تجميد مفاوضات سد النهضة: التداعيات وخيارات التسوية

مركز الإمارات للسياسات | 02 مايو 2018

بعد مسيرة تفاوضية ناهزت الأعوام السبعة، لا تزال أزمة سد النهضة تراوح مكانها؛ فقد أعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري عن تعثر المفاوضات، بينما ألقت إثيوبيا باللائمة على مصر، بدعوى تمسكها بحقوق مائية تعود إلى الإرث الاستعماري، فيما يُمسك السودان بالعصا من المنتصف، مؤكداً دعمه لإنشاء السد، دون الإضرار بالمصالح المصرية.

وفي خضم هذه المواقف المتباينة يثور التساؤل بشأن مخاطر تجميد المفاوضات، والخيارات المتاحة للوصول إلى تسوية عادلة ومقبولة من أطراف الأزمة.  

فلسفة المفاوضات وأساليب إدارتها

مرّ المسار التفاوضي بمراحل ثلاث، هي: اللجنة الثلاثية (مايو2011)، وخارطة الطريق (سبتمبر2014)، واتفاق إعلان المبادئ (مارس 2015). واستهدفت المفاوضات الوصول إلى صيغة توافقية بشأن المواصفات الفنية للسد، وجدواه الاقتصادية، وآثاره الاجتماعية والبيئية.

فضَّل أطراف الأزمة خوض مفاوضات مباشرة، دون الاستعانة بوسطاء خارجيين. لكنْ ظل هناك تناقض في فلسفة التفاوض، والرؤى المطروحة للتسوية. فانطلقت إثيوبيا من قناعة بأن النيل هو نهر "عابر للحدود"، وأنها تتمتع بحقوق سيادية عليه، بما يسوغ لها بناء السد، كخيار استراتيجي، بالمواصفات التي تحددها، وهي الرؤية التي تكاد تشاركها فيها السودان. أما مصر فترى أن النيل يعد "نهراً دولياً"، تحكمه قاعدة الملْكية المشتركة، بما يُلزم إثيوبيا بالمحافظة على الحقوق المائية المصرية.

من جانبها، أكدت دول منابع النيل – باستثناء إريتريا – الحقَّ الإثيوبي في الاستفادة من موارد النهر لأغراض الزراعة وتوليد الطاقة، دون السعي للإضرار بمصالح دول المصبّ، وأن السد سوف يدعم التنمية بحوض النيل. وبالفعل وقّعت كينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي والسودان اتفاقات لاستيراد الكهرباء من إثيوبيا. وبالمثل فعلت جيبوتي، وربما اليمن مستقبلاً.

حرص المفاوض الإثيوبي على الاحتفاظ بزمام المبادرة، وتأكيد حق بلاده في الانطلاق على طريق التنمية والتصنيع وجذب الاستثمار الأجنبي، مع عدم الإضرار بمصالح شركائها في نهر النيل، مُتوّجاً ذلك بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ في مارس 2015، الذي تعهدت خلاله إثيوبيا باحترام نتائج الدراسات المزمع إجراؤها من خلال مكتبين فرنسيين، بشأن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للسد، والتزامها بالتنسيق مع مصر والسودان بخصوص الملء الأول لبحيرة السد وقواعد التشغيل، وتقديم التعويض المناسب للأطراف المتضررة لدى حدوث ضرر ذي شأن. 

أما المفاوض المصري، فقد ركز على إثبات حسن النوايا وبناء الثقة مع إثيوبيا، بتأكيد عدم الممانعة في إنشاء السد، بشرط تعديل مواصفاته، بما يحدّ من آثاره السلبية المحتملة، وذلك بتقليل حجم بحيرة السد من 74 مليار م3 إلى 14.5 مليار م3، ومدّ أجَل التخزين من ثلاثة أعوام إلى سبعة أعوام، وزيادة عدد الفتحات بجسم السد، لتأمين تدفق المياه إلى مصر.

في حين حافظ المفاوض السوداني على الموازنة بين عدم الإضرار بمصر، والاستفادة من مزايا السد، وأهمها: تجنب خطر الفيضان، وإطالة العمر الافتراضي لسد الروصيرص، وسدّ 40% من العجز في إمدادات الطاقة بالسودان.

نتائج المفاوضات والتداعيات المحتملة

لم تُسفر المفاوضات عن الوصول إلى صيغ توافقية حقيقية بين أطرافها. فلم يتم التوافق بشأن حجم التخزين، وعدد سنواته. وظل هناك نوع من الغموض بشأن قواعد التشغيل، وتوقيت الملء الأول للسد. كما تحفظت إثيوبيا والسودان على التقرير الاستهلالي الذي قدّمه المكتبان الفرنسيان بشأن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للسد، في نوفمبر2017، بينما قبلت مصر بهذا التقرير. لذا طالبت مصر بإدخال البنك الدولي على خط الوساطة، لكن إثيوبيا رفضت ذلك المقترح، مفضلةً استمرار المفاوضات المباشرة من دون وسطاء، وهو ما زاد من المخاوف المصرية، رسمياً وشعبياً، بالتزامن مع ثلاثة عوامل أساسية، هي:

  • إرجاء المفاوضات نتيجة لاستقالة رئيس الوزراء الإثيوبي هيلا ميريام ديسالين في فبراير 2018، واستمرار ذلك حتى تم إسناد المنصب إلى آبي أحمد علي في أواخر شهر مارس.
  • تواتُر التقارير بشأن التقدم في الأعمال الإنشائية بالسد، ليبلغ نحو 70% حتى أبريل 2018.
  • التوتر الذي اكتنف العلاقات المصرية-السودانية، على خلفية مشكلة حلايب وغيرها، رغم محاولات القيادة السياسية في الدولتين وضع العلاقات في مسارها الصحيح.

في هذا السياق، تزداد احتمالات تجمُد المسار التفاوضي، وهو ما يُنذر بحدوث عدد من التداعيات هي:

  • انتكاس السياسة المائية المصرية، نتيجة لسقوط البُعد الاستراتيجي القائم على أساس ضمان تدفق مياه النيل إلى مصر بشكل آمن ومنتظم طوال العام.
  • تهديد السِّلم الاجتماعي بمصر نتيجة للنزاعات المحتملة بين المصريين أنفسهم، بشأن أولوية ري الأراضي، وتوزيع المياه على الاستخدامات المختلفة.
  • تمكُن إثيوبيا من ترجمة قوتها المائية إلى قوة سياسية، بما يمنحها دوراً وازناً في التفاعلات السياسية في منطقة حوض النيل، على غرار دورها المؤثّر في القرن الأفريقي.
  • تدهور العلاقات بين مصر ودول منابع النيل، بما يقلل من فرص تعاونها مستقبلاً، ويُزيد من عزلة مصر داخل إقليم حوض النيل.

خيارات التسوية

في ظل تعثُّر المفاوضات، واقتراب موعد ملء السد وتشغيله التجريبي، تتبدى ضرورة تبني مسارات جديدة، بهدف الوصول إلى تسوية مقبولة بين أطراف الأزمة، بالتوازي مع الارتقاء بمستوى المفاوضين من المستوى الوزاري إلى مستوى رؤساء الدول والحكومات، ومن أهم هذه المسارات:

  • طرح مبادرة سياسية شاملة تقوم على مبدأ "الطاقة مقابل المياه"، بحيث يكون لإثيوبيا حق زيادة قدراتها من الطاقة، بشرط الاعتراف بالحصة المائية المصرية، وقدرها 55.5 مليار م3 سنوياً.
  • تقديم حوافز مصرية لإثيوبيا، بهدف تعديل مواصفات السد، مثل عرض مشاركة مصر في تمويل السد، أو شراء مصر للكهرباء المتولدة منه، وكذا تصدير الغاز الطبيعي المصري المسال إلى إثيوبيا. 
  • تقديم تعويضات إثيوبية لمصر في حال استمرار تشييد السد بمواصفاته المعلنة، وأهمها مساندة إثيوبيا للمطالب المصرية بتدشين مشروعات استقطاب الفواقد المائية في جنوب السودان، وبخاصة أن مصر تعاني عجزاً مائياً فعلياً، حتى من دون إنشاء السد؛ وهو ما دفعها مؤخراً إلى انتهاج سياسة تقوم على تقليص المساحات المزروعة بالمحاصيل كثيفة استهلاك المياه، وخاصة الأرز وقصب السكر.
  • إدخال أطراف إقليمية ودولية على خط الوساطة، أهمها: السعودية والإمارات والكويت، باعتبارها من أهم شركاء التجارة والاستثمار مع إثيوبيا، إضافة إلى فرنسا وألمانيا اللتين تتمسكان بالقانون الدولي والخيارات التعاونية لدى تسوية منازعات الأنهار الدولية.

وختاماً، فإن تأزم المسار التفاوضي لا يعني استحالة الوصول إلى تسوية سلمية؛ فهذا أمر توجبه اعتبارات الرشادة لدى صناع القرار بالدول المعنية، كما أن القوى الدولية لن تسمح – على الأغلب – بتدهور الأوضاع في حوض النيل، بما يؤثّر في الاستقرار الأمني والاستثمارات في الإقليم، فضلاً عن أن الإجراءات القسرية (العسكرية وغيرها)، التي تتردد عبر الأوساط الإعلامية لن توفر حلاً ناجعاً للأزمة. وبالتالي، فمن المرجح أن يتم إنجاز تسوية سياسية شاملة، بوساطة إقليمية أو دولية، اعتماداً على فكرة الحلول الوسط، والتنازلات المتبادلة، والتعويضات؛ فهذا الأمر ستكون تكلفته أقل من خيار الصدام المباشر بين مصر وإثيوبيا، أو خيار إعمال الآليات القانونية، وخاصة أن إعلان المبادئ لا يتضمن بنداً يُتيح اللجوء إلى التحكيم أو القضاء الدوليَّين لتسوية النزاع.

 

أحدث الإيجازات