أزمة الاقتصاد التركي: التشاؤم سيُّد الموقف

مركز الإمارات للسياسات | 09 ديسمبر 2020

ما يزال الاقتصاد التركي يُراوح أزمته التي تعمَّقت هذا العام، فقد استهل شهر نوفمبر 2020 بتدهور سريع في سعر الليرة التركية بسبب إبقاء البنك المركزي على سعر الفائدة خلال شهر أكتوبر السابق دون تغيير، حتى وصل سعر الليرة إلى 8.58 ليرات للدولار. لكن مع تغيير محافظ البنك المركزي وإعلان المحافظ الجديد العودة إلى السياسات التقليدية ورفعه سعر الفائدة، وإقالة وزير المالية برات البيرق، وحديث الرئيس رجب طيب أردوغان عن "تجرع الدواء المرّ من أجل إنقاذ الاقتصاد التركي" تحسَّنَ سعر الليرة بشكل سريع في ظل هذه الأجواء الإيجابية، وعاد التفاؤل في الحصول على استثمارات أجنبية من جديد.

بيد أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، السلبية عن تركيا بشأن صواريخ "أس-400" الروسية، واحتمال فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على تركيا في قمته المقررة في 10 ديسمبر، وتراجع الرئيس أردوغان بعد ذلك عن إجراء الإصلاحات المطلوبة بضغط من شريكه القومي، أعادت أجواء التخبط والتذبذب من جديد. ورغم التحسُّن الطفيف الذي شهده الاقتصاد التركي في هذه المرحلة إلا أن عودة إجراءات الإغلاق بسبب جائحة كورونا التي تمنع الانضباط في الانفاق المالي، تُهدِّد بعودة أجواء الأزمة الحادة في تركيا بعد شهرين.

قرارات البنك المركزي ووزارة المالية

بشكل مفاجئ أقال الرئيس أردوغان مؤخراً محافظ البنك المركزي أويصال وعيَّن مكانه وزير المالية السابق ناجي أغبال، ويتميز أغبال بخلفيته بالعمل كبيروقراطي في البنوك والوسط المالي، وكذلك توليه وزارة المالية سابقاً في تركيا، وهو مستشار الرئيس أردوغان للشؤون الاستراتيجية والموازنات، لذا فإن الرجل يحظى باحترام بين أوساط الاقتصاد التي رأت في اختياره رغبةً حقيقية في العودة إلى السياسات المالية التقليدية، وفور توليه منصبه أعلن أنه سيلتزم بالسياسات المالية العالمية.

وبعد ذلك جاءت استقالة أو إقالة وزير المالية برات البيرق صهر الرئيس أردوغان في 8 نوفمبر الفائت، ليحل محله نائب رئيس الوزراء السابق في حكومة أحمد داود أوغلو، لطفي علوان الذي استلم سابقاً أيضاً وزارة التنمية. وعليه يبدو واضحاً أن اختيارات الرئيس أردوغان جاءت بتعيين وزيرين سابقين معروفين في الوسط الاقتصادي من أجل استعادة ثقة الأسواق بالاقتصاد التركي، وإعطاء إشارات مهمة بالتغيير. وهو ما انعكس إيجابياً على الأسواق، حتى إن العديد من الشركات المالية والبنوك الدولية، مثل Citibank J.P. Morgan, HSBC, Duetsche Bank,، جميعها اعتبرت هذه التغييرات بمنزلة ميلاد جديد للاقتصاد والسياسات المالية في تركيا، لكنها في الوقت نفسه لم تهمل الإشارة إلى وجود مشاكل أساسية في الاقتصاد التركي، بالإضافة إلى احتمال عودة الرئيس أردوغان إلى التدخل من جديد، والتي ظلت هاجساً مهيمناً على هذه التقييمات.

وفي 19 نوفمبر الفائت أعلن محافظ البنك المركزي الجديد عن رفع سعر الفائدة بمقدار 475 نقطة لتصل إلى 15%، وهو تطور مهم أكد التوجه الجديد، لكن فعلياً فإن محافظ البنك المركزي القديم الذي أبقى سعر الفائدة في أكتوبر الماضي عند 10.25% كان قد سمح عملياً للبنوك بالتعامل بينها بفائدة تصل إلى 14.75%، مما يعني أن الرفع الحقيقي لسعر الفائدة لم يتجاوز نسبة 0.25% فقط، لكنه على كل الأحوال أنهى فوضوية تعدد أسعار الفائدة بين البنوك والمؤسسات المالية، علماً بأن مؤسسات الاستثمار الأجنبية تطالب برفع سعر الفائدة إلى 17% كشرط من أجل عودة الاستثمارات الأجنبية إلى تركيا، أخذاً في الاعتبار بأن معدل التضخم الحقيقي في تركيا يصل إلى 15%، على خلاف الأرقام الرسمية للحكومة التركية التي تعلن عن 12% فقط.

ورغم بقاء أزمة تراجع احتياطات البنك المركزي من النقد الأجنبي باقية، إلا أن الخطوات التي اتخذها محافظ البنك المركزي وخطابه الذي ركز على أن الأولوية الآن هي خفض معدل التضخم، اعتُبرت بدايةً متواضعة لكن مقبولة لمرحلة جديدة قد تُعيد جزءاً من الثقة في الأسواق التركية، في انتظار خطوات قادمة أقوى وأكثر جرأة.

وهنا يجب القول بأن هذه الخطوات التي اتخذها الرئيس أردوغان كانت تهدف إلى استعادة ثقة الأسواق الأجنبية في تركيا، لكن المشاكل الأساسية بقيت على حالها، وأهمها احتياطات البنك المركزي من النقد الأجنبي التي تراجعت إلى سالب 50 مليار دولار، وزيادة الديون المحلية والحكومية بالدولار، وتوجه المواطنين حتى الآن إلى شراء الدولار وعدم الثقة في الليرة التركية. والأهم هو أن تركيا مازالت عُرضة –بسبب سياساتها الخارجية– لفرض عقوبات أوروبية وأميركية عليها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، وهو ما سيتسبب في أزمة كبيرة قد لا ينفع معها رفع الفائدة مجدداً. كما أن الموجة الثانية من جائحة "كوفيد-19" تضرب بشدة، وأدت إلى اتخاذ الحكومة إجراءات احترازية بالإغلاق الجزئي. ويبدو واضحاً أن الحكومة التركية ستجد صعوبة في تمويل موازنتها للعام 2021 مع رفع أسعار الفائدة. وفي هذا الإطار اضطرت وزارة المالية للاقتراض من الخارج بالدولار نحو 2.5 مليار دولار من أجل توفير النقد الأجنبي في السوق المحلية، واضطرت تركيا لدفع سعر فائدة مرتفع بلغ 6%.

تطورات الأسواق

قبل التغييرات في إدارة البنك المركزي ووزارة المالية، كانت الدولة تستدين محلياً بالليرة التركية بسندات محلية لعامين بفائدة وصلت إلى 15.4%، لكن بعد هذه التغييرات أجرت الوزارة استدانة جديدة لعامين محلياً بفائدة 13.8%. أما الاستدانة المحلية لعشر سنوات فتراجعت فائدتها من 14.6% إلى 12.3%، ومن المهم الذكر أن تركيا استطاعت للمرة الأولى منذ عامين تسويق السندات ذات السنوات العشر. كما تراجعت نقاط التأمين الدولي على سندات تركيا بالعملة الأجنبية (يووروند) من 550 إلى 380 نقطة، علماً بأن معدل نقاط التأمين على ديون الدول النامية الخارجية هو عند 150 نقطة فقط.

ومع التغيرات الجديدة في قيادة الاقتصاد، حققت بورصة إسطنبول رقماً قياسياً جديداً مرتفعاً، فارتفع مؤشرها من 1.112 نقطة إلى 1.345 نقطة خلال شهر نوفمبر الماضي، وذلك بفضل دخول مستثمرين أجانب بمبلغ قارب المليار دولار تم استثمار معظمه في شراء سندات البنوك التركية. وفي المقابل تراجع عدد بيع العقارات خلال شهر أكتوبر إلى 120 ألف وحدة سكنية فقط، بانعكاس فوري لرفع أسعار الفائدة، فيما شكلت العقارات الجديدة نسبة 30% فقط من هذه المبيعات.  

ميزانا المدفوعات والتجارة الخارجية

بلغت الصادرات في شهر سبتمبر 2020، 16 مليار دولار، فيما الواردات بلغت 10.8 مليارات، وبالتالي فإن العجز في ميزان التجارة الخارجية خلال الأشهر التسعة من هذا العام بلغ 37.8 مليار دولار، فيما بلغ العجز في الميزانية التركية لشهر سبتمبر الماضي نحو 4.2 مليارات ليرة، والسنوي بلغ 143 مليار ليرة، وهو رقم قياسي غير مسبوق. وقد بدأت الحكومة في تحصيل بعض الضرائب الإضافية من خلال رفع ضرائب بيع السيارات في الشهرين الأخيرين، لكن سوق بيع السيارات للخارج يتراجع بسبب جائحة كورونا. كما تراجعت نسبة السائحين الأجانب في تركيا خلال الأشهر الماضية إلى 75% عن العام الماضي.

وبلغ احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي (فيما عدا الذهب وأموال اتفاقات التبادل مع قطر وعدد من البنوك المحلية) خلال شهر أكتوبر الماضي سالب 47.9 مليار دولار، بينما الأموال المطلوب على تركيا دفعها للخارج بالعملة الصعبة خلال عام واحد تتجاوز 182 مليار دولار. وتؤكد تقارير صندوق النقد الدولي أن تركيا ليس لديها ما يكفي لسداد ديونها الخارجية من نقد أجنبي. وخلال شهر أكتوبر أيضاً شكّلت العملة الصعبة من الدولار نحو 58% من ديون الخزانة الداخلية والخارجية، وهي نسبة مرتفعة لم تشهدها تركيا منذ عام 2003.

التوقُّعات

من المتوقع أن يُحقق الاقتصاد التركي نمواً في الربع الثالث من هذا العام مُستفيداً من سياسة التوسع المالي والقروض المنخفضة التي وزعتها البنوك الحكومية، وخفض سعر الفائدة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ولكن من المبكر التكهن بما إذا كان هذا النمو سيستمر في الربع الرابع أم لا. علماً بأن رفع سعر الفائدة واستمرار جائحة كورونا بشكل أقوى وعدم عودة الثقة بشكل كامل إلى الاقتصاد التركي ترجح أن يتراجع النمو في الربع الرابع.

وأُعلن خلال شهر سبتمبر الماضي عن نسبة تضخم وصلت إلى 12%، ومن المتوقع أن تبقى هذه النسبة حتى آخر العام الحالي، وذلك وفق الأرقام الرسمية التي تشكك بها الأوساط الاقتصادية المستقلة والأجنبية. كما بقيت نسبة البطالة عند 13.2% وفق الأرقام الرسمية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وبلغ عدد العاطلين عن العمل في تركيا نحو 9.6 ملايين شخص. ومازال مؤشر ثقة المستهلك عند رقم 80 من أصل 200 نقطة، ما يشير إلى استمرار التشاؤم بتحسُّن قريب للاقتصاد التركي.

أحدث الإيجازات