وصلت مصرُ إلى منتصف طريق تنفيذ إجراءات برنامج الإصلاح الاقتصادي، طبقاً للاتفاق المبرم مع صندوق النقد الدولي، حيث ينتهي البرنامج في نهاية عام 2019، ومن المقرر أن تزور بعثةُ الصندوق مصرَ خلال مايو 2018 لمراجعة البرنامج، تمهيداً لحصول مصر على الشريحة الرابعة من قرض الصندوق بقيمة مليارَي دولار في يونيو 2018.

ومع بداية الفترة الرئاسية الثانية للرئيس عبد الفتاح السيسي، فإن مستقبل الاقتصاد المصري والإجراءات التي من المحتمل اتخاذها خلال الفترة المقبلة، يرتبطان بما تحقق خلال الفترة الماضية، فعلى الرغم من حدوث تحسن في بعض المؤشرات المتعلقة بالاقتصاد المصري، وخاصةً فيما يتعلق بتطوير هيكل عملية الاستثمار، فإن هناك العديد من المؤشرات التي تشير إلى استمرار تداعيات بعض التحديات، والتي تتجلى في استمرار عجز الموازنة، وارتفاع الدَّين العام.

الاقتصاد المصري في المؤشرات الاقتصادية الدولية

وضعت شركةُ "راند ميرشانت بانك هولدنجز" (RMB)  في تصنيفها السنوي لأكبر الوجهات الاستثمارية في أفريقيا، مصرَ كأكبر وجه استثماري لأفريقيا لعام 2018، متجاوزةً جنوب أفريقيا لأول مرة منذ سبع سنوات.[1] إلا أنه ورغم جهود الإصلاح الاقتصادي، فقد احتلت مصر المرتبة رقم 100 في مؤشر التنافسية العالمي، ولم تستطع أن تأتي في المراكز العشرة الأولى على المستوى العربي، ويرصد هذا المؤشر بعض المعوقات؛ ومنها التضخم، واستمرار مشكلة الفساد والبيروقراطية الحكومية.[2]

في الوقت نفسه، تراجع ترتيب مصر في مؤشر مدركات الفساد 2017 (صدر في فبراير 2018)، حيث احتلت المرتبة رقم 117 بعد أن كانت في المرتبة رقم 108 عام 2016[3]، فيما احتلت المركز رقم 128 في مؤشر ممارسة الأعمال عام 2018، وهو ما يعد تراجعاً بعد أن احتلت المركز رقم 122 عام 2017،[4] كما احتلت المرتبة رقم 111 في مؤشر التنمية البشرية لعام 2017، وهو ما مثّل تراجعاً عن ترتيبها السابق في عام 2016 (المرتبة 108). [5]

الفرص والتحديات

على صعيد الفرص، فقد ارتفع معدل النمو الاقتصادي إلى 5.3% في الربع الثاني من العام المالي الحالي 2017/2018، فيما أكد البنك الدولي أن حجم التحويلات إلى مصر ارتفع ليصل إلى 20 مليار دولار، ومن المتوقع أن يستمر في الارتفاع النسبي نتيجة للتوقعات بزيادة استقرار سعر صرف الدولار في مصر. كما تراجع العجز التجاري بنسبة 8.4% في العام المالي 2016/2017، مع ارتفاع الصادرات غير النفطية بنسبة 16.2%، إلى جانب انخفاض الواردات غير النفطية بنسبة 4.5%.

ومن ناحية أخرى ارتفع احتياطي النقد الأجنبي إلى 42.5 مليار دولار في نهاية فبراير 2018، كما انخفض عجز الموازنة ليسجل 1.7% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي خلال يوليو-أغسطس من العام المالي 2017/2018. وقد شهد الاستثمار الأجنبي المباشر زيادة في التدفقات نحو الداخل بنحو 38% خلال يوليو-ديسمبر من العام المالي 2016/2017، وكذلك ارتفع عدد السياح في مصر إلى نحو 78 ألف سائح شهرياً في الأشهر الأربعة الأولى من العام المالي 2017/2018، مقارنة بنحو 55 ألف سائح شهرياً في الفترة نفسها من العام المالي 2016/2017.

أما فيما يتعلق بالتحديات فقد ارتفع الدَّين العام لمصر (حجم الدين الداخلي والخارجي معاً) من 1.8 تريليون جنيه مصري إلى 3.2 تريليون جنيه، بينما زاد الدَّين الخارجي بنسبة 41% خلال عام 2017، إذ ارتفع من 45 مليار دولار في يونيو 2014 إلى 80 مليار دولار في يونيو 2017، بالإضافة إلى 4 مليارات دولار في شكل سندات دولارية تم الحصول عليها في بداية عام 2018. ويظل حجم الدَّين الخارجي لمصر في الحدود التي تُعتبر آمنة نسبياً وفقاً للمعايير الدولية؛ إذ لا تزيد نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي عن 36%.

ومن ناحية أخرى لم ينعكس التحسن الذي تم في بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية على مستوى معيشة المواطنين، حيث تأثر غالبيتهم بشكل كبير من جراء رفع الدعم الموجَّه إلى بعض منتجات الوقود والكهرباء، وكذا رفع سعر بعض المنتجات الدوائية. كما أن تحرير سعر صرف الجنيه المصري أثّر بشكل كبير في انخفاض القوة الشرائية للمواطن المصري، إذ خفّض من قيمة ما يحصل عليه من نقود بمقدار النصف تقريباً، وهو ما أسهم في تراجع ترتيب مصر في مؤشر جودة الحياة،[6] فبعد أن كانت تحتل المرتبة الـخمسين عام 2016 أصبحت تحتل المرتبة التاسعة والخمسين عام 2018.

وعلى الرغم من تلك التحديات فقد توقع صندوق النقد الدولي انخفاض معدل التضخم إلى نحو 12%‏ بحلول يونيو 2018، وإلى أقل من 10% عام 2019، وذلك بعد أن كان قد وصل إلى 35%‏ في يوليو 2017 نتيجة لتحرير سعر صرف الجنيه، وزيادة أسعار الطاقة، وفرض ضريبة القيمة المضافة. كما توقعت مؤسسة "برايس وترهاوس كوبرز" البريطانية أن يحتل الاقتصاد المصري المرتبة الخامسة عشرة عالمياً ضمن قائمة أكبر عشرين اقتصاداً بحلول عام 2050، مدعوماً بالإصلاحات المالية والهيكلية، وسوق العمل النشط والقوى العاملة الشابة،

وأكدت وكالة بلومبيرج[7] توافر بعض العوامل التي قد تساعد في تحسن الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة؛ أولها الانخفاض التدريجي للتضخم حتى يصل إلى معدلات تقع ضمن نطاق هدف البنك المركزي الذي يتراوح بين 10 و16%، ومن ثم يستطيع البنك المركزي أن يخفف بعض قيوده على السيولة النقدية من خلال خفض معدلات الفائدة. وثاني تلك العوامل حدوث تحسن نسبي في السياحة؛ أما ثالثها فتزايد الإيرادات نتيجة لبدء الإنتاج في "حقل ظهر" للغاز، حيث يصل حجم الإنتاج فيه إلى 1.7 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول يونيو 2018، قبل أن يرتفع إلى 2.7 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول نهاية عام 2019.

السيناريوهات المحتملة

وفقاً لما تم عرضه، فإن من المحتمل أن يسير الأداء في القطاع الاقتصادي المصري وفقاً لأحد السيناريوهات الآتية:

السيناريو الأول: استمرار التحسن التدريجي في المؤشرات الاقتصادية بفضل سياسات الإصلاح الاقتصادي، حيث يقود التحسن في مؤشرات النمو، وتراجع معدلات البطالة، وتحسن مؤشرات الاستثمار، إلى نجاح هذا السيناريو، إلا أن ارتفاع الدَّين العام يظل هو القيد الذي يمكن أن يُعطّل أي تحسن قد ينتج عن برنامج الإصلاح الاقتصادي. وهذا السيناريو هو الراجح.

السيناريو الثاني: تمديد برنامج الإصلاح الاقتصادي نتيجة لاستمرار الخلل في بعض القطاعات الهيكلية في الاقتصاد؛ إذ يمكن أن يتم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على تمديد البرنامج لمدة إضافية تصل إلى 18 شهراً، وذلك بفرض مجموعة أخرى من الإجراءات من أجل ضبط الخلل في الوضع الاقتصادي.

السيناريو الثالث: تزايُد التداعيات السلبية لبرنامج صندوق النقد الدولي، وبروز ضغوط اجتماعية ناتجة عن تنفيذ إجراءات الصندوق، وكذا الضغوط الناجمة عن زيادة الدَّين العام، وهو ما قد يدفع الحكومة إلى مزيد من الإجراءات الخطرة كالاستدانة أو بيع الأصول.

أخيراً، من المرجح أن يستمر التحسن في مؤشرات الاقتصاد المصري على المديين القصير والمتوسط، ويرتبط ذلك بمدى قدرة الحكومة المصرية على مواجهة التحديات المرتبطة بارتفاع الدَّين العام من خلال تحسين إدارته، وخاصةً الدين الخارجي، ومواجهة الضغوط الناجمة عن إجراءات برنامج الإصلاح الاقتصادي وانعكاساتها على تراجع الأحوال المعيشية للمواطنين، من خلال تحسين منظومة الضمان الاجتماعي، وتطوير شبكة الحماية الاجتماعية. ومن المرجح أيضاً أن تستهدف الحكومة المصرية رفع معدل النمو الاقتصادي، وتخفيض معدل التضخم بما يجعل معدل النمو أعلى من معدل التضخم؛ حتى يلمس المواطن التحسن الاقتصادي من خلال تحسين القوة الشرائية الخاصة به.

 

[1] “Egypt Is Officially Africa's No .1 Investment Destination,” available at: http://www.startupsceneme.com/INVESTMENTS/Egypt-is-Officially-Africa-s-No-1-Investment-Destination, access on: 24-4-2018.

[2] The Global Competitiveness Report 2017–2018, available at: https://www.weforum.org/reports/the-global-competitiveness-report-2017-2018, access on: 24-4-2018.

[3] Corruption Perceptions Index 2017, available at: https://www.transparency.org/news/feature/corruption_perceptions_index_2017, access on: 24-4-2018.

[4]  Doing Business Report 2018, available at: http://www.doingbusiness.org/data/exploreeconomies/egypt, access on: 24-4-2018.

[5]  Human Development Indicators, available at: http://hdr.undp.org/en/countries/profiles/EGY, access on: 24-4-2018.

[6]    Quality of Life Index for Country 2018, available at:

https://www.numbeo.com/quality-of-life/rankings_by_country.jsp?title=2018&displayColumn=0 , access on: 26-4-2016.

[7] “Four tailwinds for economic growth in 2018,” available at: https://www.bloomberg.com/professional/blog/egypt-insight-four-tailwinds-economic-growth-2018/, access on: 24-4-2018.

 

أحدث الإيجازات