اختيارات بايدن لأعضاء إدارته: السِّمات والدَّلالات

مركز الإمارات للسياسات | 16 يناير 2021

تتمثل الصورة التي تتبلور من خيارات الرئيس المنتخب بايدن لأعضاء إدارته، بأن هذه الإدارة تُعَدُّ وَسَطية عموماً. وتتوافق هذه الصورة مع صورة بايدن كسياسي براغماتي لا يميل كثيراً إلى اليسار، مثل السناتور بيرني ساندرز والسناتور إليزابيث وورين، غير أن بايدن يظل أكثر ليبرالية من مايكل بلومبيرغ.

وتبدو إدارة بايدن لغاية الآن امتداداً لأيديولوجيته المتجذرة في المبادئ التي طالما آمن بها الحزب الديمقراطي، مع تركيز أكبر على معاناة الطبقة العاملة الأمريكية، وشعور جديد بالإلحاح حول التغير المناخي، وتعاطف أعمق تجاه قضايا العدالة العرقية.

قائمة مرشحين متنوعة ومعتدلة تُقابَل بتشكيك

تتسم قائمة مرشحي بايدن بالتنوع، بطرق تحظى بالقبول لدى الليبراليين والناخبين الشباب والأمريكيين السود. كما يتسم أعضاء إدارة بايدن بالاعتدال مثل الناخبين المتأرجحين الذين ساعدوا بايدن بالفوز في ولايات مثل وسكنسن وبنسلفانيا ومشيجان. ويمتلك المرشحون لتولي مناصب في إدارة بايدن عقوداً من الخبرة في صناعة السياسة، تتوافق مع تعهدات بايدن بإعادة الكفاءات الأساسية إلى الحكومة الأمريكية بعد أربع سنوات من عهد إدارة ترمب الفوضوية.

مع ذلك يبدو الجناح الأكثر تقدمية وليبرالية في الحزب الديمقراطي متشككاً ومحبطاً، لأن الإدارة الجديدة ستخضع لهيمنة الفكر القديم، وتفتقر إلى الاستعداد لمواجهة عالم ما بعد ترمب الذي يتسم بمزيد من عدم المساواة العرقية والاقتصادية، والمقاومة الجمهورية الأكثر تمترساً. ولا يوجد لغاية الآن أي شخص في إدارة بايدن يحمل مشعل المطالبة بحرية التعليم الجامعي للجميع، واتفاقية جديدة أكثر كلفة في مجال حماية البيئة، وأجندة مناهضة لشارع المال، ورعاية صحية للجميع، وزيادة كبيرة في الحد الأدنى للأجور.

وعلى صعيد آخر تناول بايدن قضية تعزيز النقابات، وتوفير فرص عمل لطبقة العمال، إضافة إلى زيادة جوهرية في الإنفاق لإقامة طرق وجسور جديدة وصيانة القديم منها. وكان مرشح بايدن لتولي وزارة الصحة والخدمات الإنسانية خافيير بيسيرا على سبيل المثال قد تبنّى في الماضي مقترح "الرعاية الصحية للجميع"، ما يجعله الآن مدعواً إلى دعم خطة الرئيس المنتخب لتحسين برنامج الرعاية الصحية المعروف باسم "أوباما كير"، إذ ألمح بايدن إلى رغبته في إحكام قبضته على صناعة السياسة داخل البيت الأبيض، من خلال تعيين شخصيات موثوقة تمتلك سنوات طويلة من الخبرة يعملون معه عن قُرب.

ويتضح أثر كبير موظفي البيت الأبيض الجديد رون كلين من خلال اختيار المستشارين الذين سيعملون في البيت الأبيض ويمتلكون مكانة وخبرة تمكنهم من العمل بشكل متناغم مع بايدن. وعلى سبيل المثال، فإن مرشح بايدن لتولي وزارة الخارجية أنتوني بلنكن، والذي عمل مع بايدن في الماضي ضمن فريقه في مجلس الشيوخ خلال تسعينيات القرن الماضي، يُشَكِّل أكثر من غيره امتداداً لفكر الرئيس المنتخب في مجال السياسة الخارجية. وردد بلنكن بشكل عام في تصريحات له آراء بايدن، بما في ذلك إيمانه في قيمة قيادة الولايات المتحدة للعالم وتحالفاتها وقوتها العسكرية. كما يُنْظَر إلى الشخصيات التي اختارها بايدن لتولي مناصب مدير الاستخبارات القومية ومستشار الأمن القومي ووزارة الدفاع على أنهم يمتلكون مهارات إدارية وحكومية، غير أن أياً منهم لا يحمل آراء سياسية قوية أو أجندات سياسات مختلفة.

الخلفية القديمة لمُساعدي بايدن الجُدد

وتأتي مناصب معظم مساعدي بايدن لمناصب تقلدوها خلال تولي بايدن منصب نائب الرئيس في عهد أوباما. وعلى سبيل المثال، فقد تولى جيك سوليفان المرشح لتولي منصب مستشار الأمن القومي حالياً المنصب نفسه لنائب الرئيس بايدن آنذاك. كما أن جاريد بيرنستين الذي سينضم الآن إلى عضوية مجلس المستشارين الاقتصاديين، كان مستشاراً اقتصادياً لنائب الرئيس آنذاك. وجاء اختيار بايدن في 10 ديسمبر 2020 لسوزان رايس، التي شغلت منصب مستشار الأمن القومي في عهد أوباما للإشراف على السياسة الداخلية لبايدن الآن، ليس بسبب خبراتها الجوهرية في مجال السياسة الخارجية، بل لقدرتها على التعامل مع المصالح المتنافسة في الإدارة الحكومية المترامية الأطراف والجامحة أحياناً.

كما أن اختيار الجنرال لويد أوستن لتولي منصب وزير الدفاع مهم للغاية لأسباب مشابهة. ولعل بايدن أراد على الأغلب جنرالاً يستطيع مواجهة الجنرالات الآخرين الذين قد يعترضون على بعض سياسات بايدن الأقل عداءً على الساحة الدولية. وجرى استبعاد ميشيل فلورني لتولي حقيبة الدفاع، لأنها تفتقر إلى مثل هذه الوضع العسكري. لكنَّ الثقة والمعرفة شَكَّلَا عاملين حاسمين أيضاً في اختيار أوستن. وأوضح الرئيس المنتخب بايدن في مقال له في مجلة "ذا أتلانتك" مؤخراً أحد الأسباب الرئيسة وراء اختيار الجنرال أوستن. وقال: "أمضيت ساعات لا تُعَدُّ ولا تحصى معه في الميدان وفي غرفة العمليات في البيت الأبيض. طلبت النصح منه، وشاهدت أسلوب قيادته، وأعجبني هدوؤه وشخصيته". باختصار فإن إدارة بايدن تبدو صلبة وراشدة ووسطية، ومن المرجح أن تعمل بشكل متناغم بما يتماشى مع أولويات الرئيس، وليست فريقاً من المتنافسين، بل فريقاً من التضامن والخبرة، وهو ما عكسهُ مثلاً اختيار الدبلوماسي السابق، وليام بيرنز، لشغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية.

ولعل ما هو مؤكد تردد إدارة ترمب في التعاون مع فريق بايدن الانتقالي، حيث أوضح سوليفان أن الإدارة المنتهية ولايتها لا توفر المعلومات بالطريقة المناسبة للفريق الذي من المفترض أن يتولى زمام السلطة. وأبلغ سوليفان وسائل الإعلام في مقابلة حصرية بأن وزارة الدفاع لم تمنح فريق بايدن الانتقالي أي اجتماع منذ 18 ديسمبر 2020. وقال وزير الدفاع بالإنابة كريستوفر ميلر أن الفريقين اتفقا على التوقف عن الاجتماعات. لكنَّ فريق بايدن قال بأنه لم يوافق أبداً على مثل هذا التوقف. وقال سوليفان: "إنه مخطئ. لم يتم تلبية العشرات من الطلبات الخطية للحصول على المعلومات حتى لحظة حديثنا هذه". وقد تكون مثل هذه المقاومة من جانب الجمهوريين للتعاون مع فريق بايدن البدايةَ، ومؤشراً واضحاً لما قد يحدث على المستوى التشريعي أيضاً.

خلاصة

تَعكِس خيارات الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن لأعضاء إدارته الجديدة، ميولها الوسطية والمعتدلة في شكل عام، رغم أن العديد من الأسماء المُرشَّحة/المُختارَة قوبلت بتشكيك وإحباط من قِبَل الجناح الأكثر تقدمية وليبرالية في الحزب الديمقراطي، التي تُجادل بأن الإدارة الجديدة ستكون أكثر خضوعاً لهيمنة الفكر القديم، وتفتقر إلى الاستعداد لمواجهة عالم ما بعد ترمب.

أحدث الإيجازات