وسّعت إسرائيل مؤخراً ضرباتها للميليشيات الإيرانية في سوريا، وشملت هذه الضربات مناطق تمتد من جنوب سوريا إلى شرقها. والملاحظ أن الجولة الجديدة من الضربات الإسرائيلية اتسمت بملمحين بارزين، هما: ضربها قيادة الفرقة السابعة لقوات النظام السوري، وإعلانها بشكل صريح مسؤوليتها عن الضربات. ويؤشر ذلك على تحوّل خطير في سياق الحرب الإسرائيلية على الوجود الإيراني في سوريا، بالتزامن مع تغيُّر الإدارة الأمريكية، ومجيء إدارة ديمقراطية جديدة تعتقد الحكومة الإسرائيلية أنها ستفتح قنوات تفاوض مع إيران بشأن ملفها النووي، وقد تُقدِّم تنازلات بخصوص نشاطها الإقليمي الذي يَمُسّ الأمن الإسرائيلي مباشرةً.

تغيير قواعد اللعبة

تؤشر الضربات الإسرائيلية الأخيرة، وخاصة تلك الموجهة لقيادة الفرقة السابعة في جيش النظام السوري، إلى تطوّر جديد في حرب" الظل"، أو ما يطلق عليه" الحرب بين الحروب"، إذ رغم أن إسرائيل استهدفت مرات عديدة تشكيلات من جيش النظام، إلا أنها فعلت ذلك في الغالب ضد مواقع تجري فيها نشاطات للحرس الثوري الإيراني، كما أنها لم توجه ضد قيادات في الجيش السوري. وقد أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل ثلاثة ضباط كبار من الفرقة السابعة في الضربات الأخيرة.

ويؤكد هذا التطور عَزْم إسرائيل على التعامل بشكل مختلف مع التطورات في سوريا، بحيث يصبح النظام السوري في صلب أهداف إسرائيل في المرحلة المقبلة. وقد حذر وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس قوات النظام من التموضع الإيراني الذي وصفه بـ"الخطير" في سوريا، وحمَّل النظام السوري المسؤولية عن كل ما يجري في أراضيه، ومن أراضيه.

ويقود هذا التطور إلى التساؤل عن المدى الذي من الممكن أن تذهب إليه الضربات الإسرائيلية، وهل هو إنذار للنظام السوري بسقوط الحصانة عن مراكزه ومؤسساته العسكرية، مثل قيادة الأركان ومقرات الأجهزة الأمنية، إذا توفرت الشكوك باستخدام الحرس الثوري الإيراني هذه المراكز كمقرات للتخطيط لضرب إسرائيل، وهل يحدث ذلك بالتفاهم مع روسيا، وخاصة وأن مستشاريها يوجدون في أغلب المراكز والمؤسسات الحسّاسة التابعة للنظام السوري؟

الدوافع الإسرائيلية

1. انتهاز الفرصة: يقف خلف تكثيف الضربات الإسرائيلية ورفع درجة المخاطر على الجبهة السورية، تقدير إسرائيلي بوجود فرصة لإحداث تحوّل مهم، نتيجة دعم أمريكي، وخاصة في الأيام المتبقية من رئاسة ترامب، ربما يصل إلى حد شن الحرب ضد إيران. وحسب صحيفة "معاريف"، فإن الجيش الإسرائيلي يعتقد، أن إيران لا تزال بعيدة عن الهدف الذي حددته لنفسها في سوريا، سواء من حيث التموضع العسكري أو حتى المدني على حدٍّ سواء. وبالتالي، فإن تكثيف الضربات الإسرائيلية من شأنه تعطيل المشروع الإيراني في الجولان، وربما إلغاؤه نهائياً، لذا من المتوقع تصعيد الغارات الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.

2. توجيه رسالة للرئيس الأمريكي الجديد: لم يُخفِ العديد من الأوساط الإسرائيلية، السياسية والإعلامية، خشيتها من معاودة إدارة جو بايدن التفاوض مع إيران حول الملف النووي، وقد تكون جائزة إيران في هذه المفاوضات، غَضُّ النظر عن نشاطات الحرس الثوري في المنطقة، وفي سوريا على وجه الخصوص، الأمر الذي يعني وضع إسرائيل في دائرة المخاطر عبر تطويقها من أكثر من جبهة، وهو وضعٌ إستراتيجي مقلق لإسرائيل ويصعب عليها التعايش معه.

وبناءً على هذا، يأتي تكثيف الضربات الإسرائيلية في سياق إفهام إدارة بايدن أن أيّ تهاون في الموضوع الأمني لن تسكت عنه إسرائيل، وأنها لن تسمح بتمرير الاتفاق مع إيران على حساب مصالحها الأمنية. وتُثبِت الضربات الإسرائيلية لمواقع إيرانية في البوكمال، أقصى شرق سوريا، أن إسرائيل مُستعدة للذهاب بعيداً لحماية أمنها وخلط أوراق المنطقة دون أي اعتبار للترتيبات الأمريكية في هذا المجال.

استراتيجية إيران

1. تكثيف وجودها في سوريا: إذ تؤشر كثافة الضربات الإسرائيلية، إلى رصد تحركات إيرانية مكثفة على الجبهة السورية في هذه المرحلة، وقد تحدثت جهات سورية عن حضور إيراني بارز في محافظات جنوب سوريا (درعا والقنيطرة) في الآونة الأخيرة، وخاصة عناصر "حزب الله" بعد أن جرى سحبهم من مناطق شمال وشرق سوريا، وتسليم مواقعهم للميليشيات الأفغانية والباكستانية.

وتحاول إيران توجيه رسالة للإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن فحواها أنّها مُصرَّة على البقاء في سوريا، وهي غير مُستعدة لمناقشة مستقبل مثل هذا الوجود المرتبط بميليشياتها المنتشرة في كلّ الأراضي السورية.

2. التسلل للمواقع المُتقدِّمة في الجبهة؛ فرغم كثافة الضربات الإسرائيلية، إلا أن هذه الاستراتيجية لم تجعل إيران تتراجع عن إصرارها على التمدّد في سوريا، وفي الجنوب السوري بالتحديد، وقد اتبعت إيران استراتيجية تقوم على التخفي في مواقع جيش النظام السوري والتسلل إلى مواقع متقدمة في الجبهة السورية.

ويُلخِّص إيهود يعاري، محلل الشؤون الشرق أوسطية، والوثيق الصلة بأجهزة الأمن الإسرائيلية، في مقالة نشرها على موقع القناة 2 الإسرائيلية، استراتيجية إيران، بالقول: "غَيَّرَ الإيرانيون أسلوب عملهم في مرتفعات الجولان، وباتوا يتصرفون بشكل أكثر سرية بمساعدة وحدة خاصة من حزب الله". وأوضح أنه "بحسب التقديرات الإسرائيلية، فإذا استمرت العملية الحالية، سيصل الإيرانيون في غضون عامين أو ثلاثة أعوام لموقع قوة في المحافظات الجنوبية لسوريا: القنيطرة ودرعا والسويداء". وأكد أنه "بدلاً من نشر مليشيات إيران والحرس الثوري، فهم يتسللون لقرى المنطقة، بعشرات الجماعات المسلحة المحلية، وفي بعض فرق الجيش السوري"، مستغلين الفوضى الشاملة التي تسود جنوب سوريا.

3. تمرير مرحلة انتقال السلطة في واشنطن: تعتقد إيران أن تكثيف الضربات الإسرائيلية يهدف بدرجة أساسية لدفعها إلى التورط في الرد وبالتالي دخول صراع مباشر مع إسرائيل، لذا ترفض الإقرار بالغارات الإسرائيلية على مواقعها في سوريا، كما ترفض سقوط ضحايا لها نتيجة هذه الغارات، وتؤكد أن وجودها يقتصر على بعض المستشارين وليس لديها قوات عاملة على الأرض، وبالتالي فإن ادعاءات إسرائيل بقتل عناصر تابعين لإيران مجرد دعاية إعلامية.

وفي هذا السياق، تسعى إيران إلى امتصاص غضب الرئيس ترامب، وعدم إعطائه المبررات لتوجيه ضربة لإيران وقواتها في المنطقة في الفترة الأخيرة لولايته. وفي هذا الصدد نقلت وكالة أسوشيتد برس، عن مسؤولين عراقيين، قولهم إن إيران وجَّهت رسالة مشددة إلى الميليشيات في العراق ولبنان على وجه الخصوص بأن تكون في حالة تأهب قصوى، وتجنُّب إثارة التوترات مع الولايات المتحدة التي قد تمنح إدارة ترامب سبباً لشن هجمات عليها في أسابيعها الأخيرة. وأكدت مصادر عراقية أن قائد الحرس الثوري إسماعيل قآاني، زار سوريا ولبنان مؤخراً، والتقى بشار الأسد وحسن نصر الله، ناقلاً توصيات من القيادة الإيرانية بضرورة تهدئة الجبهات إلى حين ذهاب ترامب.

خلاصة

تسعى إسرائيل إلى استثمار المرحلة المتبقية من إدارة ترامب لإحداث تحوّل ضد الوجود الإيراني في سوريا، وتحديداً في منطقة الجنوب، واستباقاً لأي خطوة تفاوضية متوقعة بين إدارة بايدن وإيران، لذا من المتوقع أن تتكثف الضربات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية في سوريا في المدة الزمنية المتبقية من إدارة ترامب، وأن ترفع مستوى المخاطر عبر ضربها لأهداف حسّاسة تشمل قوات النظام السوري.

ومن المرجح ألا ترد إيران على الضربات الإسرائيلية، وأن تحاول تمرير هذه المرحلة بأقل قدر من الخسائر، مع استمرار جهودها لتكثيف وجودها في سوريا، وفي المناطق القريبة من إسرائيل، بالتوازي مع ظهور رؤى إسرائيلية جديدة لحل معضلة إسرائيل في جنوب سوريا، تقوم على تغيير طريقة العمل الحالية، أي الاقتصار على الضربات الجوية لتحقيق الهدف، والالتفات لطرق أخرى، من ضمنها تقديم الدعم لفصائل المعارضة السورية في الجنوب.

أحدث الإيجازات