وقعت تفجيرات ميناء بيروت في ذروة الاستنفار بين إسرائيل وحزب الله، على خلفية استهداف أحد قادة الحزب في سوريا وتهديد الحزب بالرد على مقتله، على اعتبار أن هذه العملية تُشكِّل خرقاً لقواعد الاشتباك المعمول بها بين الطرفين، والتي يرفض حزب الله التنازل عنها لما تشكله من خلل في "توازن الردع" بين الطرفين، والذي يقول الحزب إنه أوجده بعد حرب يوليو/تموز 2006.

وقد أفرز انفجار بيروت المُروِّع مشهداً جديداً، وخلق معطيات مختلفة على الساحتين اللبنانية والإقليمية، ومن المرجح أن يكون له تداعيات على أوضاع اللاعبين، وخاصة حزب الله، ما يدفعه إلى البحث عن مسارات مختلفة في تعاطيه مع الكثير من القضايا التي يواجهها داخلياً وخارجياً، ومن بينها مسألة التصعيد مع إسرائيل أو المخاطرة بفتح جبهة حرب واسعة النطاق في المنطقة.

مُثلث إسرائيل وإيران وحزب الله: مواقف ما قبل الانفجار

جاءت عملية استهداف القيادي في حزب الله في سياق هجوم ضاغط شنَّته إسرائيل على مواقع الميليشيات الإيرانية في سوريا، والهادف إلى إخراج إيران من هذا البلد، وتزامن ذلك مع تفجيرات متوالية لعدد من المواقع داخل إيران (أهمها تفجير نطنز)، بالإضافة إلى عمليات متفرقة تؤشر أغلبها إلى وجود دور لإسرائيل ومخابراتها فيما جرى.

توجُّه إسرائيل نحو "حسم" مشكلة حزب الله

كثّفت إسرائيل هجماتها مؤخراً ضد القواعد والأصول الإيرانية في سوريا وداخل إيران نفسها على أرجح الفرضيات، بناء على تقدير إسرائيلي بأن إيران تمر بلحظة ضعف نتيجة الأوضاع الإقتصادية والسياسية التي تمر بها، بالإضافة إلى خلافاتها مع روسيا بشأن تقاسم النفوذ في سوريا. وفضلاً عن ذلك، تُقدّر أوساط إسرائيلية أن المرحلة الحالية، وحتى موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تُشكّل فرصة لتوجيه ضربة لإيران وميليشياتها، في ظل وجود إدارة أمريكية مُتفهِّمة للتحرك الإسرائيلي، الأمر الذي قد لا يتوفر في حال فوز جو بايدن في الانتخابات، والذي قد يسلك خط المهادنة مع إيران على خطى سلفه الديمقراطي باراك أوباما.

وتَصدُر الاستراتيجية الإسرائيلية عن شعور بخطر وجودي عميق؛ فحزب الله بات يمتلك عشرات آلاف الصواريخ، وإيران في طريقها لأن تصبح دولة نووية، ولم تنفع جميع الإجراءات السابقة في تغيير المعادلة نهائياً لصالح إسرائيل، حيث استطاعت إيران - رغم الوطأة الشديدة للعقوبات الأمريكية التي تعاني منها - التفلُّت من مساعي إجبارها على تعديل سلوكها في المنطقة، وها هي توقع اتفاقية استراتيجية مع الصين تُعوِّل عليها لإنقاذها من الأزمة الاقتصادية الطاحنة، وتعمل على تجديد اتفاقها الإستراتيجي مع روسيا لعشرين سنة مقبلة.

نتيجة ذلك، بدأت تَصدُر أصوات في إسرائيل، وخاصة في المؤسسة العسكرية، تطالب بشن عملية لتحييد صواريخ حزب الله في سياق معركة قصيرة وحاسمة قبل أن يفوت الأوان، وتحدث بعض الصحف الإسرائيلية عن تصوّرها للحرب المقبلة في سياق خطة "تعاظُم قوة الجيش الإسرائيلي خلال الفترة 2020-2024". وتوصّل معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل إلى أن كورونا والأوضاع الاقتصادية الصعبة في لبنان وسوريا قد سرّعت أحداثاً أمنية وسياسية أكثر من المتوقع، الأمر الذي يستشف منه تغيُّر التقديرات بشأن الحرب مع حزب الله. وذهب بعض الجنرالات إلى تقديم حلول تكنولوجية لحل عقدة صواريخ حزب الله يتمثل بمنظومة "حماية السماء" (Sky Guard) اعتماداً على ليزر كيميائي قوي للغاية، قادر على اعتراض الصواريخ بسرعة وبتكلفة رخيصة.

إيران وسياسة الهروب من المأزق

خلافاً لسياساتها التي قامت على امتصاص الضربات الإسرائلية وتجنُّب الرد عليها، بهدف عدم الاضطرار إلى خوض مواجهة غير محسوبة مع إسرائيل ومن خلفها أمريكا، أبدت إيران مؤخراً استعداداً للتصعيد مع إسرائيل، وقد برز ذلك بوضوح من خلال إعلانها الاتفاق مع النظام السوري على تزويده بأنظمة دفاع جوي متطوّرة.

لكن المؤشر الأهم تمثل بمحاولة تسخين الجبهة بين إسرائيل وحزب الله، حيث كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الخلية التي تم استهدافها قرب الجولان، والتي حاولت زرع عبوات ناسفة في جانب الشريط الحدودي، لا تتبع حزب الله، بل هي خلية إيرانية، تتبع إحدى الميليشيات التي جنَّدتها إيران في المناطق القريبة من الجولان. وهناك توقعات بأن حزب الله قد تعرّض لضغوط إيرانية من أجل تسريع الرد، إلا أن الحزب فضَّل التمهُّل بذريعة ضرورة أن يكون الرد مؤثراً ومحسوباً في نفس الوقت.

وترى إيران أن من مصلحتها نقل المواجهة بعيداً عن الداخل الإيراني وإبقاءها في سوريا، وحتى المواجهة في لبنان، رغم مخاطرها على حليفها حزب الله، إلا أنها تدخُل في تفضيلات إيران، لأنها ستساهم في كسر موجة الهجمات على الداخل الإيراني، نظراً لتأثيرها المباشر على استقرار النظام السياسي من جهة، وتأخير المشروع النووي الذي بات يمثل حلم إيران في تحقيق معادلة ردع إقليمية وتعزيز أمن النظام وسلطته في مواجهة خصومه الداخليين من جهة أخرى.

ويلتقي التفضيل الإيراني في نقل المواجهة إلى الساحة السورية، مع رغبة إسرائيلية في أن ينفِّذ الحزب ردَّه المحتمل من الجبهة السورية، لوجود اعتقاد بأن لدى إسرائيل نقاط تفوق في سياق العمليات في سوريا، كما أن الحدود السورية، بخلاف الحدود اللبنانية، مُريحة للعمل، وليس فيها قوانين واضحة، وليس فيها ردع متبادل، وكل شيء فيها مسموح به.

تغيُّر المعطيات بعد انفجار بيروت

لقد غيّر انفجار مرفأ بيروت الضخم المعطياتِ على الأرض بشكل كبير، وأثَّر في مواقف أطراف الصراع ومواقعهم، وذلك على النحو الآتي:

1) حسابات جديدة لحزب الله

حيث يواجه حزب الله متغيرات تتطلب منه استجابات عاجلة على مختلف المستويات:

على المستوى السياسي، دخل لبنان في أزمة سياسية يتوقع لها أن تطول، لا سيما بعد استقالة الحكومة، التي كان الحزب يملك فيها تأثيراً كبيراً، وهناك اليوم مطالبات بإعادة الانتخابات النيابية، حيث يملك الحزب في البرلمان كتلة نيابية كبيرة مؤيدة له، كما أن عودة الحراك للشارع اللبناني تشي بدخول البلاد في مرحلة جديدة قد تُعيد إنتاج مفهوم الدولة في لبنان ونظام الحكم فيها، ويتحسَّب الحزب لحصول تطورات داخلية بعد إعلان نتائج حكم المحكمة الخاصة بمقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 21 من شهر أغسطس الجاري. ويستدعي كل ذلك من حزب الله التركيز على هذه التطورات وعدم الانشغال بقضايا أخرى.

المستوى العملاني: نبَّه انفجار مستودع نترات الأمونيوم في ميناء بيروت حزب الله إلى خطورة استهداف إسرائيل لمواقع تخزين أسلحته، بعد أن كشفت الحكومة الإسرائيلية وجود مخازن للأسلحة قرب مطار بيروت وفي أماكن أخرى، والمرجح أن يقوم الحزب بنقل هذه الأسلحة التي تقع ضمن المناطق المؤيدة للحزب في ضاحية بيروت الجنوبية إلى أماكن أخرى، وهذا يستدعي تهدئة للصراع مع إسرائيل إلى حين إنجاز هذه المهمة.

مراعاة التحالفات الداخلية: رغم عدم ثبوت ملكية حزب الله لمخزون الأمونيوم، إلا أن قطاعات عريضة من الشعب اللبناني وجَّهت غضبها ضد الحزب، وخاصة المسيحيين وأنصار التيار الوطني الحر، الذي يرتبط الحزب معه بتحالف أسس له اتفاق "مار مخايل 2006". وكان البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي قد دعى في منتصف يوليو الماضي إلى إعلان لبنان دولة محايدة غير متورطة في النزاعات الإقليمية، في نقدٍ صريحٍ لربط حزب الله مصير لبنان بمشروع إيران في المنطقة.

وتدفع هذه الإعتبارت حزب الله إلى التراجع عن استهداف إسرائيل في هذه المرحلة، لما قد يجُرُّه ذلك من تداعيات داخلية أشد وطأة في تأثيرها على الحزب وقواعده، وخاصة بعد تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، حسب صحيفة "إسرائيل اليوم"، بتغيير المعادلة العسكرية والأمنية الحالية واتباع معادلة جديدة تقوم على استهداف وضرب البنى التحتية لدولة لبنان عند كل عملية للحزب تُلحِق ضرراً بالجنود والمواطنين الإسرائيليين.

2) حسابات إسرائيل بين التردُّد والخوف

رغم دفع المستوى العسكري إلى التوجه للحسم مع حزب الله، إلا أن هذا الأمر لا يُلاقي إجماعاً داخل إسرائيل، حتى بين العسكريين أنفسهم، حيث تذهب التقديرات إلى أن الجبهة الداخلية غير مهيأة لحرب واسعة النطاق مع حزب الله، والذي ستؤثر صواريخه على أكثر من مليوني نسمة من سكان المستوطنات والشمال الإسرائيلي، إذ تفتقر المنطقة للعدد الكافي من الملاجئ، كما أن نقل هذا الكم الكبير من السكان إلى وسط إسرائيل وجنوبها يحتاج لإمكانيات لوجستية لن تكون مُيسَّرة تحت وابل الصواريخ.

وتُشكِّك أوساط إسرائيلية بكفاءة الجيش الإسرائيلي وقدرته على إدارة معارك برية ناجحة، خاصةً أنه لم يُختَبَر بشكل فعال منذ عام 2006، ولا تعتبر حروبه في غزة مؤشراً على فعاليته نظراً لمحدودية القطاعات التي شاركت بها.

والأهم من ذلك، تُدرِك القيادات الإسرائيلية أن قرار الحرب يُحسَم في الولايات المتحدة، لا سيما أن سياسات النزاع باتت عالمية أكثر مما هي إقليمية، ورغم الاندفاع الظاهري للرئيس ترامب ضد إيران وحزب الله، إلا أنه لا يوجد حتى الآن ضوء أخضر أمريكي لإسرائيل للقيام بحرب شاملة ضد الحزب.

خلاصة واستنتاجات

ساهم انفجار ميناء بيروت في تراجع احتمالات وقوع صدام مسلح واسع النطاق بين حزب الله وإسرائيل، أو أجَّله إلى وقت آخر. وفي الغالب أن طرفيْ المواجهة سيجدان فرصة مناسبة لإعادة ترتيب أوراقهما، في ظل أزمات سياسية وأمنية يعانيان منها.

غير أنه، وإن كانت لا توجد مؤشرات نظرية قوية على بوادر اشتعال حربٍ جديدة في المنطقة، إلا أن احتمال نشوب مثل هذه الحرب يبقى ممكناً بصفتها تُشكِّل مخرجاً للأزمات السياسية وهروباً من الاستحقاقات التي ترتِّبها المرحلة على كلٍّ من القيادة الإسرائيلية وحزب الله، اللذين يشتركان، وهنا المفارقة، بوقوعهما تحت أزمات سياسية داخلية وخارجية ضاغِطة.

أحدث الإيجازات