صَوَّت الجمهوريون في مجلس الشيوخ الأمريكي، باستثناء السيناتور ميت رومني، في بداية العام الجاري ضد عزل الرئيس دونالد ترامب، ولكن مع قُرْب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في 3 نوفمبر المقبل، لا يبدو أن جميع الجمهوريين باتوا يصطفُّون خلف الرئيس الساعي للفوز بفترة رئاسية ثانية، إذ إن الانتقادات التي أخذت تُوجَّه له من أعضاء حزبه فاقت في كثير من الأحيان تلك التي يُوجِّهها خصومه الديمقراطيون.

ويخشى الجمهوريون من أن تعامُل الرئيس الأمريكي مع أزمتي جائحة كوفيد-19، والاحتجاجات التي تشهدها العديد من الولايات الأمريكية في أعقاب مقتل جورج فلويد، المواطن الأمريكي من أصول أفريقية، في مينيابوليس، في مايو الماضي، وتراجع الازدهار الاقتصادي الذي حققه ترامب وتفاخر به خلال خطابه لحالة الاتحاد أمام الكونجرس في فبراير الماضي، وارتفاع نسبة البطالة؛ كلها عوامل قد تدفع الحزب لخسارة البيت الأبيض، والأغلبية في مجلس الشيوخ بثلاثة مقاعد، حيث يدافع 23 سيناتوراً من بين 53 عضواً جمهورياً بالمجلس عن مقاعدهم في انتخابات الكونجرس التي ستجري بموازاة الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، ناهيك عن احتمالات خسارة عدد من الحكام الجمهوريين في الانتخابات داخل ولاياتهم.

مؤشرات تراجُع الدعم الجمهوري

برزت في الأشهر الأخيرة العديد من المؤشرات على تراجع الدعم الجمهوري لترامب، ويتمثل المؤشر الأول في معارضة عدد من الحكام الجمهوريين قرار الرئيس بإعادة فتح الاقتصاد الأمريكي في وقت لا تزال فيه ولاياتهم تشهد ارتفاعاً في معدلات الإصابة بفيروس كورونا المُستَجَد، وفي ظل رَفْض الخبراء والمتخصصين بقطاع الصحة الأمريكي قرار الرئيس ترامب بإعادة فتح الاقتصاد. ولهذا أعلن مجموعة من الحكام الجمهوريين والديمقراطيين لعدد من ولايات الغرب الأوسط الأمريكي تشكيل تحالفاً لتقييم خطواتهم المستقبلية، وما إذا كان يتعين عليهم البدء في إعادة فتح الاقتصاد تدريجياً وفق المراحل الثلاث التي تضمَّنتها خطة الرئيس ترامب.

وينصرف المؤشر الثاني إلى تزايد الانتقادات العلنية لعددٍ من أبرز القادة الجمهوريين إزاء تعامل الرئيس الأمريكي مع الأزمات الداخلية والخارجية التي تواجهها البلاد. فقد عارض العديد من الجمهوريين استدعاء ترامب القوات المسلحة للتعامل مع المتظاهرين، وانتقاداته لمسؤولين سابقين بوزارة الدفاع، وعلى رأسهم وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس، الرافضين لهذا القرار. واشتكى بعض الجمهوريين من أن ترامب يُسيء استخدام السلطة التنفيذية، ولا يُبدي اهتماماً بتوحيد الشعب الأمريكي ولا يتظاهر حتى بذلك؛ وإنما يسعى إلى تقسيم الأمريكيين في وقت تحتاج فيه الأمة إلى قائد لتوحيدها في خضم الأزمات المتوالية التي تواجهها.

كما انتقد كبار قادة الحزب علناً تعامل الرئيس مع التقارير الاستخباراتية التي تُشير إلى دفع روسيا مكافآت مالية لمقاتلي حركة طالبان من أجل قتل الجنود الأمريكيين بأفغانستان، وطالبوا الرئيس أن يكون أكثر صرامة مع الروس. وفي الوقت الذي كان يرفض ترامب ارتداء قناع، وجه العديد من المُشرِّعين الجمهوريين، وفي مقدمتهم زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، نداءات قوية للأمريكيين لارتداء أقنعة الوجه من أجل منع انتشار فيروس كورونا.

ويتعلق المؤشر الثالث بتشكيل الجمهوريين مجموعات ولجان عمل سياسية تُعارِض فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية في نوفمبر المقبل. فقد شكَّلت مجموعة من الجمهوريين المعارضين لترامب مشروع "لينكولن" بهدف إقناع الناخبين الأمريكيين بعدم التصويت له في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وجاء اختيار اسم الرئيس السابق إبراهام لينكولن، عنواناً للمشروع، نظراً لدوره الحاسِم في توحيد البلاد بعد الحرب الأهلية.

ويرتبط المؤشر الرابع، بإعلان عدد من المسؤولين الجمهوريين الذين عملوا في إدارات جمهورية سابقة، أنهم لن يصوتوا لترامب، ولكنهم سيصوتون لمنافسه الديمقراطي جو بايدن، لأن انتخاب ترامب لفترة رئاسية ثانية سيضر بالأمن القومي الأمريكي.

ويتصل خامس المؤشرات باحتمال أن يُمرِّر الأعضاءُ الجمهوريون بمجلس الشيوخ مشروع قانون يتضمن بنداً لإعادة تسمية القواعد العسكرية التي تحمل أسماء جنود كونفدراليين، رغم تهديد الرئيس باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد التشريع. ولكن الدلائل تشير إلى أن الدعم الذي يتمتع به مشروع القانون قد يُمكِّنه من تخطي فيتو الرئيس. 

أسباب تراجُع الدعم الجمهوري لترامب

تعود أسباب تراجع الدعم الجمهوري للرئيس ترامب مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية إلى تزايد مظاهر معارضتهم سياساته تجاه العديد من الملفات الداخلية، لاسيما إدارته لأزمة تفشي فيروس كورونا، ورفضه الاعتراف به مبكراً رغم الإعلان عن أنه أصبح وباءً عالمياً، وإصراره على إبطاء الاختبارات من أجل خَفْض عدد الإصابات الجديدة بالفيروس، إلى جانب تقديمه نصائح غير علمية للأمريكيين للتعامل مع الفيروس. فخلال حديثه في 4 يوليو الجاري (يوم الاستقلال الأمريكي) من الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض، قَلَّل ترامب مُجدداً من خطر الفيروس، حيث قال إن 99% من حالات الإصابة بالفيروس غير ضارة على الإطلاق، وهو ادعاء لم يدعمه رئيس هيئة الغذاء والدواء الأمريكية في اليوم التالي. وقد أدت إخفاقات تعامل الرئيس ترامب مع الفيروس إلى خروجه عن السيطرة.

ويرفض العديد من الجمهوريين استخدام ترامب خطاباً عنصرياً في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات الشعبية في عديد من الولايات الأمريكية على مقتل فلويد. وأبدى هؤلاء كذلك رفضهم لجوء ترامب لاستخدام الحروب الثقافية والإيماءات العنصرية ظناً منه أنها تحفّز الولاء له داخل قاعدته الانتخابية. ويري بعضهم أن الرئيس انتهك الدستور الأمريكي عند تعامله مع الاحتجاجات التي تشهدها الولايات الأمريكية في أعقاب مقتل فلويد لسماحه بمواجهة المحتجين بالقوة، ناهيك عن إقالة عدد من المفتشين العامين من دون إبداء سبب مقنع للكونجرس.

ويسعي عدد من الجمهوريين المرشحين لانتخابات الكونجرس في نوفمبر المقبل إلى النأي بأنفسهم عن الرئيس ترامب، مع تراجع نسبة تأييد الناخبين الأمريكيين له وفقاً لاستطلاعات الرأي واحتلاله المرتبة الثانية بعد المرشح الديمقراطي، جو بايدن، الذي يتقدم عليه بنسبة مئوية ذات رقمين، وتصدَّر بايدن في ولايات متأرجحة رئيسية للفوز بالانتخابات، وحتى تلك التي فاز بها ترامب بهامش كبير في انتخابات عام 2016. كما تقدَّم نائب الرئيس الأمريكي السابق على منافسه ترامب في جمع الأموال لحملته الانتخابية للشهر الثاني على التوالي.

الانعكاسات على فُرَص الجمهوريين الانتخابية

يعتقد العديد من المراقبين الأمريكيين أن الانتخابات الرئاسية المقبلة ستكون استفتاءً على أداء الرئيس حول تعامله مع جائحة كوفيد-19، والاحتجاجات التي تشهدها الولايات الأمريكية، إلى جانب الأزمة الاقتصادية وارتفاع مستويات البطالة. ولهذا، فإنهم يشيرون إلى أن ترامب أصبح عبئاً على الجمهوريين الذين يسعون إلى توسيع تحالفاتهم خارج القاعدة الأساسية لمؤيدي الرئيس.

بيد أن ترامب منذ تسميته مُرشَّحاً للحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية لعام 2016، قد عزز من موقعه داخل الحزب، ما جعل من الصعب على الجمهوريين في الكونجرس أن ينأوا بأنفسهم عنه دون استعداء قاعدته الانتخابية، واحتمال فقدانهم الناخبين الذين يفكرون في دعم الحزب الجمهوري، ولكنهم لا يؤيدون الرئيس.

ولهذا، سعى بعض الجمهوريين بمجلس الشيوخ والطامحين للفوز في انتخابات نوفمبر إلى تمييز أنفسهم عن ترامب وسِجلِّه، حيث أضحوا يُركزون على انجازاتهم الشخصية والمحلية والمجالات التي كانوا فيها مستقلين عن الرئيس دون أن يُنفِّروا صراحةً الجمهوريين الموالين لترامب في ولاياتهم.

وفي التحليل الأخير، من المتوقع أن يَزيدَ كُلٌّ من تراجع الرئيس ترامب في استطلاعات الرأي وتغريداته التي تثير الانقسام داخل الولايات المتحدة، من أزمات الحزب الجمهوري ودرجة تأييد قياداته لفوز الرئيس بفترة رئاسية ثانية، وصعوبات حفاظه على الأغلبية بمجلس الشيوخ. وفي هذا الإطار، يأمل عددٌ من الخبراء الاستراتيجيين الجمهوريين أن تكون هزيمة الحزب خلال انتخابات نوفمبر المقبل بسيطةً وتُماثِل خسارة ميت رومني البيت الأبيض وخسارة الجمهوريين مقعدين في مجلس الشيوخ في انتخابات نوفمبر 2012، وليس هزيمة مدوية كما حدث في انتخابات نوفمبر 2008 عندما خسر جون ماكين الانتخابات الرئاسية، وخسر الحزب ثمانية مقاعد في مجلس الشيوخ، وهو ما أدى إلى سيطرة الحزب الديمقراطي على البيت الأبيض وعلى الكونجرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب).

(*) باحث متخصص في الشؤون الأمريكية. 

أحدث الإيجازات