في 28 نوفمبر 2019 اعتمدت السلطة الانتقالية في السودان ثلاثة قوانين، تستهدف تفكيك بنية نظام الإنقاذ الوطني وإزالة التمكين، وإتاحة الحريات العامة، وتحقيق العدل، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً بين مؤيد يعتبرها ضرورة لتأمين عملية الانتقال السياسي وبناء الدولة الجديدة، ومعارض يرى عدم أولويتها مقارنة بالاستحقاقات والتحديات الأخرى، ويخشى من تداعياتها على استقرار البلاد ومستقبلها في ظل الصدام المحتمل بين السلطة الانتقالية وقوى الثورة المضادة، بما يستوجب التريث والحذر.

مضمون قوانين تفكيك الإنقاذ

       نصَّت القوانين سالفة الذكر على تشكيل لجنة باسم "تفكيك نظام الإنقاذ"، يكون مقرها مجلس الوزراء. ويترأسها أحد أعضاء مجلس السيادة، وينوبه ممثل عن مجلس الوزراء، بجانب عضوية وزراء العدل والدفاع والصحة، وخمسة أعضاء آخرين يختارهم رئيس الوزراء، وممثل لجهاز الاستخبارات، وممثل لبنك السودان. وأن تتولى اللجنة الإشراف على حلِّ حزب المؤتمر الوطني، الذي حكم نظام الإنقاذ البلاد من خلاله، ومصادرة أصوله لصالح الحكومة، وحل كافة الواجهات الحزبية والمنظمات التابعة له أو لأي شخص أو كيان يُعتبَر من نتائج التمكين. كما تضمَّن القانون مادة للعزل السياسي لا يجوز بموجبها لرموز الإنقاذ ممارسة العمل السياسي لمدة لا تقل عن 10 سنوات تَسري من تاريخ إجازة القانون.

       كما أُصدِرَ قانون مفوضية إعادة بناء المنظومة الحقوقية والعدلية، وأُلغي قانون النظام العام الصادر عام 1996، والذي يحدد قواعد السلوك العام في المناسبات والأسواق وغيرها، وهو القانون الذي ضاق أغلب السودانيين ذرعاً به، بسبب المغالاة والانتقائية في تطبيقه، وارتباطه بممارسات تُسيء إلى الصورة القومية للدولة، خاصة جَلْد النساء.  

الإجراءات الموازية للتفكيك

       جاء إصدار تلك القوانين استكمالاً لخطوات سابقة، تضمَّنت العزل والاعتقال للعديد من القادة المحسوبين على النظام السابق، فتم عزل كل من الأمين العام للمجلس القومي للتدريب، ومفوَّض عام الجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي، والمفوض العام للعون الإنساني، ووكيل وزارة الزراعة والموارد الطبيعية، ومدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي، ووكيل وزارة الضمان والتنمية الاجتماعية، ووكيل الري بوزارة الموارد المائية والري والكهرباء. كما شرعت السلطات في محاكمة المتورطين في انقلاب 1989، بتهم الفساد وانتهاك حقوق الإنسان، وألقي القبض على العديد من قيادات ورموز التيار الإسلامي، وعلى رأسهم علي الحاج الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي.  

       وفي موازاة ذلك، أُلغي تسجيل 24 منظمة، وجُمِّدت أرصدتها وحساباتها داخل البلاد وخارجها، وعلى رأسها منظمة سند الخيرية، التي تديرها زوجة الرئيس المعزول عمر البشير، وجرى تصفية هيئة العمليات الخاصة بجهاز الاستخبارات والأمن الوطني، والتي كانت تتولى مهاماً قتالية إسنادية للجيش، وإحالة أكثر من 60 ضابط بالجهاز للتقاعد، وعلى رأسهم نائب مدير الجهاز الفريق عوض الكريم القرشي، وذلك ضمن خطة لإعادة الهيكلة، تَقْصِر مهام الجهاز على جمع المعلومات فحسب.  

المسوغات القانونية والدوافع السياسية

       دافعت السلطات عن قوانين التفكيك، فأكدت مشروعيتها واتساقها مع مواد الوثيقة الدستورية الانتقالية، وصدورها عن الجهة المختصة بالتشريع في الوقت الراهن، وهي المجلس السيادي ومجلس الوزراء. وشددت على مسوغاتها السياسية، وأههما أنه لا يمكن الوفاء باستحقاقات المرحلة الانتقالية بالاعتماد على كوادر الإنقاذ والإخوان المسلمين، وأن ما ارتكبه هؤلاء من أخطاء بحق الشعب السوداني يستوجب المحاسبة، وعدم الإفلات من العقاب.

       أكدت السلطات أيضاً أن رفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب يقتضي التخلص من رموز التطرف الديني، الذين زجوا بالبلاد في مستنقع دعم الحركات الإرهابية، وممارسة الأنشطة التخريبية في دول الجوار، وهو ما جعل البعض يربط بين توقيت صدور القوانين وزيارة رئيس الوزراء السوداني للولايات المتحدة، والتي تصدر جدول أعمالها مسألة رفع اسم السودان من لائحة داعمي الإرهاب، وإنهاء العزلة الغربية المفروضة عليها، وفتح المجال أمامه للحصول على السلاح والمساعدات الاقتصادية، وجذب الاستثمارات الأجنبية.  

ردود الفعل

      لقيت الإجراءات الأخيرة استحساناً من بعض الفئات، وفي مقدمتها الجبهة الثورية، التي طالبت بإجراءات إضافية أهمها تسليم الرئيس البشير وأعوانه للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، معتبرةً ذلك "خطاً أحمر" لا يمكن التراجع عنه. كما رحب تجمُّع المهنيين بتفكيك الإنقاذ، ومحاكمة الفاسدين الذين تورطوا في ملفات مشروع الجزيرة، والنقل النهري، وخط هيثرو، وغيرها، وتجميد نشاط المنظمات غير الحكومية، بدعوى عملها كواجهات وأذرع للنظام البائد، وأنها كانت أدوات لنهب المال العام وأراضي الدولة وغسيل الأموال، وأنها قد تستخدم في تمويل مليشيات النظام وكتائب ظله.

      كما خرجت الجماهير للميادين العامة تعبيراً عن الابتهاج بوضع كلمة النهاية لنخبة الإنقاذ، ومن هؤلاء الآلاف من الذين تم اعتقالهم، وفصلوا تعسفياً من وظائفهم، خاصة بعدما أعلنت السلطة الانتقالية عن تشكيل لجنة لرد الاعتبار إليهم، وإصلاح أوضاعهم، إما بالعودة إلى وظائفهم أو تعويضهم مالياً.

      في المقابل، انتقد البعض إجراءات تفكيك الإنقاذ؛ فطالب إبراهيم غندور، رئيس حزب المؤتمر الوطني بإعفاء وزراء قوى إعلان الحرية والتغيير، وتشكيل حكومة تكنوقراط جديدة برئاسة عبد الله حمدوك، مؤكداً أن الدعوة لمحاكمة المشاركين في انقلاب 1989 هي رغبة في الانتقام وتصفية الحسابات والانفراد بالسلطة، بغية تحقيق تمكين جديد للسلطة الحالية، مما سيؤدي إلى الفشل، واصفاً تلك الدعوة بالسذاجة السياسية.

       وبالمثل، أكد غازي صلاح الدين، رئيس حزب الإصلاح الآن، وأحد أبرز الرموز السابقين لنظام الإنقاذ، أن محاكمة قادة الانقلاب تأتي في إطار الصراع التاريخي بين الإسلاميين واليساريين بالسودان، وأنها تخالف مبادئ قانونية راسخة أهمها حُسن النية والمساواة، وأنها تشبه محاكم التفتيش في العصور الوسطى بأوروبا، وأنها عار على ثورة ديسمبر2018، خاصة أنها اتخذت في هذا التوقيت بالذات لمجرد إرضاء الثوار، وإقناعهم بأن مبادئ الثورة في سبيلها للتحقُّق، مع التغطية على الملفات الأخرى التي أخفقت فيها الإدارة الانتقالية.  

      انتقد البعض أيضاً إغلاق المنظمات العاملة في مجال الأعمال الخيرية، من منطلق أن تجميد أنشطتها صدر بموجب تشريع سيادي، دون تحقيقات تثبت ضلوعها في أنشطة هدَّامة، أو تلقِّيها أموالاً من الخارج دون سندٍ قانوني. بالإضافة لوجود مخاوف من التأثير السلبي لتجميد أنشطتها على الشرائح الاجتماعية الدنيا، التي كانت تستفيد من خدماتها، خاصة أن الإدارة الانتقالية لم تُقدِّم البديل المناسب لها، وهو ما يجعل توقيت تجميد أنشطة تلك المنظمات غير ملائم، بحسب وجهة النظر هذه.

       كذلك شكك عديدون في إمكانية التنفيذ السَّلس لإجراءات تفكيك الإنقاذ، في ظل عدم قدرة السلطة الانتقالية على توفير كفاءات وطنية تحل محل الكم الكبير من القادة المُستَبعدين، وكذا بسبب ارتباك المشهد الداخلي، والذي تجسَّد في الخلاف بشأن تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية، وصدور قوانين التفكيك بالتزامن مع توجيهات المحكمة الدستورية بإخلاء سبيل بعض قيادات الإنقاذ، ومنهم نافع علي نافع والحاج عطا المنان، ما لم يكونا مطلوبين في قضايا أخرى. كما أن عزل نائب رئيس جهاز الاستخبارات تبعه تعيين الفريق أحمد إبراهيم مفضل خلفاً له، رغم أن الأخير كان يشغل منصب مدير هيئة الاستخبارات الخارجية بجهاز الاستخبارات والأمن الوطني، وكان والياً لجنوب كردفان في عهد البشير، وهو ما طرَحَ الكثير من علامات الاستفهام.

       في خضم هذا الجدل، هدد حزبا المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي بالتصعيد. ونفَّذت المبادرة الشعبية لإطلاق سراح المعتقلين وقفة احتجاجية أمام مقرات النيابة العامة للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين من القيادات الموقوفة بسجن كوبر، وإلغاء حالة الطوارئ، التي تستند إليها الحكومة في اعتقالهم، مؤكدين أن الخطوة المقبلة ستشهد التظاهر أمام القصر الجمهوري وجهاز الاستخبارات، حتى إطلاق سراح الجميع، بدعوى عدم وجود مسوغ قانوني لاعتقالهم لما يزيد عن مائتي يوم. 

التداعيات المحتملة لإنفاذ قوانين التفكيك

        إن إنفاذ قوانين تفكيك نظام الإنقاذ لن يكون أمراً يسيراً، نظراً لتغلغل عناصر الدولة العميقة في كافة مؤسسات الدولة، والانقسام السياسي والمجتمعي بشأن أولوية وتوقيت صدور تلك القوانين، والخوف من طول أمد المحاكمات، لتستهلك الوقت والجهد والموارد، والدفع بتقادُم أغلب الاتهامات المنسوبة لقادة الإنقاذ، وتوسيع دوائر الاتهام ليطال عناصر شاركت في انقلاب 1989، ثم انشقَّت عليه بعد ذلك، لتنخرط في أحزاب أخرى، مثل المؤتمر الشعبي والإصلاح الآن.

       كما أن التجارب الثورية بدول الجوار أكدت أن الانخراط المبكر والتنفيذ المفتعل لإجراءات العزل السياسي ومحاسبة فلول النظم السابقة، تحت دعاوى التطهير وتحقيق مبادئ الثورة، لم يؤت ثماره المرجوة، بل أدى لتنامي تيار الثورة المضادة، والانزلاق صوب الإرهاب، والفوضى العارمة، والتدخل الخارجي، مثلما يجري الآن في ليبيا، التي أطاح ثوارها بالقذافي عام 2011، وفشلوا في إعادة البناء منذ ذلك الحين. لذا فمن المحتمل أن يترتب على تفكيك نظام الإنقاذ سيناريوهين اثنين، هما:

1. تهدئة الشارع السوداني، والحركات المسلَّحة التي تطالب بمحاكمات عاجلة لفلول النظام السابق، إذ تستجب قرارات التفكيك لأغلب تطلعاتها، التي يرتفع سقفها إلى حد المطالبة بتسليم الرئيس البشير وأعوانه إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يدعم الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.  

2. تنامي حجم التيار المعارض للثورة السودانية، والذي يخشى على مكتسباته من الثروة والمناصب التي تحصل عليها خلال العهد السابق، مما يدعم أنشطة الثورة المضادة، من تظاهرات وأنشطة تخريبية تستهدف إعاقة جهود التفكيك، وتعطيل العملية الانتقالية، ومثال ذلك مليونية الزحف الأخضر، التي انطلقت في 14 ديسمبر الجاري (2019)، بدعم كامل من أنصار البشير. 

           وبناءً على ذلك، فمن المرجح عدم إنفاذ كافة إجراءات تفكيك نظام الإنقاذ، باستثناء حلّ حزب المؤتمر الوطني والمنظمات المرتبطة به، أما محاكمة كبار القادة واسترداد الأموال المنهوبة، فهو أمرٌ تنوء به قدرات السلطة الانتقالية، خاصة أن تكلفته ستفوق العائد منه، وبالتالي فمن المتصور أن تفتر عزيمة السلطة عن إجراء المحاكمات لصالح الاهتمام بقضايا أخرى أكثر إلحاحاً، مثل: تكوين المجلس التشريعي، وتحقيق السلام الشامل، وصياغة الدستور، وإجراء الانتخابات العامة، وإصلاح الاقتصاد، ورفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب.  

* مدير مركز البحوث الأفريقية، جامعة القاهرة.

 

أحدث الإيجازات