صُمِّم النظام السياسي الأمريكي، بحيث لا يكون هناك تركُّز للسلطة في يد الرئيس أو الكونجرس، وقيَّد الدستور سلطتهما عبر إعطاء كل منهما صلاحيات واسعة للرقابة على الآخر، وقمعه إذا ما تمادى في استخدام تلك الصلاحيات. ولهذا، وزَّع الدستور السلطات بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية على نحو لا يسمح لأي منهما بالانفراد بعملية صنع القرار الأمريكي الداخلي والخارجي. فالعلاقة بينهما لا تقوم على الفصل بين السلطات فقط، وإنما هي علاقة مؤسسات منفصلة تتقاسم السلطات.

بيد أن سيطرة أيٍّ من الحزبين، الديمقراطي أو الجمهوري، على السلطتين التشريعية (مجلسي النواب والشيوخ) والسلطة التنفيذية (الرئاسة) يثير التساؤل حول ما إذا كان ذلك سيمنحه الفرصة لإحداث تغييرات واسعة لا تتوافق مع رؤية الحزب الآخر، لا سيما في حالة الاستقطاب الحزبي والسياسي المحتدمة التي تشهدها الولايات المتحدة راهناً. ولهذا تظل انتخابات الكونجرس التي تجري بموازاة الانتخابات الرئاسية شديدة الأهمية، إذ قد تسفر نتائجها عن مجلس تشريعي له أن يعوق سياسات الرئيس أو يدعمها.

وتاريخياً، لم يكُن أداء الحزب المسيطر على البيت الأبيض جيداً في أول انتخابات نصفية له. فعلى سبيل المثال، تولى الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون منصبه في مطلع عام 1993 وتمتَّع الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي الكونجرس، لكنهم خسروها في انتخابات التجديد النصفي في أواخر عام 1994. كما تولي باراك أوباما سدة الحكم في مطلع عام 2009، في ظل سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس بمجلسيه، لكن انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في أواخر عام 2010 شهدت فوز الجمهوريين بالأغلبية في مجلس النواب.

وفي الانتخابات التي أجريت في 3 نوفمبر الماضي فاز الديمقراطيون بالرئاسة وبالأغلبية في مجلس النواب، حيث يمتلك الديمقراطيين 221 نائباً مقابل 211 نائباً للجمهوريين، وفي مجلس الشيوخ أيضاً فازوا بالأغلبية بعد فوز مرشحيهما في انتخابات الإعادة بولاية جورجيا في 5 يناير الجاري. فرغم انقسام الأغلبية في الأخير بين الحزبين بنسبة 50:50، فإن نائبة الرئيس، كامالا هاريس، تمتلك حق التصويت المرجح في حالة تعادل الأصوات، وستُصوِّت بطبيعة الحال لصالح الديمقراطيين.

وتحمل سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس بمجلسيه (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) فرصة للرئيس جو بايدن لتنفيذ أجندته السياسية والتشريعية حتى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2022، التي قد تُحدِث تحولاً في تركيبه الكونجرس، لكنها لا تخلو في الوقت ذاته من تحديات للرئيس الأمريكي الجديد.

دفْع أجندة بايدن

ستسمح سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونجرس بتسريع عملية تصديق مجلس الشيوخ على ترشيحات الرئيس جو بايدن للوزارات الأمريكية والتعيينات السياسية رفيعة المستوي، والمقاعد الشاغرة في المحاكم الفيدرالية. وكان الأمر سيكون أكثر صعوبة في حال سيطرة الجمهوريين على المجلس، والذي كان من المتوقع أن يؤخر العديد من الترشيحات في إدارة بايدن. وسيمكن سرعة تصديق مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الديمقراطية على تعيينات الرئيس جو بايدن لمناصب عليا في إدارته من تعامله منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض مع التحديدات وإرث ترامب داخلياً وخارجياً، ومن تحقيق إنجازات كبيرة خلال أول مائة يوم له في البيت الأبيض.

ويساعد الكونجرس ذو الأغلبية الديمقراطية على دفع أجندة بايدن التشريعية للتعامل مع التحديات الداخلية، والتي يتقدمها منح شيكات تحفيز بقيمة 2000 دولار إلى المواطنين الأمريكيين المتضررين من جائحة كوفيد-19، وإعانات البطالة الموسعة والمساعدة لحكومات الولايات والحكومات المحلية وإغاثة إضافية للشركات والمشروعات الصغيرة.

ويمكن الكونجرس الحالي الرئيس بايدن من تمرير العديد من مقارباته لقضايا السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما تجاه تغير المناخ، وعودة الولايات المتحدة لدورها القيادي في النظام الدولي ومؤسساته التي أسستها واشنطن في أعقاب نهاية العالمية الثانية، لا سيما بعد إعلان عديد من المشرعين الجمهوريين بمجلسي الكونجرس عن تطلعهم إلى العمل مع الرئيس جو بايدن، واتفاق رؤيتهم مع رؤية إدارة بايدن للتعامل مع التحديدات الخارجية. وقد تجلى ذلك في اتفاق أنتوني بلينكن، الذي عمل لعقود مستشاراً لبايدن في شؤون السياسة الخارجية، خلال جلسة الاستماع للتصديق على تعيينه في منصب وزير الخارجية الأمريكي بمجلس الشيوخ مع رؤى الحزب الجمهوري والمشرعين حول مقارباتهم لقضايا السياسة الخارجية، لا سيما تبنّي سياسة متشددة تجاه الصين وروسيا، والتحدي المتزايد الذي تشكله القوتين الصاعدتين بالنسبة للولايات المتحدة. ولكن الخلاف بين إدارة بايدن والجمهوريين سيكون حول السياسة الأمريكية تجاه إيران.

بيد أن انقسام الأغلبية في مجلس الشيوخ بين الديمقراطيين والجمهوريين، سيفرض على الرئيس بايدن ضرورة التوصل مع الجمهوريين إلى تسوية معهم لإنجاز أي شيء جوهري، ما يضطر كثير من تشريعاته الطموحة إلى الانتظار لبعض الوقت. وستُمكِّن خبرة الرئيس بالمجلس لعقود، وعلاقاته الطيبة مع كثير من المشرعين الجمهوريين، من سهولة التواصل مع القيادات الجمهورية بالمجلس، والتوصل إلى تسويات لتنفيذ أجندته التشريعية.

تحديات أمام بايدن

على الرغم من أن الأغلبية الديمقراطية بالكونجرس تُمكِّن الرئيس جو بايدن من تنفيذ أجندته السياسية والتشريعية خلال عامي 2021-2022، فإنه يواجه تحديات عدة داخل مجلس الشيوخ، والتي قد تقوِّض فرص الديمقراطيين بالمجلس لتمرير الأولويات التشريعية للإدارة الأمريكية، والتي تتمثل أبرزها في الآتي:

1. انشغال مجلس الشيوخ بقضية عزل الرئيس السابق دونالد ترامب للمرة الثانية، بتهمة التحريض على التمرد، بعد اقتحام مناصريه مبني الكونجرس في 6 يناير الجاري، بعد نقل لائحة الاتهام من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ، والتي من شأنها تعطيل مناقشة الأخير الأجندة التشريعية للرئيس ترامب. وللتعامل مع هذا التحدي طرح الديمقراطيون وبايدن فكرة أن بإمكان مجلس الشيوخ التصويت على الترشيحات والتشريعات في الصباح ثم إجراء محاكمة ترامب بعد الظهر، ولكن هذا الأمر وفق عديد من المشرعين يصعب تحقيقه.

وللتعامل مع تلك الإشكالية اُقترح ألا تتم مناقشة قضية عزل ترامب بالمجلس إلا بعد أسبوعين من تسليم لائحة الاتهام من مجلس النواب، لتبدأ في 8 فبراير المقبل، الأمر الذي لا يجعل المحاكمة تسيطر على جلسات مجلس الشيوخ في بداية ولاية الرئيس جو بايدن. وبهذه الطريقة يمكن للمجلس عقد جلساته للتصديق على تعيينات إدارة بايدن والانتهاء منها قبل الشروع في محاكمة الرئيس السابق.

2. انقسام الأغلبية بين الجمهوريين والديمقراطيين بمجلس الشيوخ (50:50). فعلى الرغم من تمتع الديمقراطيين بالأغلبية في المجلس، فإن الجمهوريين لا يزالون يسيطرون على العديد من لجان مجلس الشيوخ. وحتى الآن لم يتوصل زعيم الأغلبية الديمقراطية، تشاك شومر، وزعيم الأقلية الجمهورية، ميتش ماكونيل، إلى صفقة محتملة لتقاسم السلطة لتيسير العمليات اليومية بالمجلس على غرار ما تم التوصل إليه قبل عقدين. وما يُعقّد إمكانية التوصل إلى الصفقة طلب ماكونيل الحفاظ على القواعد التي تتطلب أغلبية 60 صوتاً لتجاوز التعطيل التشريعي (Filibuster)، وهو تكتيك يستخدمه أعضاء المجلس لإيقاف أو تأخير التصويت على التشريع يختلف الحزبين بشأنه.

3. إشكالية تجاوز التعطيل التشريعي، الذي يسمح لحزب الأقلية بطلب الحديث لساعات وأيام بلا انقطاع كطريقة لتعطيل النظر في التشريعات التي لا تروق له، وهو الأمر الذي يقف في طريق تمرير العديد من أولويات بايدن والديمقراطيين التشريعية. ولتجاوز هذا التكتيك سيحتاج الديمقراطيين، في حال اتفاقهم جمعياً على التشريع، إلى 10 أعضاء جمهوريين على الأقل لتمرير أجندتهم التشريعية. وكثيراً ما يُعارض الجمهوريين مقاربات الديمقراطيين للقضايا الداخلية.

ولتجاوز التعطيل التشريعي قد يلجأ الحزب إلى تكتيك يعرف باسم تسوية الميزانية Budget Reconciliation لتمرير أجزاء من أجندة الرئيس بايدن إذا رفض الجمهوريون دعم خطط بايدن. وسبق للحزب الجمهوري استخدام هذا التكتيك الذي سمح لأعضاء مجلس الشيوخ بالموافقة على بعض قوانين الضرائب والإنفاق بأغلبية بسيطة، وتجاوز عتبة 60 صوتاً اللازمة لمعظم التشريعات، بينما كان الرئيس ترامب في منصبه.

ويشجع انقسام الأغلبية داخل مجلس الشيوخ الجمهوريين على عرقلة أجندة الديمقراطيين قدر الإمكان، وعدم اهتمامهم بإبرام الصفقات مع بايدن، مُفضلين انتظار نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2022، واحتمالات استعادة أغلبية أحد مجلسي الكونجرس أو كليهما.

4. اتفاق كل المشرعين الديمقراطيين بمجلس الشيوخ على أجندة بايدن التشريعية، إذ إن انقسام الأغلبية بالمجلس تتطلب من جميع المشرعين الديمقراطيين أن يصوتوا مع الحزب لضمان تصويت هاريس المرجح، لكن بعض الأعضاء الديمقراطيين بالمجلس قالوا إنهم لن يصوتوا مع الحزب على جميع مقترحاته التشريعية، بما في ذلك القضاء على التعطيل التشريعي.

خلاصة

إن فوز الديمقراطيين بالرئاسة وبالأغلبية في مجلسي الكونجرس بعد عقدٍ من فوزهم بالرئاسة والكونجرس بين عامي 2008 و2010، لا يعني أن الطريق أمام الرئيس جو بايدن بات مُمهداً لتنفيذ أجندته السياسية والتشريعية حتى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقبلة في نوفمبر 2022، لاسيما مع بداية استعداد الحزب الجمهوري لها من الآن، حيث بدأ بالفعل في عملية اختيار منافسيه.

أحدث الإيجازات