أُعلن في جمهورية كوت ديفوار (ساحل العاج) يوم 8 يوليو 2020 عن وفاة رئيس الحكومة أمادو غون كوليبالي، الذي كان المرشح الأبرز لخلافة رئيس الجمهورية الحالي الحسن واتارا في الانتخابات المقرر عقدها في أكتوبر 2020. وقد شكل رحيل كوليبالي المفاجئ لحظةَ تحول كبرى في المشهد السياسي في هذا البلد الذي يشكل محور منطقة غرب أفريقيا اقتصادياً واستراتيجياً، بما يقتضي استشراف آفاق الوضع السياسي في ساحل العاج في أفق الانتخابات الرئاسية المقررة بعد ثلاثة شهور.

المسار السياسي في كوت ديفوار

عَرفت كوت ديفوار مرحلةً طويلة من الاستقرار السياسي والرفاهية الاقتصادية في عهد رئيسها الأول فيليكس هوفيت بوانيي الذي حكم البلاد منذ استقلالها عام 1960 وحتى رحيله نهاية عام 1991. ويمكن تفسير خصوصية النموذج الإيفواري في عاملين أساسيين هما:

  1. ثراء البلد وتنوع موارده الطبيعية المتمحورة حول زراعة البن والكاكاو، واستمراره في أداء دور قاطرة الحركة الاقتصادية والمالية في غرب أفريقيا، وهو الدور الذي رسمه لها الاستعمار الفرنسي وحافظ عليه الرئيس بوانيي الذي كان رجل فرنسا الأول في أفريقيا وعميد الرؤساء الأفارقة المعروف بحكمته وبُعد نظره.
  2. استقطاب الرأسمال الغربي الخاص والعمالة الأفريقية من كل دول المنطقة، إلى حد أن ربع السكان في الثمانينيات كان من مواطني الدول الأفريقية المجاورة، في الوقت الذي تحولت العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (أبيدجان) إلى العاصمة الاقتصادية الفعلية لكل منطقة غرب أفريقيا.

وقد هيَّأ بوانيي لخلافته اثنين من أبرز معاونيه هما: هنري كونان بدييه، وزير ماليته الأسبق ورئيس البرلمان المنحدر من نفس وسطه الإثني (قبائل الباوليه التي تشكل ربع سكان البلاد)؛ والحسن واتارا، الاقتصادي البارز الذي عمل نائباً لرئيس صندوق النقد الدولي قبل أن يصبح رئيساً للحكومة.
ورغم التباين في تفسير مواد الدستور، استطاع رئيس البرلمان بدييه فرض نفسه لخلافة الرئيس بوانيي رغم اعتراض رئيس الحكومة واتارا، كما نجح في الانتخابات المنظمة عام 1995 التي منع واتارا من المشاركة فيها بذريعة عدم انتمائه الأصلي للهوية الإيفوارية، كما منع من خوضها المعارض اليساري لوران غباغبو الذي واجه الرئيس الراحل بوانيي في أول انتخابات تعددية عرفتها البلاد عام 1990. إلا أن نجاح بدييه تسبب في أزمة سياسية حادة عرفتها ساحل العاج أفضت في 24 ديسمبر 1999 إلى انقلاب عسكري قاده الجنرال "روبرت غي".

وفي أكتوبر 2000 نُظمت انتخابات رئاسية شارك فيها الجنرال غي ولوران غباغبو، ومُنع فيها من الترشح الزعيمان بدييه وواتارا، أفْضت بعد فتنة دموية إلى إعلان نجاح غباغبو. إلا أن الحرب الأهلية اندلعت في ساحل العاج ما بين 2002 و2007 إثر قيام حركة تمرد عسكري في شمال ووسط البلاد سيطرت على 60 بالمائة من المساحة الإجمالية للدولة بقيادة الزعيم النقابي الطلابي "غيوم سورو" المدعوم من بوركينا فاسو المجاورة. وبعد تدخل عسكري فرنسي، ومحاولات متواصلة للتسوية السلمية وقَّعت الأطراف المتحاربة في عام 2007 اتفاقية سلام في واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، نتج عنها تعيين قائد حركة التمرد غيوم سورو رئيساً للحكومة إلى حين تنظيم انتخابات رئاسية شاملة.

وفي 31 أكتوبر 2010 نُظمت الانتخابات الرئاسية التي شارك فيها الزعماء السياسيون الثلاثة، فانتهت بوصول الرئيس غباغبو والحسن واتارا إلى الجولة الثانية، في حين دعم بدييه وسورو الرئيس الحالي واتارا. ومع أن غباغبو أعلن فوزه في الانتخابات في ديسمبر 2010، متسبباً في أزمة سياسية ودستورية حادة إلا أنه اعتُقل في 11 أبريل 2011، وتم تنصيب واتارا رئيساً البلاد قبل أن يُسلم غباغبو للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وقد أعيد انتخاب واتارا عام 2015 بنسبة مرتفعة في الجولة الأولى، بيد أن الحلف الذي ربطه ببدييه وسورو اِنهار، في الوقت الذي برّأت فيه المحكمة الجنائية الدولية خصمه غباغبو، وإن كان لا يزال مقيماً في بروكسل لأن المدعية العامة للمحكمة تعترض على إطلاق سراحه، في حين أنه صدر بحقه في بلاده حكمٌ قضائي بالسجن عشرين عاماً.

السياق السياسي للانتخابات الرئاسية

تُنظم الانتخابات الرئاسية المقبلة في سياق يتسم بالعودة إلى مربع الأزمة الأصلية التي اندلعت منذ 1995، بعد رحيل الزعيم المؤسِّس هوفيت بوانيي. وهكذا ستتواجه نفس الوجوه التي احتكرت المشهد السياسي خلال العشرين سنة الأخيرة، وهي:

  1. الرئيس الحسن واتارا (78 سنة): الذي استطاع إصلاح الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وحقق لها عقداً كاملاً من الاستقرار السياسي. ومع أنه أعلن مرات عديدة أنه قد يضطر للترشح عندما يتقدم مرشحون بارزون من جيله (يعني هنا أساساً الرئيس الأسبق بدييه)، إلا أنه يبدو أن رأيه استقر على ترشيح رئيس حكومته كوليبالي المنحدر من الشمال المسلم، والذي يحظى بشعبية واسعة في الأوساط السياسية والمالية. إلا أن رحيل كوليبالي المفاجئ قد يضطره للترشح، وهو ما ألمح إليه في عدة تصريحات في الأسابيع الأخيرة. وقد بدأت فعلاً أصوات كثيرة من داخل حزبه "تجمع الهوفوتيين من أجل الديمقراطية والسلم" تدعو إلى ترشحه للسباق الرئاسي.
  2. هنري كونان بدييه (86 سنة): مرشح "الحزب الديمقراطي الإيفواري"، ورئيس الجمهورية الأسبق الذي دعم الرئيس واتارا في عهدتيه السابقتين قبل أن ينشق عنه. ويحظى بدييه بشعبية قوية في وسطه الإثني (الباوليه) وفي الجنوب والشرق، كما أنه قد يستفيد من دعم قاعدة الرئيس السابق غباغبو في حال عدم قبول ترشيحه.
  3. لوران غباغبو (75 سنة): زعيم "الجبهة الشعبية الإيفوارية"، ويطمح إلى العودة لبلاده والمشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة. وهو يبذل جهوداً واسعة، داخلية ودولية، من أجل تطبيع وضعه السياسي، ودخول السباق الانتخابي وإن كان احتمال مشاركته ضعيفاً للغاية.
  4. غيوم سورو (48 سنة): زعيم الحركة الطلابية وحركة التمرد العسكري، ورئيس الحكومة والبرلمان سابقاً. أعلن ترشحه للرئاسيات، وقرر العودة إلى بلاده بعد سنوات من اللجوء الاختياري، إلا أن السلطات الإيفوارية أصدرت مذكرة اعتقال دولية ضده، وحكمت عليه بالسجن عشرين سنة في ملف أمني ومالي، ولا يزال في المنفى وإن كان يؤكد استمراره في الترشح وعزمه العودة إلى بلاده. ولسورو علاقات واسعة داخل كوت ديفوار وخارجها، وله صلة قوية بالرئيس البوركينابي السابق بليز كومباوري.

وبالإضافة إلى هؤلاء الزعماء الأربعة المعروفين يتردد اسمُ وزير الخارجية السابق "مارسيل أمون تانو"، الذي كان يطمح لأن يرشحه الرئيس واتارا لخلافته، ووزير الدفاع الحالي حامد باكايوكو الذي يتولى بالإنابة مسؤوليات رئيس الحكومة الراحل.

التوقعات بالنسبة لانتخابات الرئاسة المقبلة

يُتوقع فوز الرئيس الحالي الحسن واتارا في حال ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر المقبل، وإنْ كان نجاحه سيسبب أزمةً سياسية حادة قد تُفضي إلى قلاقل واضطرابات داخلية تعيد كوت ديفوار إلى مشهد الاحتقان، نظراً لما يؤدي إليه الانقسام السياسي من صراع إثني ديني متشعب.

ومع ترجيح إقصاء غباغبو وسورو من السباق الرئاسي، تبقى لبدييه بعض الحظوظ في حال توطيد التحالف مع الزعيمَين المبعدين. وقد تتعزز هذه الحظوظ في حال تنظيم جولة ثانية من الانتخابات، بيد أن غياب مرشحين آخرين أقوياء يُضعف من نسبة هذا الاحتمال.

أحدث الإيجازات