أزمة الرواتب في العراق وتبعاتها السياسية

مركز الإمارات للسياسات | 14 ديسمبر 2020

استمرت الأزمة البنيوية الاقتصادية في العراق وتبعاتها السياسية، وتجلى ذلك بشكل سافر في إخفاق الحكومة في تأمين رواتب الموظفين. واستناداً إلى تصريحات مظهر محمد صالح، المستشار المالي للحكومة العراقية، فإن "إيرادات العراق تبلغ حالياً ما يقارب 4 تريليونات دينار عراقي شهرياً، بينما نحتاج إلى 7 تريليونات لتغطية النفقات والرواتب." وانعكس الأمر سياسياً في تأزم العلاقات بين إقليم كردستان والبرلمان العراقي المتوترة أصلاً بسبب الخلاف حول عائدات تصدير النفط.

تأخير دفع الرواتب

في ظل هذه الأزمة واجه موظفو العراق ضائقةً مالية حادة بعد تأخير دفع الرواتب لشهرين متتالين، رغم إعلان البرلمان في بداية الشهر السابق بأن رواتب الموظفين للأشهر المقبلة ستكون متوافرة. إذ أعلن مصدر في وزارة المالية في مطلع نوفمبر 2020 عن وَقْف إطلاق رواتب جميع الموظفين والشركات الممولة ذاتياً، والتي من المفترض أن تكون مستقلة مالياً بحسب قانون الشركات.

وقد تبادلت الحكومة والبرلمان اللوم بخصوص تأخير دفع الرواتب، فبينما اعتبرت الحكومة أن سبب التأخير يعود إلى عدم إقرار البرلمان لقانون تمويل العجز المالي الذي يسمح للحكومة بالاقتراض، ألقى أعضاء البرلمان باللوم على الحكومة لأنها فشلت في إيجاد مصادر بديلة لتعويض العجز وتريد اللجوء إلى الاقتراض، مما يهدد بتجفيف الخزين المالي للدولة. وفي نفس السياق واجهت الحكومة العديد من الاعتراضات من البرلمان على مشروع خطتها التنموية والسقف المالي الذي طالبت به. ويمثل ما قالته النائبة السابقة عن كتلة التغيير الكردية سروة عبد الواحد نموذجاً لهذا المنحى، من أن حكومة الكاظمي سوف تستغل هذه الأموال في الانتخابات القادمة ولأغراض شخصية.

وفي ظل هذه الأزمة الاقتصادية، حذَّر تقرير للبنك الدولي صدر في شهر نوفمبر الفائت بأن جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط سيدفعان 5.5 ملايين عراقي إلى مستوى الفقر. كما تقلَّص الناتج المحلي الإجمالي بـ 9.6%، وتقلَّص الاقتصاد العراقي بمعدل 6.8%، وتراجعت إيرادات الحكومة العراقية بـنسبة 47.5% خلال النصف الأول من السنة.

إقرار قانون الإقراض وسط اعتراض كردي

في جلسته المنعقدة يوم 12 نوفمبر 2020، صوَّت مجلس النواب على قانون تمويل العجز المالي أو ما يسمى بـ "قانون الاقتراض" المقدم من اللجنة المالية بعد أن أُجبرت الحكومة على الإذعان لشروط مجلس النواب عبر تخفيض قيمة القرض من 41 تريليون إلى 12 تريليون دينار، على أن تُخصص 20% منها للمشاريع الاستثمارية. ويضمن قانون تمويل العجز المالي استمرار تمويل رواتب الموظفين والمتقاعدين والبطاقة التموينية وشبكة الحماية الاجتماعية، بالإضافة للنفقات الضرورية الأخرى وحتى نهاية العام الحالي، بانتظار أن تقدم الحكومة موازنة العام 2021 التي يتوقع أن تتضمن طلبات اقتراض إضافية قد تُواجَه بمعارضة البرلمان. وأشار المتحدث باسم رئيس مجلس النواب، إلى أن البرلمان أضاف إلى خطة تمويل العجز المالي برنامجاً لتوفير حقوق العاملين بالعقود، ومبلغَ تمويل تشييد ميناء الفاو الكبير.

لكن إقرار قانون الاقتراض، الذي تم على الرغم من انسحاب نواب الكتلة الكردستانية، أدى الى أزمة حادة بين بغداد وكردستان، فقد نص القانون على تحديد حصة الإقليم من مجموع الإنفاق الفعلي أو النفقات الجارية ومشاريع الاستثمار، بشرط التزام الإقليم بتسديد حصته من النفط المصدر وبالكميات التي تحددها شركة النفط العراقية (سومو)، وفي حالة عدم الالتزام فلن يحصل الإقليم على المستحقات. ومن جهتها، قالت حكومة الإقليم إنها أوفت بجميع الالتزامات الدستورية، وإنها تُطالب بتأمين مستحقات الشعب الكردي.

ووصف الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، في بيان له، القرار بأنه "طعنة من الكتل الشيعية والسنية في ظهر شعب كردستان". كما أشارت رئيسة كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني في البرلمان العراقي، فيان صبري، في تصريح لوسائل إعلامية كردية، إلى أن قانون التمويل "عنصري"، واتهمت الكتل الشيعية بالتآمر ضد كردستان، ونبهت إلى أن رئيس مجلس النواب وعدداً آخر من النواب وعدوا بتأجيل الفقرة الخاصة بإقليم كردستان لكن تم الالتفاف على هذا الوعد.

وبنفس الوقت، وفي تحرُّك غير مسبوق، دعا بعض النواب الكرد من غير المنتمين للحزب الديمقراطي الكردستاني والمعارضين لطريقة إدارته للإقليم إلى أن تتولى الحكومة الاتحادية دفع رواتب موظفي الإقليم بشكل مباشر من دون تسليم تلك المبالغ إلى حكومة الإقليم، في الوقت الذي صدرت تصريحات من قادة في الاتحاد الوطني الكردستاني وجهت اللوم إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني في الأزمة الراهنة، مما يعكس الانقسام في الموقف الكردي. وتزامناً مع ذلك، وقّع 150 ألف موظف في إقليم كردستان، معظمهم من السليمانية، طلباً بأن يتم ربطهم بشكل مباشر ببغداد، وأن يتقاضوا رواتبهم مباشرة من الحكومة الاتحادية، وهو ما تُعارضه أربيل على أساس أنه يقوض استقلاليتها الدستورية في إدارة شؤون الإقليم الفيدرالي.

وبغية تهدئة هذا الخلاف والوصول إلى حلول مستدامة، أصدر رئيس البرلمان الحلبوسي قراراً بتشكيل لجنة برئاسة النائب محمد شياع السوداني، وعضوية عدد آخر من النواب، لمناقشة القضايا العالقة بين الطرفين، وإيجاد الحلول لها وفق الدستور، لكن من المتوقع ألا تتمكن هذه اللجنة من تحقيق اختراقات كبيرة نظراً إلى أنها لجنة برلمانية وليس لديها صلاحيات التفاوض مع السلطتين التنفيذيتين في بغداد وأربيل.

ويُذكَر أنه منذ تسمية رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي في مايو الماضي، حوّلت حكومة الكاظمي 268 مليون دولار شهرياً إلى حكومة الإقليم من دون الطلب منها تسديد كافة مستحقاتها. وساعدت هذه الاتفاقية الإقليم على سدّ معظم التزاماته الشهرية، والتي تشمل الـ 710 ملايين دولار اللازمة لدفع الرواتب. وإذا تم تطبيق القانون الجديد فإن الإقليم سوف يواجه أزمة هائلة. وقد ذكر الباحث الأمريكي مايكل نايتس أنه إذا افترضنا أن الإقليم سوف يبيع 400 ألف برميل يومياً بسعر حوالي 33 دولاراً للبرميل، فذلك يعني أن الإقليم يجب أن يتنازل عن 396 مليون دولار من عائدات النفط شهرياً، وثلاثة أرباع العائدات غير النفطية، وسيؤدي ذلك إلى انخفاض دخل الإقليم من 764 مليون دولار إلى 293 مليون دولار شهرياً، مما يعني أن الإقليم سيدخل عجزاً قياسياً وأزمة مالية كبيرة جداً. ويبدو أن الكتل الشيعية كانت لديها دوافع سياسية تتمثل بإحراج رئيس الوزراء الكاظمي، التي فسَّرت تنازلاته لإقليم كردستان على أنها محاولة لضمان دعم القوى الكردستانية له بعد الانتخابات.

خلاصة

كَشَفَ المأزق الذي عبّرت عنه أزمة الرواتب عن وضع خطير من سوء الإدارة وغياب التخطيط وانعدامه في مفاصل الدولة العراقية، وقد تجسَّد ذلك في تصريح لوزير التخطيط العراقي خالد بتال، بأنه ووزير المالية لا يعلمان عدد الموظفين في الدولة العراقية. وأكد في مقابلة أجريت مؤخراً مع شبكة الإعلام العراقية بأن عدد المليون ونصف المليون موظف المتداول هو عدد غير صحيح، وأن العدد الحقيقي يتجاوز أربعة ملايين. كما كشف وزير العمل والشؤون الاجتماعية عادل الركابي، عن وجود 400 ألف مستفيد من الرعاية الاجتماعية من غير المستحقين، وأشار إلى وجود أكثر من 450 ألف عامل أجنبي غير مُسجَّلين لدى الوزارة، دخلوا بطرق مختلفة إلى العراق. وهكذا تتمظهر الأزمة المالية العراقية بشكل أساسي بعجز الدولة في إدارة الأموال في الموازنات السابقة، ونَقْص الشفافية والفساد الإداري والمالي.

أحدث الإيجازات