كانت تبرئة مجلس الشيوخ الأمريكي للرئيس السابق دونالد ترامب بعد خمسة أيام من محاكمته بتهمة "التحريض على العصيان" التي وجهت إليه بعد حادث اقتحام أنصاره مبنى الكونغرس الشهر الماضي، مُتوقَّعة. وتناقش هذه الورقة التأثيرات المحتملة لهذه التبرئة على مستقبل ترامب السياسي، وعلى الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، وكذلك على أجندة الرئيس جو بايدن خلال أول مائة يوم له في البيت البيض.

تبرئة ترامب وأسئلة مستقبله السياسي

يُعد الرئيس السابق دونالد ترامب ثالث رئيس أمريكي تتم محاكمته في مجلس الشيوخ لعزله بعد الرئيس أندرو جونسون في عام 1868 في أعقاب الحرب الأهلية الأمريكية، والرئيس بيل كلينتون في عام 1998، وأول رئيس في التاريخ الأمريكي تتم محاولة عزله مرتين، وأول رئيس يجري محاكمته لعزلة بعد ترك منصبه.

وبعد فترة من عزل ترامب سياسياً من قبل بعض كبار الجمهوريين في أعقاب اقتحام أنصاره مبني الكونجرس، والانتقادات التي وجهت إليه لإخفاقاته في التعامل مع ما حدث من قبل أنصاره، وتهديده الديمقراطية الأمريكية، جاء فشل مجلس الشيوخ في إدانة ترامب للمرة الثانية، رغم تصويت 57 سيناتوراً لصالح إدانته (50 ديمقراطيين ومستقلين، و7 جمهوريين)، مقابل تصويت 43 سيناتوراً جمهورياً ضد الإدانة، إذ كانت الإدانة في حاجة إلى ثلث أصوات المجلس (67 صوتاً)، ليمنح ترامب فرصة أكبر لزيادة سيطرته على الحزب الجمهوري، اعتماداً على التأييد الشعبي لنهجه اليميني، ومبدأ "أمريكا أولاً"، لا سيما بعد فوزه بحوالي 74 مليون صوت في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في نوفمبر الماضي.

وقد أظهر عددٌ من استطلاعات الرأي ارتفاع نسبة تأييد ترامب بين الجمهوريين، لتصل إلى 72% بحسب استطلاع لمؤسسة غالوب، فضلاً عن ارتفاع تصديق الجمهوريين لمزاعم ترامب الكاذبة بأن الرئيس جو بايدن فاز في انتخابات نوفمبر فقط بسبب تزوير الانتخابات على نطاق واسع، والتي وصلت أيضاً إلى 72% وفقاً لاستطلاع جامعة مونماوث.

وفي أعقاب قرار عدم إدانته، قال ترامب "بدأت للتو حركتنا التاريخية الوطنية والرائعة لجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، وأضاف "‏الكثير من العمل ينتظرنا وسنخرج قريباً برؤية لمستقبل أمريكي مشرق ومتألق لا حدود له".

ولا يَستبعِد ترامب إمكانية ترشُّحه للانتخابات الرئاسية المقبلة في نوفمبر 2024، إذ كانت إدانته بالمجلس ستمنعه من تولي أي منصب سياسي فيدرالي مرة ثانية. لكن بعد منْع ترامب من استخدام موقع تويتر تحديداً، فإنه بات يفتقر إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي غذّت صعوده السياسي. فضلاً عن أنه يواجه حالياً حزباً جمهورياً مُنقسِماً حول إرثه خلال السنوات الأربع الماضية. ويعتقد الكثيرون أن ترامب تسبَّب في الكثير من الضرر حتى يكون مُرشحًا موثوقًا به في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفي مقدمة هؤلاء نيكي هيلي سفيرة الولايات المتحدة السابقة لدى الأمم المتحدة خلال إدارة ترامب، والتي ‏استبعدت ترشُّح ترامب مجدداً، مؤكدةً في تصريحات لمجلة "بوليتيكو" الأمريكية أن اقتحام أنصار ترامب مبنى الكونجرس في 6 يناير الماضي أضرَّت بسمعة الرئيس السابق وشعبيته.

لقد كان هدف الديمقراطيين من محاكمة ترامب للمرة الثانية رغم خروجه من السلطة تحميله مسؤولية اقتحام مبني الكونجرس الذي أسفر عن مقتل خمسة أشخاص من بينهم ضابط شرطة، ومن ثمَّ منعه من تولي أي منصب سياسي في المستقبل، وإنهاء فرص ترشُّحه للرئاسة مستقبلاً، ولذا فقد ذهبوا إلى تأكيد أنه في حال تولي ترامب منصباً سياسياً في المستقبل فإنه لن يتردد في التشجيع على العنف مرة ثانية، الأمر الذي يُهدد الديمقراطية الأمريكية، والنموذج الأمريكي عالمياً، ويؤثر سلباً على قيادتها للنظام العالمي في ظل وجود منافسين أقوياء يعملون على تقويض النموذج الديمقراطي الأمريكي.

ورغم فشل الديمقراطيين في إدانة ترامب للمرة الثانية، إلا أن ذلك قد لا يُنهي إمكانية اتخاذ الكونجرس الأمريكي ذو الأغلبية الديمقراطية في مجلسي النواب والشيوخ إجراءات أخرى ضد الرئيس السابق، مثل اقتراح اللوم استناداً إلى التعديل الرابع عشر من الدستور الأمريكي الذي يحظر تولي أي فرد منصباً عاماً في حال اشترك في أي تمرد أو عصيان ضد الحكومة الفيدرالية.

وفي هذا الإطار، يُتوقَّع أن تشهد الأيام والأشهر المقبلة مزيداً من القضايا الجنائية ضد ترامب في المحاكم الأمريكية، بعد أصبح مواطناً عادياً لا يتمتع بأي حصانة قضائية بعد تركه رئاسة الولايات المتحدة. وقد فتحت ولاية جورجيا تحقيقاً في طلب ترامب من سكرتير الولاية الجمهوري براد رافينسبيرغر إيجاد أصوات لقلب نتيجة الانتخابات الرئاسية لعام 2020 بالولاية لصالحه. ويقوم المدعي العام لمنطقة مانهاتن في نيويورك، سي فانس، بالتحقيق في أعمال تجارية لترامب، ومدى مشروعية حصول شركات تابعة له على قروض وتسهيلات مالية.

انقسام الحزب الجمهوري

زادت تبرئة مجلس الشيوخ لترامب من أزمات الحزب الجمهوري الذي يواجه في الوقت الراهن أزمة وجودية، وأزمة هوية في الوقت ذاته، ناتجة من انقسام الحزب بين تيارين رئيسيين؛ أولهما، يقوده التيار المعتدل بالحزب ومن تولوا مناصب في إدارات جمهورية سابقة، وهؤلاء ينتقدون تصرفات ترامب التي قوَّضت المؤسسات الديمقراطية، واتِّباعهِ سياسات مبنية على سردية "مظالم البيض" في دولة يتزايد فيها عدد السكان من غير البيض.

وقد دفع ذلك سبعة من الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ إلى التصويت على إدانة ترامب مقارنة بمحاكمته الأولى في 5 فبراير من العام الماضي، والتي أيَّد خلالها جمهوري واحد، هو السيناتور ميت رومني، قرار عزل ترامب. ولم يسبق أن صوت هذا العدد الكبير من أعضاء حزب الرئيس لصالح عزله. وعلى الرغم من تصويت زعيم الأقلية الجمهورية بمجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، بعدم إدانة ترامب، فإنه في خطابه ردد بعض النقاط التي ذكرها الديمقراطيون لإدانة ترامب، إذ قال إن الرئيس السابق "مسؤول عملياً وأخلاقياً" عن الهجوم الذي شنَّه أنصاره على مبنى الكونجرس في 6 يناير الماضي.

أما التيار الثاني فلا يزال يُبدي تأييده لترامب الذي يحظى رغم خروجه من السلطة بدعم قاعدة شعبية كبيرة داخل الحزب الجمهوري، والتي زادت خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ولا تزال هذه القاعدة تؤمن بأفكاره. ويعول هذا التيار على ترامب لاستعادة الحزب الأغلبية في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس. وقد عبَّر عن هذا الاتجاه السيناتور ليندسي غراهام، الذي يعد من أشد الجمهوريين الداعمين لترامب خلال سنوات حكمه، إذ أوضح مؤخراً أن ترامب مُستعد لإعادة بناء الحزب الجمهوري، وأن الحزب في حاجة ماسَّة له قبل انتخابات 2022 (انتخابات التجديد النصفي للكونجرس)، و2024 (الانتخابات الرئاسية المقبلة). وقد التقى ترامب بمساعدين سياسيين لمناقشة الجهود المبذولة لمساعدة الجمهوريين في محاولة السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقبلة.

ومما يزيد من أزمات الحزب الذي يسعي إلى توحيد صفوفه لاستعادة السيطرة على مجلسي الكونجرس أو أحدهما في انتخابات التجديد النصفي خلال العام المقبل، التهديدات التي لوَّح بها ترامب وأنه سيستهدف الجمهوريين الذين لا يدعمونه، والذين صوتوا مع الديمقراطيين لإدانته بمجلس الشيوخ، خلال انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وسيدعم منافسيهم، وأنه سيعمل على عزل زعيم الأقلية الجمهورية بالمجلس ميتش ماكونيل، وسيدعم أي منافس له لقيادة الكتلة الجمهورية بالمجلس.

ويواجه المُشرِّعون الجمهوريين الذين صوتوا لإدانة ترامب انتقادات متعددة داخل ولاياتهم من المسؤولين والناخبين الذين لا يتسامحون - حتى الآن - مع أي انتقاد للرئيس السابق، الذي ترك السلطة منذ ما يقرب من أربعة أسابيع. ويوضح ذلك التحديات التي سيواجهها المرشحون الجمهوريون في الحفاظ على دعم قاعدة الحزب الجمهوري المؤيدة لترامب، بينما يناشدون جمهوراً أوسع لا يحظى ترامب بشعبية في أوساطه.

وتشير تقارير إلى أن عشرات المسؤولين الجمهوريين السابقين في إدارات جمهورية سابقة (إدارة رونالد ريجان، وجورج بوش الأب والابن)، وخبراء استراتيجيين، وسفراء سابقين يتفاوضون على تشكيل حزب جديد ينتمي ليمين الوسط بعد تعزيز سيطرة ترامب على الحزب الجمهوري، ولعدم رغبة الحزب في مواجهة الرئيس السابق وسياساته التي - بحسب رأيهم - تُقوِّض الديمقراطية الأمريكية. وخوفاً من تأثيرات ذلك على تماسك الحزب الجمهوري، هناك من يقترح إنشاء فصيل داخل الحزب أو من خارجه يكون أكثر التزاماً بالدستور وسيادة القانون والقيم المحافظة.

تسريع أجندة بايدن

 ‏أحدثت تبرئة مجلس الشيوخ لترامب من تهمة التحريض على الهجوم على مبنى الكونجرس انقساماً حاداً بين المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين، في وقت يسعى الرئيس بادين إلى توحيد الجانبينِ لتمرير أجندة السياسية والاقتصادية، ومعالجة العديد من الأزمات الداخلية خلال أول مائة يوماً له في البيت الأبيض.

وسيُمكِّن انتهاء جلسات محاكمة ترامب، الهيئة التشريعية الأمريكية من التركيز على أجندة بايدن وخطته للتعافي، عبر طرح حزمة تحفيز قيمتها 1.9 تريليون دولار لإنعاش الاقتصاد ومواجهة تداعيات جائحة كوفيد-19، والمصادقة على مُرشَّحي الرئيس للمناصب الوزارية، بما يساعده على تنفيذ أجندته الداخلية والخارجية.

خلاصة

رغم تبرئة مجلس الشيوخ الأمريكي للرئيس السابق دونالد ترامب، إلا أن ذلك لم يُخفِّف من مأزق الحزب الجمهوري، الذي يجد نفسه اليوم منقسماً بين تيارين يتصارعان داخله حول ما إذا كان يجب الاستمرار في دعم ترامب وإرثه السياسي أو تشكيل مسار مغاير يتجنّب هذا الإرث ويتبرّأ منه، وهو الأمر الذي قد يُعمِّق الخلاف داخل الحزب، على نحوٍ يؤثر على فرصه في الفوز بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2022، والانتخابات الرئاسية لعام 2024، والمؤكد أن استعادته للسلطتين التنفيذية والتشريعية تتطلب توحيد الفصيلين حول قضية مشتركة.

أحدث الإيجازات