن بعد أن أضاع لبنان أموالاً كثيرة، حسب قول ديفيد شينكر، كان يمكن أن ترفد خزينته من عوائد تصدير الغاز. فما الذي دفع "حزب الله" إلى الموافقة أخيراً؟

في الواقع هناك جُملة من الأسباب، أهمها الآتي:

  • الوضع الاقتصادي اللبناني المتأزِّم، والنقد الذي يتعرض له "حزب الله" من كافة المكونات اللبنانية، وتحميله المسؤولية الكبرى عن تردي الأوضاع الاقتصادية.
  • ضغط حلفاء "حزب الله"، وخاصة "حركة أمل" و"التيار الوطني الحر"، على الحزب، بعد أن باتوا في مرمى العقوبات الأمريكية؛ فالذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل ربما يدفع الإدارة الأمريكية إلى الغاء قوائم العقوبات التي باتت جاهزة بحق الكثير من الشخصيات التي تتعامل مع "حزب الله".
  • يمثل الاتفاق رسالة من "حزب الله" إلى اللبنانيين، بأنه يُضحِّي من أجل مصالحهم الاقتصادية، وأنه في الأصل انتظر كل هذه المدّة من أجل الحفاظ على مصلحة لبنان واللبنانيين عبر إصراره على تحسين شروط التفاوض.
  • تعويض اللبنانيين عن إفشال المبادرة الفرنسية التي كانت تمثل حلاً لأزمات لبنان السياسية والاقتصادية، ورداً على انتقادات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اتهم الحزب بتخريب المبادرة، والقول له إن الحزب يملك خيارات أقوى.
  • الانحياز للمبادرة الأمريكية على حساب الفرنسية، لأنه من الأفضل لإيران و"حزب الله" إذا أرادا تقديم تنازلات، أن يقوما بذلك عن طريق البوابة الأمريكية ذات التأثير الأكبر في المنطقة. بالإضافة إلى حسابات إيران والحزب من أن الموافقة على التفاوض مع إسرائيل ستخفِّف من حجم هجوم واشنطن العقابي عليهما.

هل يُشكِّل الاتفاق بداية طريق السلام؟

أثار إعلان نبيه بري عن الاتفاق الإطاري مع إسرائيل، في اليوم الأول من أكتوبر الجاري، موجةً من الاستهجان في الأوساط اللبنانية، باعتبار أن موقعه لا يؤهله لمثل هذا الإعلان الذي من المفترض أنْ يصدُر عن رئيس الجمهورية، أو عن رئيس مجلس الوزراء. والمعلوم أن بري لا يتصرَّف دون تغطية من "حزب الله" صاحب التأثير الأكبر في السياسة اللبنانية؛ فهل كان الإعلانُ رسالةً للقوى الدولية الكبرى، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية، بأن لا شيء يمكن أن يسير في لبنان من دون موافقة "حزب الله"، أو أن ما يُوافق عليه "حزب الله" يُعتبر سارياً على لبنان كله؟ أم يمثل رسالة إيرانية للإدارة الأمريكية تؤكد جديتها في حلحلة الملفات الساخنة في المنطقة، وأنها عامل مساعد على الاستقرار؟ أم أن الاتفاق بمثابة عربون حُسْن نية تُقدِّمه إيران، التي تنتظر نتائج الانتخابات الأمريكية التي ستُجرى في مطلع نوفمبر المقبل، للإدارة المقبلة في واشنطن؟ أم أنه، وكما ذهب بعض القراءات، محاولة من قبل إيران و"حزب الله" لشراء الوقت إلى حين انتهاء جولة الانتخابات، وبعدها لكل حادث حديث؟

وإلى جانب تلك الأسئلة، فقد كان لافتاً أن رئيس مجلس النواب اللبناني استخدم مؤخراً لغةً جديدةً تقطع مع النبرة الأيديولوجية التي يتبناها المحور الذي يتبع له، فقد تحدَّث في بيانه عن إسرائيل، وليس "الكيان الصهيوني" أو "الاحتلال"، كما جرت العادة، وهذا تغيير استراتيجي وأيديولوجي كبير، إذ إنه يُضمِر بداخله اعترافاً بإسرائيل. فالاعتراف بالحدود هو اعتراف بوجود إسرائيل، التي طالما زايَدَ حلف الممانعة باختلافه عن بقية القوى الإقليمية بعدم اعترافه بإسرائيل. ولم يقتصر حديث بري على هذا التطور، بل انطوى على لغة جديدة تحدثت عن "المصالح المشتركة" و"تنمية الموارد" و"شعوب المنطقة"، وهي مصطلحات طالما اتهم الحلف الممانع مَنْ يتحدث بها على أنها مجرد شعارات لتغطية عملية التطبيع مع إسرائيل!

واللافت أيضاً أن هذا التطور قد تزامن مع تطورات أخرى تمثلت في انتشار قوّة عسكريّة من قوّات الطوارئ الدوليّة (يونيفيل) في بيروت ومنطقة المرفأ، وتوقعت مصادر لبنانية أن هذا الانتشار تمهيد لتمدّد قوّات الطوارئ نحو الحدودين الشرقيّة والبحريّة وإيكالها مهمّات مراقبة جديدة لمنع عمليّات التهريب، تحقيقاً للرغبة الأميركيّة التي تم الإعراب عنها إبّان مناقشة مجلس الأمن قرار التجديد لهذه القوّات في أغسطس الماضي وعدم استمرارها مقيّدة، وهو ما كان "حزب الله" يُعارِضه ويُحرِّض عليه.

ولعل أولى النتائج المحتملة للاتفاق، إلغاء "حزب الله" تهديده بالانتقام من مقتل أحد عناصره قُرْب دمشق، بل إن الأمر قد يتطور إلى تجميد "المقاومة" ضد إسرائيل، ذلك أن الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه سيُكبِّل على الأرجح حركة الحزب، ليس في لبنان وحسب، وإنما في إطار المشروع الإيراني الهادف إلى محاصرة إسرائيل بجبهات عديدة من القنيطرة "السورية" إلى الناقورة" اللبنانية"، كما أنه سيُقوِّي أصوات المعارضة الداخلية لـ "حزب الله" التي تطالبه بتسليم سلاحه للدولة ضمن الاستراتيجية الدفاعية المتوافق عليها لبنانياً، طالما أن وظيفة "المقاومة" قد انتهت.

وعلاوة على ذلك، تأتي موافقة "حزب الله" على التفاوض مع إسرائيل في ظل ظروف صعبة يمر بها حلف الممانعة، حيث يشهد العراق تحولات مهمة باتجاه تجريد سلاح الميليشيات ودمجها ضمن أطر ومؤسسات الدولة العراقية، وكُشف عن مساع يقوم بها النظام السوري للتفاوض مع إسرائيل، في وقت تمر فيه إيران بأسوأ أزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية.

خُلاصة وتوقعات

على الأرجح، فإن كلاً من "حزب الله" وإيران قرَّرا الذهاب مباشرة إلى أولوياتهما الجيوسياسية، المتمثلة في إعادة ترتيب أوراقهما في المنطقة؛ فالصراع مع إسرائيل، لم يكن سوى طريق للسيطرة على منطقة المشرق العربي، ولممارسة الضغط على دول الخليج. واليوم، وتحت الضغط الذي يتعرَّض له هذا المحور والأزمات التي يَمُرّ بها، فإنه قد يبدو لقياداته أن من الأفضل حشد موارده باتجاه هدفه الكبير وحلمه الأثير المتمثلين بالسيطرة على الفضاءات الإقليمية التي أصبحت تحت نفوذيه الأمني والسياسي، وخاصة أن وظيفة الصراع مع إسرائيل في حشد واستقطاب الجمهور قد آتت أُكلها، وبات البعد الطائفي، في نظر الحزب، كافياً لشحن جماهيرهِ لسنوات طويلة.

ولا يعني ذلك أن زعيم "حزب الله"، حسن نصر الله، لن يخرج قريباً على الشاشات ليقول إن الاتفاق ليس سوى اتفاقاً موضعياً حول نقطة محدّدة ولا علاقة له بمشروع المقاومة، لكن من سيُصدِّق أن إسرائيل ولبنان اللذين سيرتبطان بمشاريع اقتصادية ومصالح مشتركة سيكون بينهما خلاف، على الأقل في السنوات العشر المقبلة، وهو وقت قد يكون كافياً ليعلو الصدأ سلاح "حزب الله".

أحدث الإيجازات