في أغسطس 2020 خرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى وسائل الإعلام معلناً أن بلاده أصبحت أول دولة في العالم تُعطي موافقتها للقاح لفيروس كورونا بعد اختباره على بشر[1]، وهي خطوة أرادت لها موسكو أن تكون تاريخية على النحو ذاته الذي شهده الإتحاد السوفياتي في العام 1957، عندما كان أول دولة تطلق قمراً صناعياً في العالم وأطلقت اسم "سبوتنيك 1"، وهو الاسم نفسه الذي حمله اللقاح الجديد "سبوتنيك 5"، في تجلٍ سياسي واضح يدل على أن طرح اللقاح الروسي يتجاوز السعي لتطويق الأزمة الوبائية نحو إعادة إنتاج "رموز الفخّر الوطني"، باعتبارها جزءاً من السياسات الخارجية للدولة الروسية ومشاريعها التوسعية الناعمة.

ترصد هذه الورقة مؤشرات تعزيز روسيا نفوذها الاستراتيجي، عبر ما أصبح يُعرَف بــ "دبلوماسية اللقاحات"، من خلال التركيز على حالة القارة الأفريقية، ودوافع هذا الدبلوماسية والتحديات التي تعترضها هناك.

الخلفية والمؤشرات

بدا واضحاً منذ طرح اللقاح الروسي، والدعاية الروسية الواسعة سياسياً وإعلامياً التي حفت بهذا الحدث، أن موسكو تحاول استغلال ما سماه الرئيس بوتين بـــ" لحظة سبوتنيك 5" ضمن سياستها الخارجية، خاصة أن ذلك جاء في أعقاب شهور عصيبة مرَّ بها العالم شهدنا خلالها صراعاً دولياً حول الأقنعة ومواد التعقيم وصل حد الاستيلاء عليها بين الدول[2]، وضعفاً واضحاً في مستوى التضامن العالمي[3]. لذلك، سعت روسيا منذ إنتاج اللقاح سبوتنيك إلى استغلال الفراغات في خارطة توزيع اللقاحات في العالم، حيث تأخرت الإمدادات في الكثير من المناطق ذات الدخل المحدود، ما سبَّب تصاعُداً في نزعات "قومية اللقاحات"[4]، وتوجهت موسكو لملء هذه الفراغات في أوروبا الشرقية والبلقان والقارة الأفريقية، خاصة أن لروسيا سوابق في هذا المجال، بعد أن طرحت في العام 2019 لقاحاً لعلاج حمى الإيبولا، والذي أظهر فعالية بنسبة 100% خلال الاختبارات في أعقاب أزمة الإيبولا في غرب القارة[5].

ومن مؤشرات السعي الروسي لتعزيز النفوذ في أفريقيا عبر لقاح "سبوتنيك 5"، الآتي:

  • في 19 فبراير الماضي قال المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض، إن روسيا قدمت 300 مليون جرعة من لقاح سبوتنيك للدول الأفريقية. واقترحت روسيا حزمة تمويل لفريق العمل المعني بالحصول على اللقاحات في أفريقيا بقيادة الاتحاد الأفريقي، حيث ستمكن الجرعات الإضافية القارة من التطعيم المستهدف لـ 60% من سكانها[6].
  • إلى حدود 30 مارس الماضي، أعلن صندوق الاستثمار المباشر الروسي (RDIF)، وهو صندوق الثروة السيادية الروسي، عن الموافقة على لقاح سبوتنيك 5 في 58 دولة على مستوى العالم، بإجمالي عدد سكان يزيد عن 1.5 مليار شخص[7]، من بينها 15 دولة أفريقية وهي: الجزائر، وجمهورية غينيا، وتونس، والغابون، وغانا، ومصر، وأنغولا، وجمهورية الكونغو، وجيبوتي، وكينيا، والمغرب، والكاميرون، وسيشل، وموريشيوس، ومالي.
  • في 9 مارس الماضي، نجحت تونس في جلب أول دفعة للقاح ضد فيروس كورونا من روسيا، وذلك بعد انتظار طويل لبقية أنواع اللقاحات، حسمه اتصال هاتفي بين رئيس الحكومة هشام المشيشي وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، "شدّد خلاله الطرفان على ضرورة تكثيف الجهود والتعاون المثمر فيما يخص محاربة انتشار فيروس كورونا، واتفق الجانبان على التسريع في تواريخ تسليم طلبيات تونس من لقاحات سبوتنيك والمقدرة بمليون" جرعة[8].
  • منذ فبراير الماضي دخلت روسيا في مباحثات مع عدد من الدول الأفريقية حول منحها تراخيص لتصنيع لقاح سبوتنيك محلياً، وعلى رأسها الجزائر التي كانت أول دولة أفريقية تعتمد اللقاح الروسي منذ ديسمبر 2020. كما أعلنت موسكو عن استعدادها لتقديم التكنولوجيا الخاصة بتصنيع سبوتنيك لمصر، التي تمتلك قاعدة إنتاجية مناسبة[9].

الأهداف

أخذت روسيا في استخدام لقاح "سبوتنيك 5"، ضمن أدوات سياستها الخارجية تجاه القارة الأفريقية، وفي إطار حزمة واسعة من الأدوات المتنوعة الأهداف، والتي يمكن حصرها في الآتي:

  • هدف اقتصادي؛ حيث تشكل أفريقيا سوقاً واسعاً يمكن أن تستوعب كميات كبيرة من اللقاح الروسي. وبالفعل، نجحت موسكو في بيع 300 مليون جرعة، في أكبر عملية توريد أجنبي خلال الأزمة الصحية في العالم، ويبدو أن تأخُّر اللقاحات الغربية سيجعل هذه السوق تزدهر أكثر بالنسبة للروس.
  • هدف استراتيجي؛ حيث يمكن أن يساعد اللقاح في تعزيز العودة الروسية نحو أفريقيا، التي بدأت منذ العام 2014،[10] وكذلك في إبراز قوة موسكو على المسرح العالمي، إذ ترتكز سياسة الرئيس فلاديمير بوتين منذ وصله السلطة في العام 2000 على إعادة نفوذ روسيا في المناطق التي كان الاتحاد السوفيتي حاضراً فيها بقوة، ومن بينها مناطق واسعة من أفريقيا ودولها، التي كانت تحكمها حكومات اشتراكية وشيوعية، خلال حقبة ما بعد الاستعمار.

التحديات

رغم ذلك، لا يبدو الطريق أمام موسكو لتعزيز نفوذها في أفريقيا من خلال لقاح "سبوتنيك 5" مفروشاً بالورود، حيث تواجه الكثير من التحديات، بعضها يتعلق بطبيعة اللقاح نفسه، وبعضها الآخر يتعلق بما تُثيره بقية القوى الدولية على الساحة، وذلك على النحو المُبيَّن أدناه:

أولاً، التحدي المُتعلِّق بلقاح سبوتنيك نفسه وما أُثير حوله من جدل طبي، خاصة على وسائل الإعلام الغربية، الأوروبية والأمريكية، والقلق بشأن عدم وجود بيانات بحثية منشورة حول سلامة اللقاح الروسي وفعاليته، على الرغم من تأكيدات الدورية العلمية البريطانية "ذي لانست"[11]  لفعاليته التي تتجاوز 91%. وهناك أيضاً التحدي المتصل بسعر اللقاح، إذ يقوِّض سعر الجرعة الواحدة منه البالغ 9.75 دولاراً، حجة موسكو القائلة بأنها تقدم أسعاراً أفضل قياساً لسعر بعض اللقاحات الأخرى التي وافق عليها الاتحاد الأفريقي مثل أكسفورد/أسترا زينيكا ونوفافاكس غابس، التي صنَّعها معهد سيروم في الهند، والتي يناهز سعرها 3 دولارات للجرعة، إذ ستكون الفاتورة باهظة بالنسبة للــ 300 مليون جرعة من لقاح سبوتنيك المطلوبة في القارة[12].

ثانياً، تواجه موسكو تحدياً أكبر من الناحية الموضوعية؛ فهي ليست اللاعب الوحيد في القارة الأفريقية، والتي أصبحت منذ وقت طويل ساحة صراع استراتيجي بين عدد من القوى الدولية والإقليمية التقليدية والصاعدة. فمن جهة، لم تنسحب الولايات المتحدة تماماً من القارة، وعلى الرغم من سياسات ترامب المحدودة إلا أن بايدن أعلن منذ وصوله البيت الأبيض عن عودة مرتقبة لواشنطن نحو أفريقيا. وكذلك تلعب الصين دوراً هو الأبرز دولياً على جميع المستويات، وخاصة الاقتصادية منها، بل تتفوق على روسيا في ديبلوماسية اللقاحات، حيث نجحت في ملء الفراغ ووزعت لقاحها الخاص بكورونا من خلال صفقات تجارية، وعبر حملة مساعدات. كما نجد لاعباً تقليدياً في القارة، وخاصة في غربها وشمالها، وهي فرنسا، التي وإن تراجع نفوذها كثيراً خلال العقود الأخيرة إلا أنها ما زالت تحتفظ بنفوذ سياسي وحضور عسكري في عدد من دول القارة. وقد عبَّر الرئيس الفرنسي صراحة عن ضيقه من نشاط موسكو في أفريقيا، واستعمالها للقاح أداةً سياسية[13]. كما يوجد نشاط قوي داخل القارة للقوى الصاعدة إقليمياً مثل دولة الإمارات وتركيا.

خلاصة واستنتاجات

منذ أن طرحت روسيا لقاح "سبوتنيك 5" في صيف 2020 بدا واضحاً أن أهدافها تتجاوز الدوافع الصحية التي فرضتها الأزمة الوبائية؛ فقد سعت موسكو منذ إنتاج اللقاح إلى استغلال الفراغات في الخارطة العالمية لتوزيع اللقاحات، وتأخُّر الإمدادات في الكثير من المناطق ذات الدخل المحدود، وعلى رأسها القارة الأفريقية. ومنذ بداية العام الحالي دخلت موسكو في "دبلوماسية لقاحات" نشطة بعد أن قدمت 300 مليون جرعة من لقاحها للدول الأفريقية. وإلى حدود 30 مارس الماضي، أعلن صندوق الاستثمار المباشر الروسي عن الموافقة على لقاح سبوتنيك 5 في 15 دولة على المستوى الأفريقي.

وتحاول موسكو من خلال هذه الدبلوماسية النشطة تحقيق أهداف اقتصادية بعد ضمان أكبر عملية توريد أجنبي للقاحات خلال الأزمة الصحية في العالم، ويبدو أن تأخُّر اللقاحات الغربية سيجعل هذه السوق الأفريقية تزدهر أكثر بالنسبة للروس. ومن الناحية الاستراتيجية، يُمكِن للقاح سبوتنيك أن يساعد في تعزيز العودة الروسية نحو أفريقيا، وإبراز قوة موسكو على المسرح العالمي، لكن روسيا تواجه في غمار هذا المسعى تحديات تتعلق بالسلامة والفعالية، وكذلك بالسعر المرتفع للقاح قياساً لبعض اللقاحات الأخرى، فضلاً عن التحديات الاستراتيجية الأخرى المتصلة بوجود منافسين في الساحة الأفريقية، أبرزهم الصين وفرنسا.

الهوامش

[1] Putin hails new Sputnik moment as Russia is first to approve a COVID-19 vaccine, August 11, 2020. https://www.reuters.com/article/us-health-0-russia-vaccine-put-idUSKCN25712U

[3] Does the COVID-19 pandemic threaten global solidarity? https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0305750X20304848

[5] Russia ready to supply Ebola vaccine to Africa, https://tass.com/science/1084757  

[12] Africa will pay more for Russian Covid vaccine than ‘western’ jabs, https://www.ft.com/content/ffe40c7d-c418-4a93-a202-5ee996434de7

أحدث الإيجازات