التطورات الاقتصادية في تركيا على مشارِف 2021

مركز الإمارات للسياسات | 19 يناير 2021

بسبب القرارات والتعيينات الجديدة التي تم اتخاذها في شهر نوفمبر الماضي (2020) بشأن البنك المركزي ووزير المالية الجديد، شهدت الأسواق التركية زوالاً لحالة التوتر التي كانت تعيشها سابقاً، وتعزز سعر الليرة التركية أمام الدولار خلال شهر ديسمبر الفائت. وقد ساعد في ذلك أيضاً تجاوز الأسواق التركية الحالة النفسية التي ولدتها العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والتي جاءت أخف بكثير من المتوقع، لكن يبقى هناك قضية بنك الخلق التركي المتهم بالتحايل على العقوبات الأمريكية على إيران، والتي سيبدأ النظر فيها من جديد في نيويورك في مارس المقبل.

وفي شهر ديسمبر 2020 تم إقرار موازنة العام 2021 التي تحمل عجزاً مالياً قياسياً وصعوبات في الاستدانة لتغطية هذا العجز، بالإضافة إلى رفع كبير في الضرائب والجباية. وفي المقابل، عادت بعض الاستثمارات الأجنبية للدخول إلى السوق التركي، وخصوصاً من الصين وشرق آسيا.

قرارات البنك المركزي التركي

عادت الثقة تدريجياً في قرارات البنك المركزي وسياسات تركيا المالية من خلال استمرار البنك المركزي خلال شهر ديسمبر الماضي على نفس إيقاع العمل الذي بدأ به محافظ البنك المركزي الجديد في شهر نوفمبر 2020 من خلال إلقاء خطوات صحيحة وعملية ومنسجمة مع متطلبات السوق المالي، ففي الاجتماع الشهري للبنك المركزي الذي عقد في أواخر ديسمبر 2020 عاد البنك لرفع سعر الفائدة، ورفعها بقيمة 200 درجة لتصل حالياً إلى 17%، كما وحّد أسعار الفائدة في عموم تركيا بما في ذلك الفائدة على عمليات التبادل المالي SWAP الداخلية، مما أشاع جواً من الاستقرار والهدوء. وجدد محافظ البنك المركزي القول بأن الهدف الأساسي حالياً للبنك هو محاولة خفض معدل الفائدة، ما أثار ارتياحاً في الأسواق وعزز من سعر الليرة التي بدأت بالانخفاض حتى وصل سعر الدولار إلى 7.35 ليرة فقط في نهاية الشهر نفسه. وعليه، فإن الليرة التركية باتت محصنة من التقلبات الكبيرة في سعرها، طالما لم يحدث هناك تطور قوي صادم في السياسة الخارجية.

لكن رغم تصحيح عمل البنك المركزي وانتهاجه سياسات تصحيحية حالياً، فإن تراجُع سعر الليرة المستمر في تركيا منذ عام 2011 وسياسات وزير المالية السابق البيرق البعيدة تماماً عن الشفافية، خلقت في تركيا أزمة عملة صعبة يصعب حلها حتى الآن، ومن غير المتوقع في الظروف الحالية أن تستطيع الحكومة التركية توسيع سياساتها النقدية أو تقديم حزم تحفيز جديدة في ظل أرقام موازنة عام 2021. ومن الصعب حل أزمة الدولار في تركيا من خلال سياسات البنك المركزي الجديد التي ترفع سعر الفائدة بمفردها، إذ إن الاضطرابات في السياسة الخارجية بسبب صواريخ إس400 الروسية، والمشاكل الحالية في العلاقات بين أنقرة وكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تلعب دوراً رئيساً في هذا الإطار.

موازنة عام 2021

أقر البرلمان التركي مؤخراً (بأغلبية أصوات الائتلاف الحاكم فقط) موازنة عام 2021، بواقع يتوقع حصول نفقات تصل إلى ترليون و346 مليار ليرة تركية (180 مليار دولار)، وإيرادات تصل إلى ترليون و202 مليار ليرة (147 مليار دولار)، مما يجعل العجز المتوقع في الموازنة يبلغ نحو 245 مليار ليرة (نحو 33 مليار دولار). وتعتمد إيرادات الموازنة على الضرائب غير المباشرة بقيمة 479 مليار ليرة، وضرائب الدخل وأرباح الشركات بقيمة 310 مليار ليرة، وهي أرقام عالية وفيها شيء من المبالغة وتعني زيادة الضرائب بشكل كبير خلال العام المقبل.

وفي نفقات الموازنة يحتل قطاع التعليم الجزء الأكبر، إذ خصص له 213 مليار ليرة، فيما تم تخصيص 104 مليار ليرة فقط لمشاريع البنية التحتية، وتم تخصيص 180 مليار ليرة لسداد فوائد ديون الحكومة وميزانية العام الماضي، فيما بلغت ميزانية وزارة الدفاع نحو 87 مليار ليرة. وقد تم اعتماد سعر صرف للدولار عند 7.5 ليرة في هذه الموازنة. وتواجه هذه الموازنة عدة صعوبات في تحقيقها، إذ إن الانكماش الاقتصادي الحاصل سيستمر مع ارتفاع أسعار الفائدة وعدم قدرة الحكومة على تقديم المزيد من حزم التحفيز، وهذا بدوره سيضعف أرقام تحصل الضرائب خلال العام 2021، خصوصاً مع توقع استمرار جائحة كورونا حتى منتصف العام الجاري 2021 بقوة. وتجدر الإشارة إلى أن 58% من ديون الحكومة الواجب سدادها خلال العام الجاري هي بالدولار، وهذا ما يزيد من صعوبة الموقف في حال عاد سعر الليرة إلى التذبذب أو الارتفاع من جديد.

السوق المالية

برغم خطوات البنك المركزي التركي الإيجابية، إلا أن الحكومة اضطرت لدفع فائدة قيمتها 14.7 على السندات التي أصدرتها بالعملة المحلية بواقع سنتين للاسترداد، ونسبة 12.8% على سندات الاستدانة لعشر سنوات. ومازال إقبال المستثمرين الأجانب على شراء هذه السندات ضعيفاً، ويقتصر فقط على شراء السندات الأسبوعية والشهرية قصيرة الأمد فقط. كما تراجع في شهر ديسمبر الفائت رقم التأمين على ديون تركيا الخارجية يوروبوند من 380 نقطة إلى 320 نقطة بسبب سياسات البنك المركزي الجديدة، لكن بالمقارنة مع الدول التي اقتصادها يشبه الاقتصاد التركي، فإننا نجد أن معدل التأمين عندها لا يتجاوز 150 نقطة فقط، وهو ما يعني أن تركيا ستبقى مضطرة للاستدانة بأسعار فائدة أعلى من الخارج عن أي دولة أخرى.

وأيضاً ارتفع مؤشر بورصة إسطنبول من 1284 نقطة بداية شهر ديسمبر 2020 إلى 1426 نقطة نهاية الشهر ذاته، مع التفاؤل بتصحيح السياسات الاقتصادية لتركيا، وكانت أسهم البنوك مجدداً هي الرائد في دفع هذا الصعود بسبب أرباحها الناتجة عن رفع سعر الفائدة وزيادة الاقتراض مؤخراً في تركيا.

وارتفع سعر العقارات في تركيا خلال ديسمبر المنصرم بنسبة تقارب 2% مما يجعلها ارتفعت بنسبة 30% خلال هذا العام، فيما استمر تراجع عدد العقارات المباعة إلى 112 ألف عقار 32% فقط جديدة، وذلك بفعل عودة أسعار الفائدة للارتفاع مجدداً خلال الشهرين السابقين.

ميزان التجارة الداخلية والخارجية

بلغت صادرات تركيا في شهر أكتوبر 2020، 17.3 مليار دولار، فيما بلغت الواردات خلال نفس الشهر 19.7 مليار دولار، وبلغ العجز في التجارة الخارجية خلال الأشهر العشر الأولى لعام 2020 نحو 40 مليار دولار، ومن المتوقع استمرار عجز التجارة الخارجية خلال الأشهر المقبلة مع استمرار جائحة كورونا في أوروبا السوق الأهم والأكبر للصادرات التركية.

وبسبب قرارات البنك المركزي السابقة خلال الأشهر العشر الأولى من 2020 - قبل التصحيح الأخير- تراجعت احتياطيات تركيا من النقد الأجنبي والذهب بما قيمته 38.5 مليار دولار، وسعى البنك المركزي خلال هذه الأشهر إلى تعويض هذا النقص من خلال عقد صفقات تبادل SWAP مع البنوك المحلية وقطر. لكن يبقى العجز الحقيقي في احتياطات البنك المركزي من النقد الأجنبي حتى الآن عند ناقص 50 مليار دولار، فيما على تركيا أن تدفع 180 مليار دولار ديوناً خارجية خلال عام 2021.

كما بلغ العجز في ميزانية الحكومة محلياً خلال الأشهر الـ 11 السابقة 130 مليار ليرة، وما يزال النقد الأجنبي يشكل 58% من ديون الحكومة حتى الآن، وهو مستوى لم تشهده تركيا منذ عام 2003.

وفي 29 ديسمبر الفائت وقعت وزارة التجارة التركية اتفاقية للتجارة الحرة مع بريطانيا دخلت العمل في 1 يناير الجاري، أي عند خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهي اتفاقية لن تضيف إلى تركيا أي جديد، ولكنها كانت ضرورية من أجل الحفاظ على التجارة الحرة مع بريطانيا التي كانت تكفلها اتفاقية الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي قبل خروج بريطانيا من الاتحاد.

النشاطات الاقتصادية ومستوى دخل الفرد

نما الاقتصاد التركي في الربع الثالث من العام 2020 بنسبة 6.7%، وكان هذا النمو بسبب التوسع الكبير في منح القروض الميسرة من البنوك الحكومية، ولعبت البنوك في هذا الإطار الدور الداعم للنمو في هذا الربع من العام. كما أن هذا النمو ليس كافياً لتعويض الانكماش الذي حصل في الربع الثاني من هذا العام والذي بلغ 9.9%. ومع ارتفاع أسعار الفائدة من جديد خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2020 توقع المحللون أن يتراجع النمو في الربع الرابع والأخير من عام 2020.

وقد استمر معدل التضخم في النمو في الشهر الأخير من 2020، إذ زاد التضخم بنسبة 2.3% ليصل معدل التضخم السنوي في تركيا إلى 14%. ولعب ذلك دوراً مهماً في دفع البنك المركزي لرفع سعر الفائدة إلى 17%. وما زال مؤشر ثقة المستهلك عند 80 نقطة من أصل 200 فقط، مما يؤشر إلى تشاؤم الأسواق من حصول انتعاش جديد قريب.

أحدث الإيجازات