تشهد منطقة شمال الكاميرون منذ بداية هذا العام، وتحديداً خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، تصاعُداً واضحاً في الهجمات الإرهابية التي يُنفذها مُقاتلو جماعة بوكو حرام، والتي تشمل في كثير من الحالات أعمالاً مروعة أثارت الفزع داخل المجتمع الكاميروني، مثل حرق البيوت ونهب الممتلكات واختطاف بعض المدنيين واتخاذهم رهائن، علاوة على زرع الألغام، وهو ما يعكس الخطر الكبير الذي باتت تشكله الجماعة على المناطق الحدودية في منطقة بحيرة تشاد، على الرغم من الجهود التي تقوم بها القوات العسكرية والأجهزة الأمنية لمحاربة بوكو حرام في الدول التي تخطط الجماعة لاستهدافها.

خلفية

تعد منطقة شمال شرق نيجيريا المعقل الرئيس لجماعة بوكو حرام منذ نشأتها عام 2002، حيث ركزت على رفض التعليم "الغربي"، وبدأت العمل العسكري في عام 2009، من أجل الإطاحة بالحكومة وإقامة ما تطلق عليه "خلافة إسلامية" في تلك المنطقة. ومع مرور الوقت وسعت الجماعة نشاطها لتشمل الدول الواقعة على بحيرة تشاد، وهي نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون وبنين، الأمر الذي أسهم في تعزيز سياق الفوضى، الذي تدعمه تنظيمات إرهابية أخرى مثل تنظيم الدولة والقاعدة.

ومع أن جماعة بوكو حرام تعرَّضت لضربات من جانب قوة العمل الإقليمية المشتركة المتعددة الجنسيات التي تضم عشرة آلاف جندي من الدول المذكورة، والتي تشكلت في عام 2015 لمحاربتها، فضلاً عن الانشقاقات التي واجهتها من الداخل[1]، لاسيما بعد مبايعة عناصرها لولاية "إقليم غرب أفريقيا" التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلامياً باسم "داعش"، إلا أن الجماعة ما زالت تمثل تهديداً أمنياً خطيراً في منطقة بحيرة تشاد، ومنها الكاميرون[2].

تنامي هجمات بوكو حرام

تعددت المؤشرات الدالة على تزايد العمليات الإرهابية التي تقوم بها جماعة بوكو حرام في شمال الكاميرون، خلال العام 2020، وأبرز هذه الهجمات:

  • القيام بتفجير انتحاري في أقصى شمال الكاميرون قرب الحدود مع نيجيريا، في 4 سبتمبر 2020، نتج عنه مقتل 7 مدنيين وإصابة 14 آخرين[3].
  • شنُّ هجوم في قرية نغوتشوي الحدودية مع نيجيريا، في 3 أغسطس، أسفر عن مقتل 18 مدنياً وإصابة 11 آخرين [4].
  • قيام عنصرين تابعين للجماعة بعمليتين انتحاريتين في منطقة أمشيدي في أقصى شمال الكاميرون، تسببتا في قتل 7 مدنيين وإصابة 5 آخرين. [5]
  • شنُّ هجمات إرهابية على بلدات هيتير وأوزال وكوفا وماندوسا الواقعة في محافظات أقصى شمال الكاميرون، في 16 فبراير 2020. [6] وقد خلفت هذه الهجمات خسائر مادية طالت المرافق الحيوية داخل هذه البلدات.
  • الهجوم على قرية في شمال الكاميرون، في 4 فبراير 2020، نتج عنه إحراق العديد من المنازل فيما قُتل اثنين من المدنيين. [7]

ويُعد هذا النشاط المتزايد امتداداً لهجمات إرهابية قامت بها الجماعة في الأعوام الخمسة الماضية[8]. وفي هذا السياق، أشار مؤشر الإرهاب العالمي Global Terrorism Index الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام Institute for Economics and Peace (IEP) في عام 2019، إلى حلول الكاميرون في المرتبة الخامسة عشر عالمياً كأكثر الدول معاناة من خطر الإرهاب بارتفاع مركز واحد عن العام السابق[9].

السياقات المُحفِّزة

  • الجوار القَلِق للكاميرون؛ إذ تعد الكاميرون دولة جوار مباشر لأقاليم الشمال الشرقي النيجيرية والتي تعد معقلاً لجماعة بوكو حرام، حيث تستغل الجماعة المناطق الحدودية المتاخمة للكاميرون ونيجيريا وتشاد والنيجر، من أجل تنفيذ هجمات إرهابية ضد هذه الدول، خاصةً في ظل تراجع سيطرة القوات النظامية على تلك المناطق والمستوى التسليحي المتقدم للجماعة، وتسعى الجماعة إلى الثأر لمقتل كوادرها وعناصرها على أيدي الجيش الكاميروني، ويسقط في هجماتها ضحايا من المدنيين والعسكريين[10].
  • تأزُّم العلاقة بين نظام الحكم والمعارضة، والذي ميَّز سنوات حكم بول بيا للكاميرون منذ عام 1982، وهيمنة التجمع الديموقراطي للشعب الكاميروني الحاكم وعدم ظهور تيار معارض موحد قوي قادر على الإطاحة بالرئيس بيا في المنافسة الانتخابية على غرار ما شهدته العديد من الدول المجاورة للكاميرون، وهو ما استغلته جماعة بوكو حرام، لاسيما في ظل غياب أي أفق حقيقي لتسويات ذات طبيعة سياسية، مما يسهل من تنفيذ عمليات الجماعة في ظل الانشغال الداخلي بمعضلة الاستقرار السياسي.
  • إرباك الأوضاع الداخلية؛ حيث نفذت الجماعة هجوماً في مطلع شهر فبراير 2020 بهدف إثارة الشارع الكاميروني قُبيل الانتخابات التشريعية والبلدية التي أُجريت في التاسع من الشهر نفسه. وتأتي هذه الهجمات في ظل ضعف القدرات الأمنية سواء للجيش أو الشرطة في شمال الكاميرون مع تراجع الدعم المالي واللوجيستي المقدم للقوات المتمركزة في تلك المناطق، وهو ما يُحفِّز الجماعة على تنفيذ هجمات خاطفة من وقت لآخر في شمال الكاميرون[11].
  • صعود اقتصاديات الصراعات المسلحة؛ فقد بنت جماعة بوكو حرام شبكة ضخمة من العلاقات والتعاملات مع العصابات الإجرامية على الحدود الرخوة لدول المنطقة، وخاصة القرى التي تحتاج إلى مساعدات إنسانية من المنظمات الدولية، مثل منظمة الفاو، والتي تتمثل مساعداتها في تقديم السلع التموينية مثل الأرز واللحوم على نحو يسهل للجماعة القيام بعمليات سطو مسلح عليها بما يمكنها من زيادة تمويل عملياتها وتعزيز فرص بقائها على الساحة الإرهابية[12]. فضلاً عن قنوات تمويل أخرى، مثل فرض ضرائب على السكان في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفدى الرهائن وغيرها.
  • السعي نحو تَصدُّر مشهد التنظيمات الإرهابية في أفريقيا جنوب الصحراء، إذ يعد أحد الدوافع الرئيسة للهجمات التي تقوم بها جماعة بوكو حرام مساعيها لنشر فكرها المتشدد بقوة السلاح في محاولة منها لضمان الصدارة على التنظيمات الإرهابية الفاعلة في غرب أفريقيا عموماً، وفي شمال الكاميرون خصوصاً[13].

الانعكاسات على الأمن والاستقرار في منطقة بحيرة تشاد

  • مواصلة استهداف الجيوش النظامية، لأنها المعنية في الأساس بمحاربة هذه الجماعة الإرهابية. لذا قام الجيش الكاميروني، في أواخر يوليو الماضي، بقتل خمسة عناصر من جماعة بوكو حرام قُرب الحدود مع نيجيريا، وذلك بعد اشتباك عنيف، واسترجع بنادق هجومية وذخائر وتجهيزات لوجستية[14]. ولم يقتصر الوضع على الجيش الكاميروني، بل امتد إلى بقية الجيوش لدول المنطقة. ففي مارس 2020 شَنَّت بوكو حرام هجوماً ضد الجيش التشادي راح ضحيته نحو 98 جندياً تشادياً داخل قاعدتهم العسكرية. وقد جاء رد الجيش بشن عملية أطلق عليها اسم "غضب بوما" بدأت في 31 مارس الماضي، وأُعلن انتهاؤها في 8 أبريل 2020. وبحسب الجيش، فقد قُتل ألف جهادي، مقابل خسارة 52 جندياً أثناء العملية التي نُفِّذت انتقاماً للجيش التشادي[15]. كما قتل عشرة جنود تشاديين في هجوم استهدف قاعدة لجماعة بوكو حرام في 17 سبتمبر 2020، رغم تدمير القاعدة واستعادة الأسلحة والذخيرة الموجودة فيها. [16]
  • استهداف مقرات اللاجئين، إذ تواصل جماعة بوكو حرام هجماتها على المخيمات التي تضم عشرات الآلاف من اللاجئين النيجيريين الذين شردهم العنف المسلح في شمال شرق نيجيريا، قرب الحدود مع الكاميرون. علاوة على قتل واختطاف المدنيين في حوض بحيرة تشاد. وعلى الرغم من أن الجيش النيجيري استعاد سيطرته على أجزاء من شمال شرق البلاد، فإن المدنيين في نيجيريا، والكاميرون وتشاد والنيجر ما زالوا يتأثرون بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والعنف الجنسي، والتجنيد القسري والتفجيرات الانتحارية التي تقوم بها الجماعة. وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في بيان صادر عن المتحدث باسمه، إلى "محاسبة المسؤولين عن هذه الفظائع، واحترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي احتراماً كاملاً، وحماية جميع المدنيين في الكاميرون وتشاد". وأشار البيان إلى أن الأمم المتحدة تظل ثابتة في دعمها لدول حوض بحيرة تشاد في جهودها للتغلب على آفة الإرهاب، ومعالجة التحديات الأمنية والسياسية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية في المنطقة[17].
  • عرقلة حركة الإمدادات التجارية بين بعض دول بحيرة تشاد. لم يقتصر تأثير بوكو حرام على الأبعاد الأمنية، بل يمتد ليشمل الأبعاد الاقتصادية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجماعة تركز على أمشيدي، باعتبارها نقطة عبور استراتيجية للمبادلات التجارية بين الكاميرون ونيجيريا، بحيث شكّلت إحدى أبرز مراكز النزاع بين الجيش الكاميروني ومقاتلي بوكو حرام[18]. وتسعى الأخيرة إلى السطو المسلح على بعض الشاحنات التي تقل سلعاً وبضائعَ، بما يسهم في تأمين موارد مالية لها، إضافة إلى الموارد التي سبق الحديث عنها.

خلاصة

وفق المؤشرات الحالية، من المُرجَّح أن تمضي جماعة بوكو حرام الإرهابية في تصعيد عملياتها وهجماتها الهادفة إلى إثارة الفوضى في منطقة بحيرة تشاد، ومنها شمال الكاميرون، حيث يتم استغلال انشغال الحكومات الإفريقية بالتصدي للموجة الثانية من جائحة كورونا المُستَجَد[19]، والتوترات الداخلية المتصاعدة بين أنظمة الحكم وقوى المعارضة، وتأثيرات الأوضاع الاقتصادية الضاغطة، لشنِّ مزيدٍ من الهجمات[20]. كما يُتوقَّع أن تواصل الجماعة تنويع عملياتها الإرهابية من أجل ترويع المواطنين، عبر استهداف قوات الجيش والشرطة والمدنيين في دول المنطقة. واستقطاب مقاتلين جدد من مخيمات اللاجئين، طوعاً أو قسراً. كما ستواصل مساعيها للثأر من قوات الجيش خصوصاً، لأنها معنية بمواجهة نشاط الجماعة وإضعاف قدراتها. فالتهديد لا يزال قائماً، لاسيما في ظل التصعيد المتبادل[21].

الهوامش

[1] Exploiting Disorder: al Qaeda and the Islamic state, International Crisis Group, Special Report No. 1, March 2016. https://www.crisisgroup.org/global/exploiting-disorder-al-qaeda-and-islamic-state

[2] انظر: Ntuda Ebode Joseph Vincent, Mark Bolak Funteh, Mbarakoutou Mahamat Henri, Nkalwo Ngoula Joseph Léa, “The Boko Haram Conflict in Cameroon: Why is peace so elusive?”, New Approaches to Collective Security , Fredrich Ebert Stiftung, 2017. https://library.fes.de/pdf-files/bueros/fes-pscc/14200.pdf

[3] "الكاميرون: مقتل 7 مدنيين بتفجير انتحاري"، سكاي نيوز عربية، 4 سبتمبر 2020. على الرابط: https://www.skynewsarabia.com/world/1373578

[4] "مقتل 18 مدنيا في هجوم لبوكو حرام شمال الكاميرون"، الرؤية، 3 أغسطس 2020. على الرابط: https://bit.ly/2GgAG7y

[5] "مقتل سبعة مدنيين على أيدي انتحاريين من بوكو حرام في الكاميرون"، مونت كارلو الدولية، 6 ابريل 2020. على الرابط: https://bit.ly/2EANO7j

[6] "بوكو حرام الإرهابية تنفذ سلسلة جديدة من الهجمات في الكاميرون"، وكالة الأنباء السعودية، 17 فبراير 2020. على الرابط: https://www.spa.gov.sa/viewstory.php?lang=ar&newsid=2035563

[7] انظر في هذا الإطار: “Two killed, 20 homes torched in Cameroon Boko Haram”, The Daily Star, 4 February 2020. http://dailystar.com.lb/News/World/2020/Feb-04/500536-two-killed-20-homes-torched-in-cameroon-boko-haram-attack.ashx

[8] انظر في هذا الإطار: "جثث مقطوعة الرأس قتلتهم بوكو حرام في الكاميرون"، العربية نت، 9 ديسمبر 2019. على الرابط: https://bit.ly/36h8CMi; "قتلى في هجومين لبوكو حرام الإرهابية في الكاميرون وتشاد"، سكاي نيوز عربية، 23 فبراير 2018. على الرابط: https://www.skynewsarabia.com/world/1024319; "مقتل شخصين في هجوم انتحاري بالكاميرون"، الشرق الأوسط، 25 ديسمبر 2016. على الرابط: https://bit.ly/3kN1ifF; "4 قتلى في هجوم مزدوج في شمال الكاميرون"، سكاي نيوز عربية، 28 يناير 2016. على الرابط: https://www.skynewsarabia.com/world/811519

[9] لمزيد من التفاصيل، راجع: http://visionofhumanity.org/app/uploads/2019/11/GTI-2019web.pdf

[10] أنظر في هذا السياق: Edward B. Rackley, "Cameroon’s Far North: Responding to Boko Haram", Oxford Research Group, 31 March 2017. https://www.oxfordresearchgroup.org.uk/cameroons-far-north-responding-to-boko-haram

[11] "انتخابات تشريعية في بلد لم يعرف سوى بول بيا رئيساً"، العين الإخبارية، 9 فبراير 2020. على الرابط: https://al-ain.com/article/legislative-elections-cameroon-atmosphere-tension

[12]  "عصابات تحارب بالوكالة لصالح بوكو حرام في نيجيريا"، بي بي سي عربي، 22 ابريل 2014. على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/worldnews/2014/04/140423_niger_hit_by_nigeria_boko_haram_fallout

[13]  "مقتل جنديين في هجوم جهادي في شمال الكاميرون"، فرانس 24، 27 مايو 2020. على الرابط: https://bit.ly/30bpqkl 

[14] "الجيش الكاميروني يقتل خمسة عناصر إرهابية من جماعة بوكو حرام"، وكالة الأنباء السعودية، 27 يوليو 2020. على الرابط: https://www.spa.gov.sa/2114496

[15] "جيش تشاد يقتل 1000 من مسلحي بوكو حرام في أسبوع"، العربية نت، 10 ابريل 2020. على الرابط: https://bit.ly/2EBzCuF

[16] "تشاد: مقتل عشرة جنود في عملية عسكرية ضد قاعدة لجماعة بوكو حرام"، فرانس 24، 20 سبتمبر 2020. على الرابط: https://bit.ly/3mS0xUh

[17] "الأمين العام يدين الهجمات "الشنيعة" التي وقعت في حوض بحيرة تشاد وأودت بحياة مدنيين بينهم نساء وأطفال"، الأمم المتحدة، 4 أغسطس 2020. على الرابط: https://news.un.org/ar/story/2020/08/1059222

[18] "مقتل سبعة مدنيين على أيدي انتحاريين من بوكو حرام في الكاميرون"، إيلاف، ابريل 2020. على الرابط: https://elaph.com/Web/News/2020/04/1287919.html

[19] "مستغلة الوباء.. "بوكو حرام" تتعاون مع كورونا في إشعال نيجيريا وحدود الكاميرون"، المرجع، 24 ابريل 2020. على الرابط: https://www.almarjie-paris.com/14891

[20] "دول حوض بحيرة تشاد والتحدي الأمني لجماعة بوكو حرام"، قراءات افريقية، 8 أكتوبر 2018. على الرابط: https://bit.ly/32ONaMQ

[21] "لماذا فشلت القوة متعددة الجنسيات بالقضاء على بوكو حرام في غرب أفريقيا؟"، الحرة، 8 يوليو 2020. على الرابط: https://arbne.ws/3iSK6og

 

أحدث الإيجازات