جاء اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة، الذي يصفه الإعلام ومراكز الأبحاث والتفكير في إسرائيل والغرب بأنه "أب القنبلة النووية الايرانية"، في طهران أواخر نوفمبر 2020، ليفرض نفسه على مسار التطورات الإيرانية والإقليمية. فمنذ ذلك الحين، وجه كبار المسؤولين الإيرانيين و"الحرس الثوري الإيراني" تهديدات باعتزامهم الانتقام لمقتله، ولكن من الناحية العملية، وباستثناء قرارات البرلمان الإيراني برفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20% وتعليق أنشطة المفتشين الدوليين في المنشآت النووية، لم تقم إيران بأي إجراء انتقامي على الأرض حتى الآن بحسب خبراء.

مسؤولية إسرائيل المحتملة  

يُشكِّل اغتيال العالم النووي فخري زاده في قلب طهران فصلاً آخراً في سلسلة الضربات التي تلقتها إيران والمنسوبة لإسرائيل؛ فالمستوى السياسي أو العسكري في إسرائيل لم يعترف أبداً رسمياً بهذه العمليات، لكن تسريب تورُّط تل أبيب بالعملية للإعلام الاجنبي من خلال شخصية أمنية كبيرة، يُعتقد أنه رئيس الموساد الحالي يوسي كوهين، ربما سيزيد من حدة المواجهات الاستخبارية بين الإيرانيين والإسرائيليين وفي ساحات مختلفة، أقربها الساحة الإماراتية بحكم القرب الجغرافي، وكذلك سيبقي الهجمات السيبرانية مشتعلة من كلا الطرفين. 

واستراتيجياً، اعترف تقرير لمعهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب أعده رئيس المعهد، عاموس يادلين، والباحث عساف أوريون، ضمناً بمسؤولية إسرائيل عن اغتيال العالم الإيراني، فخري زادة، واعتبر التقرير أن الاغتيال حقق إحدى أهدافه الاستراتيجية وهو استهداف البرنامج النووي الإيراني، وأوضح أن ثمة هدفين آخرين للاغتيال هما وضْع مصاعب أمام عودة إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب، بايدن، إلى الاتفاق النووي، وهو ما ذكره صراحة يادلين في احدى تغريداته على تويتر، والتسبب بتصعيد ينتهي بهجوم أمريكي ضد المواقع النووية الإيرانية، لكن التقرير يؤكد أن "تحقيق هذين الهدفين متعلق جداً برد الفعل الإيراني، وفي جميع الحالات هما هدفان بعيدا الأمد، واحتمال تحققهما ضئيل".

واعتبر التقرير أن فخري زادة ينضم إلى مسؤولين -مثل سليماني والقائد العسكري لحزب الله، عماد مغنية– الذين من الصعب إيجاد بديل لهم رغم تعيين آخرين مكانهم، وأنه قد يكون لاغتيال فخري زادة مفعول رادع تجاه علماء آخرين في البرنامج النووي الإيراني.

حدود ردّ فعل طهران

يعتقد محللون إنه يجب عدم الاستخفاف بالنظام الإيراني، فهو يتمتع بذاكرة طويلة وشهوة كبيرة للانتقام، ومن غير المرجح أن يعود إلى جدول أعماله دون الانتقام لمقتل العالم فخري زاده، الذي كان شخصية رئيسة في المشروع النووي الإيراني، ذلك أن الكرامة الوطنية لإيران قد تضررت وتعرضت للإذلال، لذلك ستعمل طهران على استعادة كرامتها في أقرب فرصة تلوح لها. ويخشى مسؤولون أمنيون إسرائيليون وأمريكيون من انتقام إيراني عقب إحياء الذكرى الأولى لعملية اغتيال قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس، التي نفذتها الولايات المتحدة قرب مطار بغداد، في يناير من العام الماضي. وقد ردَّت إيران في ذلك الوقت بإطلاق وابل من الصواريخ على إحدى القواعد الأمريكية في العراق، التي لم تقتل أي جندي أمريكي، ومنذ ذلك الحين هددت طهران وفصائل في الحشد الشعبي بأن الانتقام آت.

وإحدى السيناريوهات المطروحة هو أن تقوم إيران بعمل انتقامي ضد أهداف أمريكية وإسرائيلية في وقت واحد لتُظهِر لأعوانها بالشرق الأوسط أن لديها ذاكرة طويلة وصبراً، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تسلما من ذراعها الطويلة آجلاً أم عاجلاً. وبحسب تقديرات أمنية إسرائيلية، فإن العمل الانتقامي الإيراني رداً على تصفية فخري زادة، سيُنفَّذ في الخارج من قبل عملاء إيرانيين، ومن الممكن أن يكون من خلال قاعدة البنية التحتية الإرهابية لحزب الله اللبناني، أو من سوريا والعراق واليمن على يد الميليشيات الموالية لإيران، ذلك أن لدى "حزب الله" اللبناني حساباً مفتوحاً مع إسرائيل على مقتل أحد نشطاء الحزب في قصف جوي إسرائيلي استهدف سوريا قبل نحو أربعة أشهر.

ويعتقد محللون أن الضرر الذي سيلحق بالأهداف الأمريكية والإسرائيلية التي سيختارها الايرانيون للانتقام لفخري زادة، سيكون دون "بصمات" ودون عدد كبير من الضحايا قد يدفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى عدم احتوائه أو تقبله من دون القيام برد فعل عنيف وقوي. وليس من المؤكد أن مثل هذا السيناريو سيتحقق، لكن مسؤولي الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية سيبقون في حالة تأهب قصوى لرصد وردع أي محاولة انتقامية إيرانية.

إمكانية تأخُّر الانتقام الإيراني

تشير بعض التقديرات إلى أن العمل الانتقامي الإيراني قد يتأخر، إذ يرى مسؤولون أمريكيون، مثل إليوت أبراهامز المبعوث الخاص إلى إيران، أن إيران لن تجرؤ على الرد عسكرياً على اغتيال فخري زادة قبل دخول الرئيس المنتخب جو بايدن البيت الأبيض، حتى لا تبدأ العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة بداية خاطئة، وذلك لعدة أسباب:

أولاً، الخوف من أن يكون هذا كميناً أمريكياً إسرائيلياً لجر إيران نحو مغامرة عسكرية، عندها يوعز الرئيس ترامب بقصف المنشآت النووية الإيرانية وينهي فترة ولايته في البيت الأبيض كبطل لقَّن الإيرانيين درساً، وهو ما لم يفعله أي رئيس قبله.

ثانياً، عدم امتلاك إيران القدرة الاستخباراتية والعملياتية على تنفيذ هجوم انتقامي في فترة زمنية قصيرة نسبياً.

ثالثاً، الخوف من رد عسكري قوي من جانب إسرائيل، إذ تخشى إيران من "خرق" قواعد اللعبة، ومن المحتمل أن تكون القيادة الإيرانية تخشى من قيام إسرائيل بمزيد من الاغتيالات ضد مستويات أعلى، نظراً لما يمتلكه الموساد الإسرائيلي من قدرات استخباراتية وعملياتية كبيرة.

رابعاً، وجود مخاوف إيرانية من التورط العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل في ظل وجود وباء كورونا والوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه طهران بسبب العقوبات الأمريكية.

خامساً، الرغبة في تجنب المواجهة بأي ثمن من أجل بدء العلاقات مع إدارة بايدن الديمقراطي الجديدة بداية صحيحة لإثبات أن إيران ترنو إلى السلام وتطمح إلى رفع العقوبات.

خلاصة

فَرَضَ اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة نفسه على الأحداث في المنطقة، مع تهديدات طهران بالانتقام لمقتله، في حين استبعد مسؤولون أميركيون أن تتجرأ طهران القيام برد عسكري قبل دخول بايدن البيت الأبيض. ورأى محللون إسرائيليون أن اغتيال فخري زادة حقق غاياته الاستراتيجية باستهداف البرنامج النووي الإيراني، وكان يهدف أيضاً إلى وضْع مصاعب أمام بايدن مع الاتفاق النووي، والتسبب بتصعيد ينتهي بهجوم أمريكي على مواقع نووية إيرانية، لكن مثل هذا الهجوم يبدو حالياً غير مُرجَّح في ظل اقتراب موعد خروج إدارة ترامب من البيت الأبيض.

أحدث الإيجازات