تعد التأثيرات الأجنبية من بين العوامل الحاسمة المهمة في تقرير مسار الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الصومال، التي ستُجرى في الثامن من فبراير المقبل. وإن كان من المعهود أن تكون تدخلات الدول المختلفة في الشأن الصومالي مدفوعة غالباً بالمصالح الخاصة لتلك الدول، إلا أنه لا يُمكِن تجاهل حقيقة أن العامل الخارجي يلعب أدواراً إيجابية في الحفاظ على المسار الديمقراطي الناشئ في البلاد.

دور العامل الأجنبي في الانتخابات الصومالية

منذ 2012 لعبت مجموعة "شركاء الصومال الدوليين"[1] دوراً محورياً في رسم معالم العملية الديمقراطية وخريطة الانتقال السياسي في الصومال، لكن ذلك لم يمنع من حدوث تعارُض – وأحياناً تصادُم - في مصالح القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في الساحة الصومالية؛ إذ يسعى بعض الدول إلى ضمان استمرار مصالحها الاستراتيجية في الصومال، بينما تحاول دول أخرى الحفاظ على مصالحها التجارية والاستثمارية في هذا البلد، فضلاً عن الدول التي تريد توسيع نفوذها الاقتصادي والتجاري من بوابة الصومال نحو دول شرق أفريقيا. وتنعكس الأجندات المتناقضة في الداخل السياسي في مواسم الانتخابات الصومالية، حيث يحتدم التنافس من أجل تقرير هوية المرشَّح الفائز.

ورغم أن التدخلات الأجنبية في الشأن الصومالي لا تلقى كثيراً من الترحيب في الداخل، ويُنظر لها بسلبية على نطاق واسع، إلا أنه يُمكن القول إن تلك التدخلات كان لها بعض التأثيرات الإيجابية في العملية الانتخابية في البلاد، يمكن إجمالها على النحو الآتي:

1. الحفاظ على النظام الديمقراطي الناشئ: مع اقتراب الصومال من موعد الاستحقاقات الرئاسية، أصدرت مجموعة شركاء الصومال الدوليين بيانات متوالية حول تطورات أزمة الانتخابات والبنود المختلف عليها بين الحكومة المعارضة والولايات الفيدرالية، في مسعى للحفاظ على واحدٍ من أهم مكتسبات المجتمع الدولي المتمثلة في تحقيق الاستقرار والانتقال الديمقراطي في الصومال، ودفع البلاد من الخروج من قاعدة 4.5 لتقاسم السلطة، إلى تنظيم تصويت شعبي مباشر. ورغم أن الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو تعهَّد أثناء ترشُّحه بإيصال البلاد إلى آلية انتخابات "صوت واحد لشخص واحد"، إلا أنه أعلن فشله في ذلك مؤخراً، مُقدِّماً نظاماً انتخابياً بديلاً. ويمارس المجتمع الدولي ضغوطاً على الحكومة الصومالية لإرساء آليات تضمن الشفافية والنزاهة في العملية الانتخابية.

2. تمويل العملية الانتخابية: حتى الآن تبدو الحكومات الصومالية المتعاقبة غير قادرة على تمويل العملية الانتخابية بنفسها، مما يفسح المجال للدول الداعمة والصديقة بأداء هذا الدور، ومن المقرر أن يدفع المجتمع الدولي 36 مليون دولار من أصل 40 مليون من ميزانية الانتخابات، بينما تُنفق الحكومة من ميزانيتها 4 مليون دولار فقط، وهو ما يضمن للدول المانحة إمكانية ممارسة الضغط على الأطراف المتنافسة من أجل الالتزام بالخريطة التي يضعها المجتمع الدولي لمسارات التحول السياسي في الصومال.

3. الدور الأمني للقوى الخارجية: تستمر بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) في لعب دور محوري في موسم الانتخابات، نظراً لضعف قدرات الجيش الصومالي، خاصة أن النموذج الانتخابي لهذه الفترة الانتخابية يقضي بعقد الانتخابات التشريعية بمدينتين في كل ولاية فيدرالية على عكس ما كان قائماً في المرات السابقة باختيار البرلمان من مدينة واحدة، وبذلك يقع على عاتق "أميصوم" مهمات إضافية في ضمان الاستقرار في هذه المرحلة. وأعلنت قيادة "أميصوم" أنها ستبدأ قريباً في تدريب القوات المحلية وتوجيهها في الولايات الأعضاء، وستعمل على وضع خطط لتنسيق وإدارة العمليات الأمنية خلال العملية الانتخابية. وما يعزز أهمية دور "أميصوم" في الانتخابات الصومالية المقبلة أن قوى المعارضة ما فتئت تُبدي عدم ثقتها في وكالة الاستخبارات والأمن القومي في الصومال (NISA)، وتتهمها بالتدخل في الانتخابات، والتغوّل في تفاصيل المشهد السياسي الصومالي[2]، ولهذا تشترط المعارضة أن تُعقَد الانتخابات بحراسة بعثة "أميصوم".[3]

القوى الدولية والإقليمية والمشهد الانتخابي الصومالي: الحسابات والتوازنات

الولايات المتحدة: من غير المُرجَّح أن تُمارس الولايات المتحدة دوراً مؤثراً بدرجة كبيرة في الانتخابات المقبلة، نظراً لظروف الانتقال السياسي في البيت الأبيض، وأيضاً بالنظر إلى الإرث الكبير الذي تركه عهد ترامب في سياسته الخارجية المنكفئة إزاء الصومال، وكان ترامب قد أمر في نهاية فترته بسحب كامل قوات بلاده من الصومال. ويعتقد محللون أن الرئيس جو بايدن قد يُبادِر إلى إعادة القوات لمحاربة الإرهاب كما كان الحال في عهد باراك أوباما، واعتماد استراتيجية لا تقوم على الانخراط الشامل، بل على تقديم الدعم السياسي واللوجيستي للحكومة الصومالية في مقديشو لمحاربة حركة الشباب المتطرفة، فضلاً عن تنفيذ ضربات جوية ضدها، وإعطاء الأولية لمساندة القوات الصومالية، عبر التدريب والتسليح.

سياسياً، وفي حال تأجلت الانتخابات الصومالية لعدة شهور، وهو سيناريو مُحتمل، فيمكن أن تغير إدارة الرئيس بايدن موقفها تجاه الحكومة الصومالية الحالية، وفي إشارة إلى ذلك، قال السفير الأمريكي السابق في الصومال مؤخراً "إن المجتمع الدولي تجاهل الوضع الحقيقي في الصومال الذي استغله الرئيس فرماجو لصالحه وليس لصالح الصومال"، ما يعني أن سياسة ترامب التي اتسمت بالتراجع في الصومال قد تأخذ مساراً آخر في عهد بادين.

الدول الأوروبية: يلعب العديد من الدول الأوروبية، والاتحاد الأوروبي كمنظومة سياسية، دوراً محورياً في تشجيع الانتقال السياسي السلمي في الصومال، وتمارس الضغط على جميع الأطراف في المشهد السياسي من أجل الوصول بهذا المسار إلى منتهاه. وقد عبَّر عددٌ من السفارات الأوروبية في البلاد عن أسفها من أن نموذج الانتخاب المتفق عليه لا يفي بالمتطلبات الدستورية الخاصة بالاقتراع العام المباشر للبرلمان، ودعت إلى إجراء انتخابات عادلة وشفافة وتوافقية، وأن تكون سلمية، وفيها مشاركة أوسع وشاملة أكثر مما كانت عليه قبل أربعة أعوام. لكن في حال تمسَّك الرئيس محمد عبدالله فرماجو بالاستمرار في الحكم بعد انتهاء ولايته؛ فإن الدول الأوروبية تملك خيارات عدة للتعامل مع الوضع؛ فهي من تدعم قوات أميصوم وتمول الانتخابات، وبالتالي من الممكن أن تلجأ إلى خيارات من بينها طرح مبادرة توافقية ملزمة على جميع الأطراف، تقضي بعقد الانتخابات تحت إشراف دولي.

دول الجوار: تاريخياً، لعبت دول الجوار الصومالي، خاصة إثيوبيا وكينيا، أدوراً أساسية في تحديد مصير العملية الانتخابية في الصومال. وقد نسج رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد منذ مجيئه إلى السلطة علاقات وديَّة مع النظامين الصومالي والإريتري. وفي هذا الإطار، لا تتردد إثيوبيا في إعلان دعمها المباشر للرئيس فرماجو. أما بالنسبة إلى كينيا، فإن علاقتها تمر بأزمة كبيرة مع الحكومة الحالية، على خلفية الخلاف البحري معها، الذي تسبب – إلى جانب عوامل أخرى – في إعلان مقديشو قطع علاقاتها الدبلوماسية مع نيروبي، خوفاً من تدخلها المحتمل في الانتخابات المقبلة.

تركيا: مع اقتراب الانتخابات المقبلة، تُبدي تركيا حماسة أقلّ إزاء ممارسة الضغط على حكومة مقديشو لإجراء الانتخابات في موعدها. وتعوّل تركيا على إيجاد مرشح مناسب للحفاظ على مصالحها في الصومال، ويعتقد كثيرون أن تركيا تدعم الرئيس السابق، حسن الشيخ محمود، كون فترته الرئاسية (2012-2016) شهدت توسعاً ملحوظاً في مصالح أنقرة في الصومال، حيث منح حسن الشيخ محمود، على سبيل المثال، عقود إدارة مطار آدم عدي الدولي في مقديشو للشركة التركية (فافوري) على حساب شركة مجموعة (SKA) الدولية. ومع هذا، فإن تركيا في هذه المرحلة تحاول الحفاظ على قدر من الحياد بين الفرقاء المحليين، من أجل ضمان استمرار مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في الصومال.

قطر: تأتي الدوحة في مقدمة الجهات العربية التي تتدخل مسار الانتخابات الصومالية منذ 2009، حين ساهمت في إيصال الزعيم السابق للمحاكم الإسلامية شيخ شريف شيخ أحمد إلى الحكم، لكنه سرعان ما اختلف مع التوجهات القطرية في الصومال. وموَّلت الدوحة حملة حسن شيخ محمود في عام 2012، ثم حملة الرئيس الحالي محمد عبدالله فرماجو عام 2016، ووصلت العلاقة بين الطرفين إلى ذروتها إبان الأزمة الخليجية (2017)، إذ أعلنت حكومة فرماجو حيادها في البداية، لكنها انحازت لاحقاً إلى دولة قطر، التي قدَّمت في المقابل أموالاً سخية لدعم بقاء نظام الرئيس الحالي.

خلاصة واستنتاجات

كما هو الحال في كل موعد انتخابي، تشتد المنافسة بين القوى الخارجية للتأثير بأشكال مختلفة في العملية السياسية الصومالية، ويهدف معظم تدخلات المجتمع الدولي، لا سيما القوى الغربية والأمم المتحدة، إلى ضمان سلامة سير العملية الانتخابية، في ظل إصرار الرئيس فرماجو على التمسُّك بالسلطة ومخالفة الاتفاقيات المبرمَة مع المعارضة والولايات الفيدرالية.

ومع أن المجتمع الدولي دأب على إصدار بيانات متكررة تحثُّ الحكومة الصومالية على احترام الموعد المقرر لإجراء الانتخابات، إلا أن ثمة ترجيحات بأن الانتخابات التشريعية والرئاسية قد لا تُجرى في موعدها المحدد، وإنْ حدث ذلك، ستدخل الصومال في أزمة سياسية حادة؛ لا سيما في ظل عدم توفر آلية محدّدة واتفاقيات سياسية بين الشركاء السياسيين على نظام انتخابي موحد، بالتوازي مع رفض المعارضة السياسية فكرة التمديد التي تسعى إليها السلطة الصومالية برئاسة فرماجو، الأمر الذي يهدد بانزلاق البلاد إلى هاوية الفراغ الدستوري والسياسي.

وعليه، يتعيَّن على المجتمع الدولي أن يطرح مبادرة شاملة لتفادي سيناريو عودة الصومال إلى المربع الأول، عبر إجراء الانتخابات بصورة توافقية، وتحت إشراف الأمم المتحدة.

الهوامش

[1] تضم هذه المجموعة الدولية كلاً من بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم)، وبلجيكا، والدنمارك، وإثيوبيا، والاتحاد الأوروبي، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، والهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد)، وإيرلندا، وإيطاليا، واليابان، وكينيا، والنرويج، والسويد، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة والأمم المتحدة.

[2] "Opposition candidates call for somalia election commission to be disbanded," Garowe Online, Nov 26, 2020. http://bit.ly/3901HIn

[3] يترأس الوكالة فهد ياسين، رئيس حملة الرئيس محمد عبدالله فرماجو السابق، والذي أخذ يلعب دوراً سياسياً مباشراً في البلاد، ما يشير إلى احتمالية قيام وكالة "نيسا" بالتدخل في الانتخابات المقبلة، في الوقت الذي تتهم المعارضة بعض أعضاء اللجنة الانتخابية بأنهم عملاء في الوكالة.

 

أحدث الإيجازات