قبل بدء مؤتمر مدريد للسلام 1991 استطاعت الدول العربية قطع الطريق على تطوير العلاقات الدبلوماسية والسياسية، والاقتصادية أيضاً، بين العديد من دول العالم، خاصةً القوى الآسيوية المهمة مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية، وإسرائيل، استناداً إلى فرضية محددة أنه سيكون من الصعب حفاظ هذه القوى على علاقات جيدة مع الدول العربية إذا أقدمت على خطوة تطوير علاقاتها مع إسرائيل. وبعبارة أخرى، نجحت الدول العربية في وضع علاقات هذه القوى مع العرب وإسرائيل في صيغة "المباراة الصفرية"، بمعنى أنه على هذه الدول الاختيار بين إسرائيل أو الدول العربية، وأن تطوير علاقاتها بإسرائيل سيستتبعه مباشرةً خسارة علاقاتها مع الدول العربية.

وساهمت عوامل عديدة في نجاح الدول العربية في ضمان عمل هذه الصيغة أو المعادلة، أبرزها مرحلة الحرب الباردة آنذاك، وانحياز الكثير من دول العالم إلى المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، مثل الهند، ما أدى إلى عدم وجود علاقات قوية مع الولايات المتحدة أو أي من حلفائها (بمن فيهم إسرائيل). ومن ذلك أيضاً، عدم وجود أساس قوي لعلاقات اقتصادية وفنية بين العديد من الدول وإسرائيل، بمعنى أنه لم تكن هناك فرصة لمكاسب مشتركة كبيرة بين الجانبين. لكن مع تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، تبع ذلك مراجعة العديد من دول العالم لجدوى هذه "المعادلة" العربية، وجدوى ربط العلاقات مع العالم العربي بالعلاقات مع إسرائيل، لا سيما مع حاجة العديد من هذه الدول إلى التحول غرباً، واستخدام تطوير علاقاتها مع إسرائيل كمدخل لتطوير علاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، فإن عديداً من الدول التي حافظت على علاقات محدودة مع إسرائيل قد وصلت إلى مستوى من التقدم الاقتصادي والتكنولوجي، مما ساهم في وجود أسس قوية لبناء علاقات اقتصادية وفنية مع إسرائيل تنطوي على مكاسب مشتركة للطرفين.

هذه التغيُّرات أدت إلى تراجع قدرة العالم العربي على فرض معادلته التقليدية التي نجح في فرضها على العديد من الدول الصديقة خلال فترة الحرب الباردة. كما أدت من ناحية أخرى إلى تسارع وتيرة تطور العلاقات الإسرائيلية مع كثير من هذه الدول في المجالات الاقتصادية والفنية، خاصة في قطاعات الزراعة والطب والتكنولوجيا والاتصالات. وساعد على ذلك أن معظم هذه الدول "الصديقة" تحولت إلى فئة الاقتصادات الكبيرة أو الناشئة، ما أوجد فرص كبيرة لبناء علاقات مشتركة في مختلف القطاعات الاقتصادية تقوم على المكاسب المشتركة للطرفين. وفي المقابل، تراجعت قدرة العالم العربي على محاصرة إسرائيل أو تحجيم علاقاتها مع العالم الخارجي. كما أصبحت علاقات العديد من "الدول الصديقة" قديماً مع إسرائيل في قطاعات مثل الزراعة والتكنولوجيا والاتصالات والطب، أقوى بكثير من مثيلاتها مع "الأصدقاء العرب".

وتتأكد هذه الاستنتاجات إذا راجعنا حجم علاقات كل من الصين والهند وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، مع إسرائيل في المجالات السابقة بالمقارنة مع مثيلاتها بين هذه الدول والعالم العربي، أو بينها وبين إسرائيل، وهذا يعني أنه قد أصبح لدى إسرائيل في هذه المجالات ما يمكن أن تقدمه لهذه الاقتصادات بشكل يفوق بكثير ما يمكن أن يقدمه العالم العربي لأي من هذه الاقتصادات.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن معاهدة السلام المعلنة في 13 أغسطس الجاري (2020) بين دولة الإمارات وإسرائيل يمكن أن تؤسس لعلاقات قوية بين الجانبين في مجالات نوعية مثل الاقتصاد والتجارة، والطب والصحة، والتكنولوجيا بشكل عام، وتكنولوجيا الاتصالات بشكل خاص، فضلاً عن التعاون في مجال الموانئ البحرية. ويساعد في ذلك عدد من العوامل:

  • أن دولة الإمارات ليست طرفاً مباشراً في الصراع العربي-الإسرائيلي، رغم دعمها القوي وغير المشروط للحقوق الفلسطينية. وغياب الحدود المباشرة بين الجانبين يُقلِّل من درجة الحساسية في تطوير علاقاتهما في هذه المجالات.
  • طبيعة دولة الإمارات بوصفها دولة "كوزموبوليتانية" (دولة تقوم على احترام التنوع والتعدد الثقافي والديني، والقدرة على استيعاب هذا التنوع والاستفادة منه). فهذه الطبيعة "الكوزموبوليتانية" النادرة في المنطقة توفر أساساً للانفتاح من ناحية، وتراجع فرص مقاومة التعاون القطاعي بين الإمارات وإسرائيل، من ناحية أخرى.
  • غياب التنظيمات الدينية المتطرفة والعنيفة داخل دولة الإمارات، وهو عامل إضافي مهم يساهم في تسهيل التعاون القطاعي بين دولة الإمارات وإسرائيل. فقد ساهم وجود هذه التنظيمات في العديد من الدول العربية الأخرى في قطع الطريق على هذا التعاون طوال العقود السابقة، بسبب نجاح هذه التنظيمات في تديين الصراع العربي-الإسرائيلي.
  • صعود قائمة التهديدات غير التقليدية، الأمر الذي يخلق فرص واسعة للتعاون بين الجانبين. وتمثل جائحة "كوفيد-19" نموذجاً مهماً في هذا المجال، بالإضافة إلى تحديات أخرى مثل التغيُّر المناخي. ويساعد على ذلك أيضاً الخبرة الإسرائيلية المهمة في عدد من هذه المجالات.  

وبالإضافة إلى فرص التعاون الثنائي، هناك فرص مهمة للتعاون الثلاثي أو الجماعي بين الإمارات وإسرائيل وأطراف أخرى من خارج العالم العربي، مثل الصين والهند وغيرهما. وتزداد فرص هذا التعاون على خلفية العلاقات القوية لدولة الإمارات مع هذه الدول في المجالات الاقتصادية والفنية، خاصة مجال الطاقة والطاقة المتجددة، حيث يمكن هنا مد التعاون الثنائي ليغطي قائمة واسعة من المجالات، من خلال آلية "المشروعات المشتركة"، سواء على مستوى الاستمارات أو الأنشطة البحثية.

لكن مع أهمية التحولات السابقة، سواء فيما يتعلق بضوابط التعاون العربي-الإسرائيلي بشكل عام، أو فيما يتعلق بفرص هذا التعاون، فقد تظهر على هذا المسار بعض التعقيدات المتوقعة، منها التوجه الأمريكي القائم على ضمان تفوق إسرائيل، تقنياً وتسليحياً، وجزءٌ مهمٌ من التكنولوجيات التي تستخدمها إسرائيل أمريكية المنشأ. كذلك، ورغم وجاهة العوامل والتحولات التي سبق تناولها، والتي تقف وراء منطق الانفتاح على إسرائيل في هذه المرحلة، سيظل أمام العالم العربي معضلة مهمة وهي: كيف يمكن توظيف هذا التطور المحتمل في العلاقات الاقتصادية والفنية مع إسرائيل لخدمة حل الدولتين؟ فإن كانت اللحظة الراهنة في موازين القوى والسياسات الدولية تفرض حالة من الانفتاح على إسرائيل وتخفيف القيود المفروضة على العلاقات العربية-الإسرائيلية، فإن ذلك لا يعني انتهاء مشروع إقامة الدولة الفلسطينية، ومن ثمَّ يصبح الأمر تغيُّراً في الأدوات والسياق أكثر منه تغيُّراً في المبادئ أو تنازلاً عن الأهداف الأساسية.

أحدث الإيجازات