بعد الإعلان الأوَّلي عن فوز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، بانتخابات الرئاسة الأمريكية، ثار جدلٌ بين المراقبين والمحللين حول مضامين توجهات الإدارة الجديدة في البيت الأبيض إزاء الأزمات الساخنة والصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، بما فيها الصراع المحتدم في اليمن منذ أكثر من خمس سنوات.

ويدور الجدل هنا تحديداً بين رأيين أساسيين؛ يؤكد أولهما أن إدارة بايدن ستُحدِث تغييرات راديكالية في المنظور الأمريكي الرسمي تجاه ملف الصراع اليمني، وأنها ستُمارس ضغوطاً كبيرة من أجل تسويته سريعاً. فيما يذهب الثاني إلى أن الإدارة الأمريكية الجديدة لن تُعطي هذا الملف أولوية في تعاطيها مع شؤون المنطقة، بفعل العديد من القيود والتحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها، لاسيما في الأشهر الأولى من ولايتها.

فرضية "التغيير الراديكالي" في التوجُّهات

يتأسَّس منطق مُؤيدي فرضية تغيُّر توجهات إدارة بايدين من الصراع في اليمن؛ على مرتكزات تتراوح بين "المُعتاد (أو ما يعتبرونه كذلك)" و"ظاهِر الخِطاب". فبحسب رأيهم، فإن كل رئيس أمريكي جديد يسعى عادةً إلى إحداث تحولات مهمة في السياسة الخارجية لإدارته، لا سيما إذا كان من حزب مختلف لسلفه، وهو ما سيفعله الرئيس الديمقراطي بايدن أيضاً، مُستدلِّين في ذلك بما قاله بايدن نفسه خلال حملته الانتخابية، وإشاراته المتعددة إلى أنه سيتبنَّى مقاربة مختلفة وسيعمل على إحداث تغييرات جوهرية في سياسات إدارة ترامب التي بحسب تعبير بايدن "ألحقت ضرراً بالغاً بصورة الولايات المتحدة في العالم وبأمنها القومي"، وأنه سيعمل على ذلك استناداً إلى خبرته في قضايا السياسة الخارجية، والتي صقلها خلال توليه منصب نائب الرئيس السابق باراك أوباما، وقبلها خلال رئاسته للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.

وتبعاً لهذا، فإن سياسة بايدن تجاه ملف الأزمة اليمنية ستطالها تغييرات كبيرة، ضمن حزمة تغييرات أوسع ستقوم بها الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه قضايا الشرق الأوسط، في ضوء تعهُّد بايدن بإعادة تقييم دعم بلاده للحرب التي تقودها المملكة العربية السعودية في اليمن، إذ قال إنه سيستجيب لدعوات الكونجرس لإنهاء المساعدات الأمريكية للعمليات العسكرية السعودية في اليمن، بغض النظر عن أن تلك العمليات تمَّت تحت إشراف (وبدعمٍ من) إدارة الرئيس الديمقراطي أوباما. وجاء في برنامج بايدن الانتخابي أن "الأولوية ستكون للضغط على جميع الأطراف لوقف الحرب في اليمن، وتقديم مساعدات إنسانية، والعودة إلى طاولة مفاوضات بين الأطراف المتصارعة"، وأن إدارته ستُباشِر حال وصولها البيت الأبيض العملَ مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتكثيف الجهود الدبلوماسية مع جميع أطراف النزاع، والضغط عليهم للتوصل إلى تسوية سياسية بوساطة الأمم المتحدة.

فرضية "الاستمرار" في السياسات

في المقابل، يعتقد فريق آخر أن إدارة بايدن لن يكون في وسعها إحداث تغييرات جوهرية في مقاربة السياسة الأمريكية الحالية للصراع في اليمن، وأن كل ما بإمكانها فعله خلال فترة ولايتها هو ممارسة ضغوط أكبر على طرفي الصراع بهدف دفعهما للانخراط في مسار الحل السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، ولكن هذه الضغوط لن تشمل بالضرورة وقف مبيعات الأسلحة الأمريكية للسعودية، والتخلي عن التزام واشنطن الطويل الأمد بتعزيز منظومة المملكة الدفاعية.

وعلى الرغم من حدة خطاب بايدن خلال حملته الانتخابية وتوجيهه سهام النقد للمملكة على خلفية الحرب في اليمن واستفحال الأزمة الإنسانية هناك، وقضايا أخرى (مثل مقتل الصحفي جمال خاشقجي)، إلا أن إدارته، كما تُجادِل وجهة النظر هذه، ليس في مقدورها الذهاب بعيداً في مسار "القطيعة الكاملة" مع سياسة إدارة ترامب (ومِن قبلها إدارة أوباما) تجاه الصراع اليمني، لعدة أسباب، أهمها الآتي:

  1. أن جُلّ طاقة إدارة بايدن، خصوصاً في الأشهر الأولى من عهدتها الرئاسية، ستكون مُستغرقة في إدارة العديد من الأزمات الداخلية، من قبيل تفشي وباء كورونا وجهود مكافحته، وتحديات استعادة التعافي الاقتصادي، والتعامل مع معضلة الانقسام السياسي والحزبي في الشارع كما في مؤسسات وأجهزة الدولة (لاسيما المؤسسة التشريعية)، فضلاً عن معالجة مشكلة تنامي التصدُّعات العرقية في البلاد.
  2. أن الإدارة الديمقراطية الجديدة قد تواجه تركيبة مُختلَّة لغير صالحها في مجلس الشيوخ، إذ يُرجَّح استمرار هيمنة الجمهوريين على المجلس. والثابت أن مجلس الشيوخ يلعب دوراً حاسماً في إقرار التوجهات الخارجية للبيت الأبيض إزاء أبرز القضايا والتطورات العالمية، ولا يُمكن إقرار أي قانون تريد الإدارة الأمريكية تمريره من دون قبول المجلس، الذي يتمتع أيضاً بسلطة الموافقة على التعيينات الرئاسية (الوزراء والسفراء والقضاة). وتبقى قرارات إدارة بايدن وحسْم شكل توجهاتها الخارجية مرهونة "بحسم معركة الغالبية في مجلس الشيوخ في 5 يناير المقبل بانتخابات فرعية مزدوجة في ولاية جورجيا". وإذا فاز الجمهوريون في هذه الانتخابات، وهو أمرٌ متوقَّع، فإن المجلس سيحدُّ من قدرة بايدن على اتخاذ مبادرات كبرى على صعيد السياسة الخارجية، رغم سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب.
  3. أن إدارة بايدن قد تجد صعوبة في زحزحة العديد من أُطر التعاطي مع الأزمة اليمنية التي فرضتها إدارة ترامب؛ لاسيما إذا مَضَت في أيامها الأخيرة في تصنيف الحوثيين "جماعة إرهابية"، كما أشارت إلى ذلك تقارير متواترة. وهذا الأمر ليس جديداً في السياسة الأمريكية، بل يبدو جزءاً من تقاليدها التي استقرَّت أخيراً؛ وهو ما اعترف به، على سبيل المثال، الرئيس الأسبق أوباما في مذكراته الصادرة حديثاً، من خلال تأكيده أنه "في السياسة الخارجية، [كان] يجب عليّ الموازنة باستمرار بين المصالح المتنافِسَة؛ المصالح التي تشكلها اختيارات الإدارات السابقة والطوارئ المستجدة".
  4. مع أن أزمة اليمن قد لا تكون مُدْرَجة على سلم أولويات إدارة بايدن الخارجية في الأشهر الأولى من ولايتها (إذ ربما تراها "مسألة هامشية" مُقارنةً بأزمات وقضايا دولية ساخنة أخرى)، فإن الإدارة الديمقراطية على الأرجح، وفي كل الأحوال، ستظل تنظر إلى بلد كاليمن بوصفه "ملفاً أمنياً" بالدرجة الأولى، أي أن مكافحة الإرهاب والتطرف هو الذي سيكون محور اشتغال السياسة الأمريكية في هذا البلد، كما حصل مع الإدارات السابقة، ومن ثمَّ فإن أي تقييم تُجريه إدارة بايدن لاتجاهات الوضع في اليمن، حالياً ومستقبلاً، ومضمون سياستها إزاءه، سيضعان هذا المُحدد/المُعطى في عين الاعتبار باستمرار.
  5. أن إدارة بايدن التي لا تُخفي إمكانية إعادة اعترافها بالاتفاق النووي مع إيران الذي ساهمت إدارة أوباما في إبرامه عام 2015، وانسحبت منه لاحقاً إدارة الرئيس ترامب، قد لا ترغب في إضفاء مزيد من التعقيد على علاقة الولايات المتحدة مع الشركاء الخليجيين المُستائين من توجهٍ محتملٍ كهذا، عبر إثارة قضية الصراع في اليمن ومحاولة فَرْض تسوية معينة لها لا تُراعي المخاوف الأمنية لدول الإقليم، واستخدام هذه القضية أداة ضغط على السعودية تحديداً من أجل القبول بتوجهات بايدن المغايرة تجاه طهران، والتي ربما يُخاطِر فيها باستعادة بعض ملامح السياسة الأوبامية التي ساهمت في تأجيج الطموحات الإيرانية، ولم تعمل شيئاً يُذكَر لمواجهة نزعتها التوسُّعية في المنطقة.

استنتاجات وتوقعات

رغم أن ثمة آراء وفرضيات ما انفكت تؤكد اتخاذ إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن تجاه الصراع في اليمن منحى مُغايراً لما مضت عليه إدارة سلفه الجمهوري، من خلال اعتماد استراتيجية الضغط نحو إيقاف الحرب في هذا البلد وتسوية النزاع بطريقة لا تُراعي مصالح دول الجوار الخليجي وهواجسها الأمنية المشروعة، إلا أن هذه التوقعات تتجاهل في الواقع كمَّ التعقيدات والتحديات الداخلية والخارجية الكثيرة التي ستواجهها الإدارة الديمقراطية بمجرد وصولها البيت الأبيض.

والأرجح أن إدارة الرئيس بايدن ستكون أبطأ في تعاملها مع أزمات منطقة الشرق الأوسط وصراعاتها المُمتدَّة، بما فيها الصراع اليمني الذي دخل عامه السادس، باعتبار "أن المنطقة ستكون ذات أولوية منخفضة للإدارة جديدة التي ستركز على التعامل مع جائحة "كوفيد-19" ببعديها الداخلي والخارجي، والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه آسيا وأوروبا والأمريكيتين"، ومؤدى ذلك أن إدارة بايدن ستميل أكثر إلى التأني في إقرار وحسْم شكل سياساتها المستقبلية تجاه الأزمة اليمنية، وأخْذ التعقيدات الملازمة لها بعين الاعتبار، لاسيما في ضوء الأطر والمحددات التي سبق واعتمدتها إدارة الرئيس ترامب، ومؤسسات صُنْع السياسة الخارجية في واشنطن، في تعاطيها مع هذه الأزمة بكافة أبعادها، وبصفةٍ خاصةٍ في حال مَضَت إدارة ترامب في وضْع أحد أطراف الصراع الرئيسينِ (أي جماعة "أنصار الله" الحوثية) في قائمة الإرهاب، مع ما تحمله هذه الخطوة من إعادة تعريفٍ للصراع اليمني برمته.

ومع هذا، فإن التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن سيكون من مصلحته أخذ أيّ تغيُّر مُحتَمل في توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة إزاء هذا الملف في الاعتبار، وتطوير مُقاربته الراهنة للصراع وسُبُل تسويته تبعاً لذلك، من أجل التخفيف من الضغوط التي قد تُمارسها واشنطن عليه، وإعادة التفكير في الخيارات التي يُمكنه التعاطي من خلالها مع تعقيدات الأزمة اليمنية وتحدياتها، في ظل بطء عجلة الحل السياسي وتوسُّع رقعة الانقسام بين الأطراف المحلية، وتزايُد مظاهر الانخراط الإيراني في هذا البلد، فضلاً عن تنامي التهديدات الأمنية الأخرى المرتبطة بهذه الأزمة.

أحدث الإيجازات