بينما لا تزال سفينة الحاويات العملاقة "إيفر غيفن"، التابعة لشركة الشحن العالمية "إيفرجرين" تُغلِق الممر الملاحي بقناة السويس، فإن العواقب الاقتصادية لمثل هذا الحادث تتزايد إذا استمر الوضع على ما هو عليه، ليس فحسب على الدول المستوردة والمُصدِّرة فحسب، ولكن أيضاً على الدولة المصرية التي تجني دخلاً هائلاً من استغلال هذا الممر البحري التجاري.

وترصد هذه الورقة الأبعاد المرتبطة بتعطل السفينة في قناة السويس وتداعياتها المحتملة على المستويات كافة، والرؤية المستقبلية المرتبطة بوضع قناة السويس ومكانتها في التجارة الدولية، ومدى تأثرهما بهذا الحادث.

الأبعاد المرتبطة بتعطُّل السفينة "إيفر غيفن" في قناة السويس

كشف تعطُّل سفينة الحاويات العملاقة "إيفر غيفن" في قناة السويس عن عدد من الأبعاد المرتبطة بهذا الحادث النادر في هذا الممر المائي الحيوي، لعل أهمها الآتي: 

1. حدود الخطأ الفني من جانب طاقم قيادة السفينة: يبلغ طول سفينة الحاويات "إيفر غيفن" العالِقة في قناة السويس، 400 متر وتزن حمولتها 220 ألف طن، وقد كشفت صور التقطت بواسطة الأقمار الصناعية، ونشرتها وكالة "نوفوستي" الروسية، عن مسار دائري وغير مفهوم سلكته السفينة في البحر الأحمر قبل دخولها ممر القناة.[1] ومن جهة أخرى، لوحظ أن حادث سفينة "إيفر غيفن" في قناة السويس هو الحادث الثاني الضخم الذي تواجهه في السنوات الأخيرة، إذ سبق أن اصطدمت السفينة، التي شُيدت في 2018، بعبّارة صغيرة راسية في نهر "إلبه" بمدينة هامبورغ الألمانية عام 2019، وبررت السلطات الأمر آنذاك برياح قوية، علماً أن الاصطدام ألحق أضراراً بالغة بالعبّارة.[2]

2. الوقت المتوقع لتحريك السفينة وعودة الملاحة في قناة السويس: لا يوجد إجماع على موعد عودة الملاحة، إذ يميل بعض الخبراء إلى توقُّع تعويم السفينة قريباً، ومنهم رئيس مراقبة الملاحة بهيئة قناة السويس سابقاً محمد فوزي، إلا أن آخرين يؤكدون أن أفضل فرصة لتحرير الناقلة ربما تكون مع وصول المد إلى ذروته يوم الأحد أو الاثنين (28 أو 29 مارس 2021)، لكن لو ضاعت هذه الفرصة فسوف تضطر السفينة إلى الانتظار لمدة 12-14 يوماً أخرى من أجل عودة المد بحسب الخبراء.[3] وتشارك في عملية التعويم 14 قاطرة بحرية، على رأسها القاطرة "بركة 1"، التي تصل قوة الشد لديها إلى 160 طن، وعرضت عدة دول منها الولايات المتحدة مساعدة مصر في الأزمة؛ وأعربت عن استعدادها لإرسال فريق من خبراء البحرية الأمريكية للمساعدة.

3. البديل المقترح في حال فشل جهود التعويم: في حال فشلت محاولات تعويم السفينة سيكون هناك حاجة لنقل جزء من شحنتها أو كلها إلى ناقلة أخرى، أو إلى ضفتي القناة، وسوف يحتاج ذلك لنقل معدات خاصة إلى الموقع مثل الرافعات وآلات تفريغ الحاويات التي يجب أن يصل ارتفاعها إلى 60 متراً، وذلك يعني أن الأمر وقتها سيحتاج إلى عدة أسابيع.

التداعيات المترتبة على تعطُّل السفينة في قناة السويس

1. الخسائر الاقتصادية: تمثل الإيرادات التي تجمعها قناة السويس المصدر الثاني لدخل الدولة المصرية بما يقرب من 5,5 مليار دولار سنوياً؛ "فالقناة هي المصدر الثاني للدخل بعد السياحة، وبما أن السياحة في حالة سيئة، فإن القناة بالضرورة تعد أمراً في غاية الأهمية اليوم بالنسبة لمصر".[4] وتمر من القناة بضائع يبلغ ثمنها أكثر من 9.5 مليار دولار يومياً، كما تمر نحو 30% من حاويات الشحن في العالم يومياً عبر قناة السويس، إضافة إلى نحو 12% من إجمالي التجارة العالمية لكل السلع.

وتُعد قناة السويس ممراً ملاحياً حيوياً للتجارة بين الدول الآسيوية والشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا الشمالية، ومن أصل 39.2 مليون برميل يومياً من النفط الخام المستورد بحراً في 2020، استخدم 1.74 مليون برميل يومياً القناة، وقد يرجئ تسليم نحو مليون طن من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا على متن 10 سفن إذا استمر توقف الملاحة أسبوعين؛ فالقناة هي الممر الرئيس لواردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط وبعض الشحنات الآتية من البحر المتوسط إلى آسيا، وقد شحنت قطر، المُنتجة الكبيرة للغاز المسال، ما يقرب من 260 شحنة إلى أوروبا في 2020 عبر القناة، إلا أن تأثير تأخيرات الشحن البحري في أسواق الطاقة سيتراجع بسبب موسم يتّسم بانخفاض الطلب على النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.[5]

ويُفاقم التوقف الوضع السيّء لسوق الغاز الآسيوية، التي يعتريها الضعف بالفعل، نظراً إلى أن آسيا تصدّر الوقود إلى أسواق في الغرب، مثل أوروبا، ويتدفّق ما يزيد على 60% منه عبر القناة بحسب إحصاءات عام 2020. ووفقاً لـ"بلومبيرغ" فإن التقارير المبدئية تشير إلى أن تكلفة انسداد القناة تبلغ نحو 400 مليون دولار في الساعة الواحدة، بناء على حسابات تشير إلى أن حركة المرور المتجهة غرباً تبلغ قيمتها نحو 5.1 مليار دولار في اليوم، وحركة المرور المتجهة شرقاً تبلغ 4.5 مليار دولار تقريباً.[6]

وقد أحدث توقف قناة السويس اضطراباً نجم عنه ارتفاع في تكاليف الشحن لناقلات المنتجات البترولية إلى المثلين تقريباً هذا الأسبوع، وتحويل سفن عدة مسارها بعيداً من المجرى المائي الحيوي، ما أدّى إلى تأخيرات في توريد سلع التجزئة إلى المستهلكين، وخلصت دراسة أجرتها شركة التأمين الألمانية "أليانز"، إلى أن توقّف حركة المرور في قناة السويس قد يكلّف التجارة العالمية ما بين ستة مليارات وعشرة مليارات دولار أسبوعياً، كما أن كل أسبوع يمرّ على هذه الحالة من التوقّف يقتطع نحو 0.2% إلى 0.4% من النمو السنوي للتجارة، خاصةً مع التأثيرات الموجودة أصلاً نتيجة لجائحة كورونا، ويتضاعف الأثر السلبي على طول فترات التسليم في الولايات المتحدة، إذ تُستنزف المخزونات بفعل توقّعات بأن حزمة الرئيس جو بايدن الضخمة للتحفيز ستدعم الطلب.[7]

2. التأثير السلبي على الممرات المائية الأخرى: ثمة خطر كبير آخر يتمثل في ازدحام الممرات المائية الأخرى حول العالم، وتكوُّن نقاط اختناق مع تكدُّس المزيد من السفن على طول قناة السويس وقناة بنما ومضيق هرمز ومضيق ملقا في جنوب شرقي آسيا.

3. الترويج لطرق بديلة مُنافِسَة لقناة السويس: في الوقت الذي تتعرض فيه قناة السويس لأزمة كبيرة حالياً نتيجة لتوقف الملاحة بها، يتم الترويج لطريق أقصر عبر القطب الشمالي يُعرف باسم الممر الشمالي الشرقي الذي يمر عبر روسيا، حيث زاد عدد السفن التي تستخدمه إلى عدة مئات كل عام، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى الاحتباس الحراري الذي أدى إلى انخفاض كثافة الجليد القطبي، لكن على الرغم من ذلك لا تزال حركة المرور هناك، مجرد جزء بسيط مما يمر عبر قناة السويس. ومن ناحية أخرى، أُعيد تسليط الضوء على وثيقة سرية تعود إلى عشرات السنين عن مخطط أمريكي لفتح ممر بحري بديل لقناة السويس في الصحراء الإسرائيلية عبر ربط البحر المتوسط بخليج العقبة، وفتح منافذ على البحر الأحمر والمحيط الهندي.

مستقبل الملاحة في قناة السويس

  • خيارات شركات الشحن العالمية في حال استمرار التعطُّل لفترة طويلة: ربما تتأثر التدفقات التجارية بين آسيا وأوروبا بشدة إذا استمر الوضع، وفي حال تعذُّر فتح القناة بسرعة فلن يكون أمام شركات الشحن خيار سوى توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح في طرف أفريقيا، وهو طريق يُضيف 14 يوماً و5 آلاف ميل بحري إلى الرحلة، مما يعني ارتفاع أسعار البضائع المشحونة إلى أوروبا من آسيا، بما في ذلك السيارات ومواد البناء ومعدات الحماية الشخصية الخاصة بكورونا، إذ ستزيد شركات الشحن رسومها لتغطية كلفة اتخاذ مسارات أطول، كما أن هناك مخاطر مواجهة عمليات القرصنة فيه.[8]
  • خيارات شركات الشحن بعد عودة الملاحة للقناة: حتى إذا فُتح الطريق خلال أسبوع، هناك صف طويل من الشحنات ينتظر عبور القناة، وبالتالي فإن العودة إلى التدفق الطبيعي سيستغرق بعض الوقت، مما يعني أن هناك عدد من الشركات قد لا يستخدم القناة بعد عودة التشغيل لحين انتهاء التكدس.
  • التعامل المصري مستقبلاً مع مرور السفن كبيرة الحجم: اضطرت قناة السويس إلى التعامل مع سفن حاويات أكبر من أي وقت مضى، إذ بلغ متوسط حمولة كل سفينة 119000 طن في 12 شهراً حتى 28 فبراير 2020 مقارنةً بـ 93500 طن في عام 2015، مما يعني أن مصر ستكون مضطرة للتفكير في إعادة النظر بشكل فني في تكييف القناة للتعامل مع السفن الكبيرة التي تزايدت عمليات مرورها بالقناة، مع أهمية توفير معدات وإمكانيات للتعامل مع أية حوادث جنوح أخرى.[9]
  • احتمالية تطوير المدخل الجنوبي للقناة، وذلك بالتوسيع أو زيادة العمق للتعامل مع السفن العملاقة؛ إذ أظهر تعطُّل السفينة أن المدخل الجنوبي للقناة يعتبر ضيق نسبياً مقارنة بالسفن الجديدة، ما يعني إمكانية الحاجة لتوسعة المدخل أو ازدواجه مثلما حدث في عملية ازدواج القناة الذي تمت في منطقة الإسماعيلية خلال الفترة الماضية.[10]

خلاصة وتوقعات

تُمثِّل حادثة جنوح سفينة الحاويات العملاقة " إيفر غيفن" في قناة السويس نموذجاً على مدى اعتماد التجارة المتزايد على سلاسل التوريد العالمية، وهو أمرٌ يحتاج إلى إعادة نظر بعد نهاية الحادثة التي عطلت مسار نحو 200 سفينة حتى الآن ورفعت أسعار النفط والسلع الأخرى، وأجبرت العديد من السفن على تحويل مسارها نحو رأس الرجاء الصالح، مما قد يرفع حوادث القرصنة البحرية، باعتبار أن البحار الواقعة قبالة غرب أفريقيا من بين أخطر البحار في العالم بالنسبة للشحن. وقد ذكرت البحرية الأميركية، أن شركات الشحن من دول متعددة اتصلت بها بشأن تزايد مخاطر القرصنة على السفن التي يتم تغيير مسارها.

 وتوقع نائب رئيس هيئة قناة السويس الأسبق اللواء عبد القادر درويش أن تستمر أزمة قناة السويس لأكثر من أسبوع، حيث أن شكل السفينة الجانحة مع ضخامتها وطولها يُشيرانِ إلى أن الأمر سيستغرق التعامل معه أكثر من 7 أيام، لافتاً إلى أن أحد حلول تعويم السفينة هو التجريف أسفلها وتفريغ حمولتها من الحاويات، في الوقت الذي تؤكد فيه مصادر في مجال الشحن أن إنزال الحمولة قد يكون عملية لوجستية طويلة ومُعقَّدة نظراً لحجم السفينة ووضعها.

الهوامش والمصادر

[1] Suez Canal: How are they trying to free the Ever Given?, available at: https://www.bbc.com/news/56523659, access on: 27/3/2021.

[2] How did Evergreen's ship get stuck in the Suez Canal and create the world's heaviest traffic jam?, available at: https://www.usatoday.com/in-depth/graphics/2021/03/26/how-evergreens-ship-got-stuck-in-the-suez-canal/7010375002/, access on: 27/3/2021.

[3] Suez Canal blockage is delaying an estimated $400 million an hour in goods, available at: https://www.cnbc.com/2021/03/25/suez-canal-blockage-is-delaying-an-estimated-400-million-an-hour-in-goods.html, access on: 27/3/2021.

[4] No timeline given for extracting wedged ship from Suez Canal, available at: https://apnews.com/article/egypt-africa-middle-east-suez-canal-d73d015ffde50c3ddcffe4549e97d6ca, access on: 27/3/2021.

[5] ‘Some risks of the ship breaking’: How the Suez Canal blockage could move from meme to ‘serious obstruction’, available at: https://www.cnet.com/news/suez-canal-block-continues-why-thats-important-everywhere/, access on: 27/3/2021.

[6] Suez Canal block continues: Why that's important everywhere, available at: https://www.cnet.com/news/suez-canal-block-continues-why-thats-important-everywhere/, access on: 27/3/2021.

[7] Shipping losses mount from cargo vessel stuck in Suez Canal, available at: https://apnews.com/article/cargo-ship-stuck-suez-canal-egypt-d8b6696716ab45794cba583ecf0e4001, access on: 27/3/2021.

[8] Suez Canal could be blocked for weeks by 'beached whale' ship, available at: https://www.reuters.com/article/us-egypt-suezcanal-ship/tugs-resume-effort-to-clear-suez-ship-blockage-traffic-jam-builds-idUSKBN2BH0BA?il=0, access on: 27/3/2021.

[9] Suez Canal Is Blocked by Container Ship Causing Huge Traffic Jam, available at: https://www.wsj.com/articles/the-suez-canal-is-blocked-by-a-giant-container-ship-11616560437?mod=searchresults_pos1&page=1, access on: 27/3/2021.

[10] Stranded Suez ship's owner, insurers face millions in claims, available at: https://www.reuters.com/article/idUSKBN2BG329, access on: 27/3/2021.

 

أحدث الإيجازات