حسابات التقارب في العلاقات المصرية-السودانية

مركز الإمارات للسياسات | 27 سبتمبر 2018

تشهد العلاقات المصرية-السودانية في الآونة الأخيرة حراكاً إيجابياً، بما يبشر بإمكانية حدوث انفراجة أطول مدى في العلاقات المتأرجحة دوماً بين البلدين. وشمل الحراك عدداً من الملفات الثنائية، غير أن الملمح الأهم هنا هو ارتباط هذا الحراك بسياق إقليمي أوسع كان له انعكاساته على حسابات كل طرف تجاه الآخر.

عوامل التقارب في العلاقات المصرية-السودانية

مثّلت زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الخرطوم في يوليو 2018، في أول رحلة خارجية له بعد إعادة انتخابه في رئاسة الجمهورية، تحولاً في مسار العلاقة بين البلدين، بحيث أسهمت في نزع التوتر الذي ساد العلاقة بين القاهرة والخرطوم في السنوات الأخيرة، وتبنّي سياسة التقارب بينهما.   

وتَمحور التفاعل الإيجابي الأخير بين البلدين حول العناصر الآتية:

الأول، إبعاد المعارضة السياسية؛ إذ يستضيف كلا البلدين عناصر من المعارضة السياسية للنظام الحاكم في البلد الآخر، ويعد هذا الملف أحد منغصات العلاقة بين النظامين. وشهد عام 2018 بعض الحراك في هذا الشأن؛ ففيما يتعلق بالمعارضة المصرية في السودان، تداولت وسائل الإعلام، في فبراير 2018، ما يُفيد قيام السودان بإنذار عدد من العناصر المصرية المنتمية لجماعة الإخوان المسلمين بمغادرة أراضيها. وعلى الرغم من نفي المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية المستشار أحمد أبوزيد حدوث إخطار رسمي من قبل السودان بهذا الأمر، وإنكار النظام السوداني بدوره وجود عناصر إخوانية معارضة للنظام المصري داخل أراضيه، إلا أن ذلك لا ينفي وجود تفاهمات متبادلة بين الطرفين بطرد عناصر المعارضة المقيمة لدى الطرف الآخر؛ وكان الحدث الأبرز في هذا السياق هو قيام سلطات مطار القاهرة في مطلع يوليو 2018 بمنع الصادق المهدي، قائد حزب الأمة السوداني، من دخول الأراضي المصرية عند عودته من برلين.

الثاني، تراجُع التوتر حول سد النهضة؛ فقد شهد هذا الملف انفراجةً نسبية بالنسبة لمصر على خلفية تعثُّر غير متوقع وغير ذات صلة بالمسار التفاوضي بين الأطراف الثلاثة، تَواكب مع تغيير القيادة السياسية في إثيوبيا، وتباطؤ وتيرة العمل في تشييد السد، وبروز مشكلات مالية وإدارية في تنفيذ المشروع. وبموازاة هذا التعثر في تنفيذ السد، أعلنت وزارة الكهرباء المصرية في 30 أغسطس الماضي عن انتهاء التصميمات الخاصة بمشروع تزويد السودان بالطاقة الكهربائية. وقد تؤدي هذه التطورات في المحصلة إلى خلق سياق جديد تتراجع خلاله حدة الخلافات بين البلدين في هذا الملف.

الثالث، تسكين النزاع الحدودي؛ فقد شهدت التفاعلات المتعلقة بالنزاع حول المثلث الحدودي في حلايب وشلاتين وأبو رماد بعض التصعيد من طرف مصر، وقامت السودان بتقديم الشكوى التقليدية إلى الأمم المتحدة، فضلاً عن التصعيد الإعلامي رداً على الخطوات المصرية، إضافة إلى سحب السفير السوداني من القاهرة في 4 يناير الماضي (والذي عاد بعد ذلك بشهرين). وبالرغم من توافق الطرفين على تسكين الملفات الخلافية عقب زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى القاهرة في مارس 2018، جاء قيام وزارة الإسكان المصرية في يونيو الماضي بالإعلان عن تشييد وحدات سكنية جديدة في المنطقة المتنازع عليها ليثير غضب الجانب السوداني. إلا أن زيارة الرئيس المصري السيسي إلى الخرطوم في يوليو 2018 انعكست في التهدئة الإعلامية بشأن الملف الحدودي، وتم الإعلان عن الترتيب لعقد اجتماع رباعي في نهاية سبتمبر الجاري، بمشاركة وزيري خارجية ورئيسي جهاز المخابرات في البلدين، لإعداد ملف يتم عرضه في اجتماع اللجنة العليا المشتركة بين البلدين أثناء زيارة الرئيس المصري إلى الخرطوم في شهر أكتوبر المقبل. وتسعى مصر إلى جذب التفاعلات بشأن الحدود إلى جوانب أخرى إيجابية تتجاوز النزاع حول مثلث حلايب، كبحث الربط بخطوط السكك الحديد بين البلدين لدعم وتسهيل عملية التجارة والتنقل.

الرابع، تجنُّب الصدام في الصراعات الإقليمية؛ فقد طرأت تطورات في الصراعات الإقليمية التي تتشابك فيها أدوار البلَدين؛ ففي جنوب السودان تم التوقيع على إعلان القاهرة في نوفمبر 2017، بين أطراف النزاع داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان، وذلك بمقر المخابرات العامة المصرية، ومن ناحية أخرى تمكنت الخرطوم في صيف 2018 من استضافة مفاوضات بين طرفَي النزاع، انتهت بتوقيع اتفاق للسلام. وفي ليبيا ارتد أثر التحسن الطارئ في العلاقات المصرية-السودانية في الملف الليبي؛ حيث كشف تقرير لصحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، في إبريل 2018، عن قيام وفد عسكري تابع لقوات خليفة حفتر بزيارة السودان وذلك بوساطة مصرية. وعلى صعيد آخر تمكّن جهاز المخابرات العامة السوداني، في نهاية شهر يوليو 2018، من تحرير عدد من الجنود المصريين المختطفين داخل الأراضي الليبية.

الخامس، تزايُد وتيرة مشاريع التنمية المشتركة؛ إذ تأتي التحركات على مستوى القطاعات التنموية في إطار تعميق المصالح بين البلدين؛ فقد عُقد في شهر أغسطس الماضي اجتماعات على مستويات كبار المسؤولين لبحث خطط التعاون في القطاع الدوائي والثروة الحيوانية والسمكية والزراعة والطاقة الكهربائية والنقل والتعليم العالي. وفي هذا السياق صادق السودان في الأسبوع الأول من سبتمبر الجاري على تخصيص مساحة مليونيّ متر مربع لمصر لإنشاء منطقة صناعية، بالرغم من تكرار الشكوى السودانية من عدم التزام القاهرة بتنفيذ اتفاقية الحريات الأربع لعام 2004، التي تمنح مواطني البلدين حقوقَ أو حريات التنقل المتبادل دون تأشيرة، والعمل والإقامة دون قيود، وكذلك تملّك الأراضي والعقارات.

حسابات الطرفين في إدارة العلاقات بينهما

تشير التطورات المشار إليها سابقاً إلى غلبة المنحى الإيجابي على علاقات البلدين خلال عام 2018؛ ولفهم آفاق التطورات الإيجابية في هذه العلاقات، واحتمالات استمرارها من عدمه، فإن ذلك يتطلب التعرف على حسابات كل طرف تجاه الآخر.

فبالنسبة إلى النظام في السودان، تتركز حساباته في الرغبة في رفع العزلة الدولية عنه من خلال الانفتاح الإقليمي، ومواجهة الأزمة الاقتصادية من خلال استفادة السودان من التعاون التنموي الذي تسعى مصر وحلفاؤها الإقليميون إلى الارتقاء به، عملاً على استرضاء السودان في عدد من الملفات الإقليمية الأخرى. فضلاً عن أن السودان يسعى عبر الانفتاح على مصر إلى تأكيد سياسته المتوازنة من خلال التقارب مع المحور المصري-السعودي-الإماراتي، مع الإبقاء على علاقات جيدة مع المحور القطري-التركي.

أما حسابات الجانب المصري، فتتمثل بسعي النظام المصري إلى الملاحقة الإقليمية للإسلاميين من خلال احتواء نظام الرئيس البشير، ومعالجة أحد نقاط الضعف الرئيسية لديها في المفاوضات الثلاثية المرتبطة بأزمة السد، وهو الموقف السوداني الداعم لوجهة النظر الإثيوبية. كما يأتي التقارب مع الخرطوم لدعم استراتيجية التوجه جنوباً وتطوير العلاقات مع الدول الأفريقية، ولتحييد المخاطر التي قد يتسبب فيها السلوك السوداني على المصالح المصرية في أمن البحر الأحمر، وفي مقدمة ذلك الوجود التركي المرتقب في جزيرة سواكن، فضلاً عن شروع قطر في تطوير ميناءي سواكن وبورتسودان.

من المرجح أن يتعزز التقارب الحادث بين مصر والسودان بالمزيد من الخطوات المهمة، نظراً إلى أنه يخدم مصلحة البلدين المباشرة، فضلاً عن مصالحهما الإقليمية، لاسيما في منطقة شرق أفريقيا، غير أن هذا التقارب لن يبلغ مداه إلى درجة تسوية أغلب القضايا الخلافية ونمو حجم المصالح المشتركة، وسيشهد قدراً من المناورة الضرورية بالنسبة للطرفين، لاسيّما مع تشابك الملفات، فضلاً عن الوقت اللازم لتجاوز تأثير الموروث السلبي للعلاقة وبناء جسور من الثقة.

 

أحدث الإيجازات