يبدو أن وصول الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، إلى البيت الأبيض، لأربعة أعوام مقبلة، قد يُفضي إلى حصول تطورات مهمة في الملف السوري، مع أن هذا الملف لا يبدو حالياً ذو أولوية مُلِحَّة للإدارة الأمريكية الجديدة، وإن كانت سياسة بايدن في مواجهة الدول المُتدخِّلة في الشأن السوري هي مَنْ ستُحرِّك تلك التطورات مستقبلاً، على الأرجح.

قواسم مشتركة بين إدارتي بايدن وترامب

هناك مشتركات أساسية تتقاسمها الإدارة الأمريكية المقبلة مع إدارة الرئيس ترامب في التعامل مع الملف السوري، يتمثل أولها في مواصلة مكافحة التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم "داعش"، خاصة وأن التحالف الدولي لمحاربة التنظيم نشأ في عهد الإدارة الديمقراطية التي كان يترأسها باراك أوباما، وكان فيها بايدن نائباً له.

والمشترك الثاني هو مواجهة النفوذ الإيراني وتمدُّده في سوريا والمنطقة، إلا أن آلية المواجهة مع إيران ستختلف عما كانت عليه في عهد ترامب، إذ ستستخدم إدارة بايدن النهج الدبلوماسي الذي غاب عن سلفه، ومن خلاله سيسعى بايدن للتقارب أكثر مع الدول الأوروبية الكبرى (فرنسا، وألمانيا) التي وقعت على الاتفاق النووي عام 2015 في زمن إدارة الرئيس الأسبق أوباما، وشاب الفتور علاقتها مع إدارة ترامب خلال الفترة الماضية.

ويبرز المشترك الثالث من خلال دعم العملية السياسية بسوريا والدفع بعجلة الحل السياسي، وهنا قد تظهر فوارق ملموسة في آليات التعامل مع هذا الجانب. ففي الوقت الذي استخدمت فيه إدارة ترامب عصا عقوبات "قيصر" دون وجود استراتيجية واضحة وناجعة طيلة السنوات الأربع الماضية، فإن إدارة بايدن قد لا تجد ضيراً في تركيز ضغطها على الجانبين الروسي والتركي أكثر ما كانت تحاول أن تفعله عقوبات "قيصر" بتشديد ضغوطها على موسكو وطهران، خاصة وأن بايدن يملك موقفاً متشدداً من تركيا، إلى جانب أن إدارة أوباما هي مَن فرضت العقوبات ضد روسيا، فضلاً عن أن بايدن قد لا يُعارض سياسة أجهزة الأمن الأمريكية في عدم تشريع إقامة تعاون بين واشنطن وموسكو، وذلك بعدما عمل الديمقراطيون ووكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي على منع ترامب من تطوير العلاقات مع الكرملين من خلال استخدام قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016.

تفاهُمات على المحك

في مقابل سياسة إدارة بايدن المحتملة إزاء الملف السوري، يبدو أن التفاهمات الروسية التركية في سوريا ماضيةٌ في التعمُّق أكثر؛ ليس بفعل التوافقات التي انطلقت منذ مسار أستانا عام 2017 وكرَّست نفوذ الجانبين في مناطق سورية  مختلفة، وإنما بفعل العُزلة التي ستفرضها إدارة بايدن على الجانبين.

فإدارة بايدن قد تُمارس ضغوط على نفوذ أنقرة في سوريا من خلال زيادة التعاون والاعتراف السياسي بـ "الإدارة الذاتية" لشمال شرق سوريا التي يملك فيها الأكراد نفوذاً وازناً، وتمثل فيها قوات سوريا الديمقراطية "قسد" عَصَباً رئيساً، وهي القوات التي تعتبرها تركيا امتداداً "لحزب العمال الكردستاني" في الداخل السوري، وبالتالي فإن إدارة بايدن قد تمنح دعماً غير محدود للأكراد يُفضي إلى إمكانية منحهم مساحة مستقلة لـ "كيان كردي" يكون مُتاخِماً للمناطق الحدودية مع تركيا، ويحظى بدعم اقتصادي، وربما تتجه الإدارة الأمريكية الجديدة للضغط أيضاً باتجاه إشراك هذا الكيان في العملية السياسية في سوريا، الأمر الذي سيثير غضب تركيا ويُحجِّم نفوذها ويقيد إمكانات توسعها في الشمال السوري.

وكان أنتوني بلينكن، الذي عيَّنه بايدن مؤخراً وزيراً لخارجيته، قد أفاد بأن الجنود الأمريكيين الموجودين في شمال شرق سوريا سيظلون باقين هناك من أجل تقديم المشورة لـ "قسد" في حربها ضد تنظيم "داعش" وتأمين حقول النفط في المنطقة، مشيراً إلى أن تلك القوات لا يجب أن تكون هناك فقط من أجل النفط، كما كان يرى ترامب؛ فمنطقة وجودهم تمثل نقطة نفوذ لأن حكومة دمشق تريد السيطرة على الموارد النفطية، ومن ثمَّ فإن إدارة بايدن لا يجب أن تتخلى عن ذلك دون مقابل. ويُعرَف عن بايدن تعاطفه مع القوى السياسية الكردية في العراق، منذ أن كان عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي، أثناء حرب الخليج الأولى، ثم لاحقاً خلال شغله منصب نائب الرئيس في إدارة أوباما (2009-2017). ويبدو أنه سيتعامل مع الأطراف الكردية الأخرى في كل من سوريا وتركيا، ومن شأن ذلك أن يصطدم مع استراتيجيات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فضلاً عن أن بايدن كان قد أثار مسألة الإطاحة بأردوغان من خلال دعم قوى المعارضة التركية، وتعهَّد بالعمل مع حلفاء واشنطن في المنطقة لعزل طموحات الرئيس التركي في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

وعلى صعيد التعامل مع روسيا، فإن الفتور والتوتر اللذين قد يحكمان علاقة إدارة بايدن مع موسكو سيدفعان واشنطن إلى محاولة تحجيم النفوذ الروسي في شمال شرق سوريا، ما يعني أن دعم "قسد" لن يكون تأثيره سلبياً فقط على الأتراك وإنما على الروس أيضاً، الذين قد يُعانون في الشمال الغربي من خلال تكثيف استخدام إدارة بايدن ورقة مكافحة الجماعات الإرهابية هناك، وهي الحُجَّة التي كانت تتذرع بها موسكو للتصعيد العسكري في المنطقة.

 لذا فإن احتمالات تحجيم واشنطن لدور كُلٍّ من موسكو وأنقرة في عموم الشمال السوري، وصولاً إلى طاولة العمل السياسي، ستؤدي وفق رؤية إدارة الرئيس الديمقراطي إلى فرض ضغوط أكثر على هذين الفاعلين المهمين في الملف السوري، اعتماداً على شكل العلاقة المتوقعة بين واشنطن والجانبين الروسي والتركي في ظل إدارة بايدن. وعليه، فإن التقارب الروسي التركي سيزداد تعمُّقاً في المدى القريب؛ ما يعني بالضرورة رسم خارطة تحركات جديدة لكلا الجانبين في الشمال السوري لمواجهة الطوق الأمريكي الذي قد يُفرَض بفعل هذه التشابكات.

خلاصة واستنتاجات

  • هناك إمكانية لنجاح إدارة بايدن في تحقيق ما كانت تسعى له واشنطن في أوقات سابقة، والذي يتركز في إنهاء مسار أستانا، من خلال عزل إيران عن الجانبين الروسي والتركي، ومُقابِل ذلك قد ترمي موسكو بالورقة الإيرانية في سوريا وتُفاوِض عليها من أجل إنقاذ نفسها.
  • وفق المؤشرات الحالية، فإن إدارة بايدن ستعمل على ضبط التفاهمات الروسية التركية في سوريا، ومن ثمَّ تقليص خارطة تبادل النفوذ بينهما في الشمال السوري.
  • في ظل إدارة بايدن، ستعمل واشنطن على دفع الجانب الروسي بشكل عملي إلى القبول بالتفاوض وفق ترتيبات جديدة تؤسس لوقف العمليات العسكرية وتُهيئ خطوات الحل السياسي في سوريا.
  • من المرجح أن كلاً من روسيا وتركيا ستواصلان استخدام ورقة مواجهة "داعش" والجماعات الإرهابية الأخرى في شمال غرب سوريا، من أجل قطع الطريق على الجانب الأمريكي الذي قد يرفع وتيرة التصعيد ضدها في إطار التحالف الدولي.

أحدث الإيجازات