انتهت الجولة الثامنة من مفاوضات البريكست، والتي جرت بين يومي 8 و10 سبتمبر 2020، في العاصمة البريطانية، دون تحقيق نتيجة إيجابية، وسط أجواء توتر بين الجانبين الأوروبي والبريطاني، على خلفية اعتزام بريطانيا إقرار مشروع قانون يمكنها من العدول عن اتفاقية البريكست التي أقرت العام الماضي وعلى أثرها تم تحديد الفترة الانتقالية والترتيبات الأولية للعلاقات المستقبلية، لاسيما تجنُّب الحدود الصعبة داخل الجزيرة الإيرلندية، والتي تمثل أهم القضايا المثارة بين الجانبين.

القضايا الأولية

قبل بداية الجولة الثامنة من المفاوضات تركزت الخلافات الأساسية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي في النقاط الآتية:

  • حوكمة العلاقات المستقبلية: يقترح الاتحاد الأوروبي اتفاقية شراكة واحدة تغطي وتنظم كل القضايا في إطار إداري موحد، في حين ترغب بريطانيا بعقد اتفاقيات منفصلة لكل ملف على حدة، في ظل رفضها نماذج الشراكة على غرار تركيا وسويسرا والنرويج مع اختلاف كل نموذج من هؤلاء.
  • مساعدات الدولة: إحدى القضايا المهمة التي توقفت عندها المفاوضات الأوروبية البريطانية في الجولة السابعة كانت ما يسمى بمساعدات الدولة أو "الدعم" حسب تعريف منظمة التجارية العالمية، أي التدخل المالي من قبل الحكومات لمساعدات الشركات سواء بالإعفاء الضريبي أو فرض رسوم جمركية وضرائب على الواردات المنافسة، فضلاً عن دعم الصناعات الوطنية[1]. وتلتزم بريطانيا بقواعد الاتحاد الأوروبي في مسألة مساعدة الدولة حتى نهاية الفترة الانتقالية 31 ديسمبر 2020، مع استمرار تطبيق القواعد بين إيرلندا الشمالية والاتحاد الأوروبي 4 سنوات. ونقطة الخلاف تكمن في مدى توافق معايير بريطانيا في دعم الشركات والصناعات مع قواعد الاتحاد الأوروبي، لاسيما أن الاتحاد يخشى إتباع بريطانيا قواعد غير عادلة في المنافسة مع الشركات الأوروبية رغم أن بريطانيا في الفترة الأخيرة من أقل الدول إنفاقاً على دعم الأعمال بنسبة .038%، في حين أنفقت فرنسا ضعف النسبة، وأنفقت ألمانيا 1.45%. مع الأخذ في الحسبان اختلاف التفسير القانوني بين منظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي في دعم الأعمال والشركات.
  • مصائد الأسماك والمياه البريطانية: كانت فئة الصيادين البريطانيين في ويلز واسكتلندا وإيرلندا الشمالية وإنجلترا ممن دعموا حملة البريكست في 2016، لاسيما أن الصناعة مُتدنية نتيجة عوامل عدة منها ضعف الدخل والإمكانيات، وتفضيل المستهلكين في المملكة للأسماك القادمة من القارة الأوروبية. ويُطالب الاتحاد الأوروبي بحرية الوصول للمياه البريطانية، وأن تكون المفاوضات على الصيد ضمن اتفاقية عامة تضمن باقي الملفات الأخرى، في حين تريد بريطانيا اتفاقية منفصلة للصيد رغم أن صناعة الأسماك تمثل حوالي 01.% فقط من إجمالي القيمة المضافة لاقتصاد بريطانيا.
  • التعاون الشرطي والقضائي: تعترض بريطانيا على اختصاص محكمة العدل الأوروبية، وتعتبره سيطرة فوق وطنية على سيادتها القانونية والتشريعية بعد البريكست، في حين يرد الاتحاد الأوروبي بكون مقترحات بريطانيا في بعض الملفات تسعى للاحتفاظ بوضعية دولة عضو في الاتحاد.

طبيعة التباينات الراهنة

بدأت الجولة الثامنة من المفاوضات مقرونة بتوتر مرده تبني رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون خطاباً عدائياً ضد الاتحاد الأوروبي، مُتهماً إياه بفرض حصار غذائي على إيرلندا الشمالية من ناحية، ثم ظهور مشروع قانون سُمي "قانون السوق الداخلية " من شأنه تمكين الحكومة البريطانية من التنصل والعدول عن بعض التزاماتها في اتفاقية البريكست التي تم التوافق عليها العام الماضي وجرت الانتخابات البريطانية على أساسها في ديسمبر 2019. وقد تَعلَّل جونسون بأن الاتفاقية الحالية للبريكست تُعرِّض إيرلندا الشمالية واتفاق الجمعة العظيمة للخطر[2]، كما أنها جاءت على عجل ودون دراسة كافية لذا يلزم الموافقة على مشروع قانون السوق الداخلية، كونه ضرورياً لمنع الاتحاد الأوروبي من اتخاذ تفسير "متطرف وغير معقول" للأحكام الواردة في اتفاقية الانسحاب المتعلقة إلى أيرلندا الشمالية[3] بحسب تصريحات رئيس الوزراء بوريس جونسون. وهو ما تم بالفعل في جلسة الاثنين 14 سبتمبر، حيث وافق عليه 340 صوتاً مقابل معارضة 263 صوتاً. وفيما يأتي بعض مواد القانون الذي أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي:

  • إلغاء قواعد مساعدة الدولة "الدعم/الإعانات" في إيرلندا الشمالية، وهو ما يمثل خرقاً لاتفاقية البريكست التي منحت ايرلندا الشمالية وضعاً خاصاً في الفترة الانتقالية (البند 41).
  • مَنْح وزراء الحكومة البريطانية صلاحيات تعديل أو رفض القواعد المتعلقة بحركة البضائع في يناير 2021 إذا لم يتم التوصل لاتفاق مع الاتحاد الأوروبي[4] (البند 42).
  • مبدأ الاعتراف المتبادل: يختص هذا المبدأ بمساواة البضائع القادمة من أجزاء المملكة بالسلع المحلية من الزاوية القانونية؛ فإذا حصلت سلعة على موافقة قانونية في ويلز على سبيل المثال يتم قبولها تلقائياً في إيرلندا الشمالية، حتى لو وضعت معايير مختلفة محلياً. وفي المقابل يسمح الاتحاد الأوروبي بتقييد بيع البضائع بناء على عدد من الأسس مثل السياسة العامة، والأمن العام وغيرها من الأسس الأوروبية. وبالتالي، فإن بريطانيا طبقاً لهذا المبدأ تريد مخالفة متطلبات المنتج ومعايير الغذاء الأوروبي، وهو ما يعني بالنسبة للاتحاد الأوروبي خفض المعايير الحالية بعد البريكست.
  • يُنشئ المشروع سلطة للوزراء بتقديم المساعدات المالية تحت أغراض مختلفة كبديل عن التمويل الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي.
  • يمنع مشروع القانون الهيئات التشريعية الثلاث في ويلز، واسكتلندا، وإيرلندا الشمالية من تمرير أي تشريع يتعارض معه، مما يعتبر تقييداً لسلطات تلك الهيئات في صُنْع سياستها الخاصة بها مستقبلاً.

السيناريوهات المحتملة

إبان عرض الحكومة البريطانية لمشروع "قانون السوق الداخلية" على مجلس العموم البريطاني، اعترض الاتحاد الأوروبي على نص مشروع القانون وأمهل بريطانيا حتى نهاية سبتمبر لسحب مشروع القانون، فيما أعلن البرلمان الأوروبي عدم تصديقه على أي اتفاق تجاري ما لم تسحب بريطانيا مشروع قانون السوق الداخلية. ومن جانبها، أبلغت بريطانيا، عبر وزيرها لشؤون مجلس الوزراء "مايكل جوف"، المفوضيةَ الأوروبية بعدم نيتها سحب القانون، مما دفع المفوضية بالتهديد باللجوء للقضاء ضد بريطانيا لخرقها اتفاقية البريكست.

ومع استمرار الاختلاف بين الجانبين وضيق الوقت المتبقي على الفترة الانتقالية، والتي يلزم قبل نهايتها أن يتم التوصل لاتفاق بحد أقصى في أكتوبر المقبل، يمكن عرض أبرز السيناريوهات المحتملة على النحو الآتي:

1. الخروج بلا اتفاق: إن إصرار حكومة جونسون على المضي قدماً قد يدفع الاتحاد الأوروبي لمقاضاة بريطانيا، ويطرح احتمالية نهاية الفترة الانتقالية من دون اتفاق والعمل بقواعد وتعريفات منظمة التجارة العالمية على غرار الاتفاق بين أستراليا والاتحاد الأوروبي، وهو السيناريو الذي أعلن عنه بوريس جونسون مؤخراً في إشارة منه لنهجه السابق في الخروج بلا اتفاق.

2. تعديل قانون السوق الداخلية: ثمة رأي يشير إلى أن جونسون أراد بقانون السوق الداخلية الضغط على الاتحاد الأوروبي حتى يقدم تنازلات جديدة تُمكِّن بريطانيا من الحصول على وضعية خاصة في علاقاتها المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي كي تحقق مكاسب أكثر عقب خروجها، ومن ثمَّ – وطبقاً لهذا السيناريو - سوف يتم تعديل القانون بما يتوافق مع هذا الطرح.

3. مدّ الفترة الانتقالية: طبقاً لاتفاقية البريكست يُمكِن مد الفترة الانتقالية مع العمل بقواعد الاتحاد الأوروبي كما هي، لاسيما أن إيرلندا الشمالية تظل محتفظة بوضعيتها مع الاتحاد أربع سنوات قابلة للتمديد، وبالتالي من الممكن أن تستمر المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي عاماً أو أكثر.

وبموازنة السيناريوهات المطروحة، يمكن ترجيح سيناريو مدة الفترة الانتقالية لمدة عام على الأقل نظراً لصعوبة الخروج دون اتفاق، لاسيما أن ذلك:

أولاً، قد يُؤدى إلى انخفاض في الناتج المحلي البريطاني بما لا يقل عن 8% على مدار العشر سنوات المقبلة.

وثانياً، قد يُعرِّض وحدة بريطانيا لخطر التفكك؛ فعدم وجود صفقة سيدفع القوميين في اسكتلندا على الأرجح للسعي إلى إجراء استفتاء جديد للاستقلال، كما سيعرض اتفاق الجمعة العظيمة للخطر مما يفرض حدوداً صلبة في الجزيرة الإيرلندية تعود بها لتوتر ما قبل 1998.

وثالثاً، يُمكن النظر إلى الضغوط التي يمارسها جونسون بوصفها محاولة للضغط على الاتحاد الأوروبي للوصول لأفضل اتفاق يُميز بريطانيا عن بقية الاتفاقيات الأخرى مع نظرائها مثل النرويج وسويسرا وغيرهما، لذلك فإن زيادة مدة المفاوضات للوصول للشكل الأمثل للعلاقات البريطانية الأوروبية سيكون هو الأرجح؛ إذ إن الطرفين بحاجة لبعضهما البعض.

الهوامش

[1] قواعد مساعدات الدولة في الاتحاد الاوروبي واتفاقية الاعانات لمنظمة التجارة العالمية، تقرير منشور على موقع مجلس العموم البريطاني على الرابط: https://cutt.us/ZwFPB

[2] "جونسون: الاتحاد الأوروبي يهدد بضرب وحدة أراضينا ويسعى لفرض حصار غذائي علينا"، إذاعة مونت كارلو الدولية، 12 سبتمبر 2020، متاح على الرابط: https://cutt.us/nK8vG

[3] "Johnson's controversial Brexit bill clears first Commons hurdle," RTÉ, 14 Sep 2020, available at: https://www.rte.ie/news/brexit/2020/0914/1165013-brexit-politics

[4] نص مشروع القانون متاح على موقع مجلس العموم البريطاني على الرابط: https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-9003/

 

أحدث الإيجازات