كشف الصراع بين الرئيس السوري بشار الأسد وابن خاله الملياردير رامي مخلوف جُملةً من الحقائق. وبالرغم من تأثير العوامل الذاتية في إبراز الصراع بين الرجلين وتأجيجه، إلا أن هذا الصراع شكَّل اختباراً للكثير من القضايا والمفاهيم المتداولة في عمق الأزمة السورية وعلى سطحها، مثل قدرة روسيا على اختيار بدائل للأسد، أو قدرة أي طرف علوي على الحلول مكان الأسد لدى الطائفة العلوية.

اختزال الشعب بالفئة المؤيدة

اختزل النظام السوري الدولة في أجهزته ومؤسساته، وكانت تلك حيلة لجأ إليها النظام ليمرّر تحتها جميع سلوكياته الخارجة عن منطق السياسة والحكم، فلا يتصرف النظام بهدف تحقيق مصالح معينة لأركانه أو للفئات المرتبطة به، كما لا يدخل في نزاعات مع أطراف داخلية بقصد الحصول على مكاسب سياسية، فهو - وفق هذا المنظور - كيان مُتعالٍ غير منحاز إلا للدستور والقوانين الناظمة، وبالتالي فإن خصومه ليسوا فقط أدنى درجة منه، ولكن أيضاً مُخطئون وخارجون عن القانون.

في صراع مخلوف والقصر (الأسد وزوجته أسماء)، جرى، وبشكل علني، اختزال الشعب بفئة المؤيدين، وبكلام مباشر، بالطائفة العلوية؛ فالطرفان تصارعا بشكل مباشر ودون مواربة على استقطاب الطائفة؛ مخلوف من خلال تركيز مساعداته وعطاياه على مناطق جغرافية محدّدة، شكلت خريطة انتشار الطائفة، في الساحل وأحزمة الفقر في دمشق وحمص، حيث تنشط جمعية " البستان" وشركة" راماك الخيرية"، والقصر الذي سارع إلى إستدراك الأمر عبر محاولة سد الثغرات التي نفذ منها مخلوف إلى الطائفة عبر مصادرة آلياته (جمعية البستان)، وإصدار مراسيم وقرارات تنظّم علاقة القصر بالطائفة وتضعها في نطاق سيطرته، من خلال إدراج جرحى الميليشيات وعوائل القتلى إلى هيكلية الرواتب والتقاعدية.

وخارج الطائفة العلوية، ظهر الشعب، إما على شكل زبون لخدمات "سيرياتل"، الذي لم يكن مطلوباً مراعاته بناء على هذه الصفة، بل الحفاظ على الشركة لأنها الآلية التي تستجر الموارد من هذا الشعب لضخّها في خزينة الدولة وتحويل جزء منها إلى صناديق الجمعيات التي تدعم الشعب الحقيقي (الطائفة)، أو كفائض ملحق بالطائفة، باعتبار أن الجرحى والقتلى من باقي المكونات، لم ينخرطوا بشكل صريح في الدفاع عن النظام وإنما ضمن تشكيلات كان الهدف منها تأمين الحماية الذاتية لمكوناتهم، وبالتالي هم خارج التصنيف الجديد.

تغيُّر توازنات القوى

استطاع النظام السوري إدخال الثورة ضده في سياقات الحروب الأهلية، عبر تطييفه للحراك وشدِّه عصب الطائفة، وفي هذا النمط من الصراعات فإن النتائج النهائية لن تكون على شكل تغييرات في الآليات الدستورية وهياكل السلطة، وإنما في توازنات القوى بين المكونات، إذ يجب أن يكون هناك طرف رابح، بغض النظر عن آليات وأساليب وصوله لهذه النتيجة.

وكان من مخرجات الحرب حدوث تغير كبير في موازين القوى بين المكونات السورية، حيث فقدت الأكثرية السورية وزنها وتأثيرها، إما بسبب خسارتها للحرب "الأهلية"، أو لارتباطها بالحركات المتطرفة، وإن كان هذا الإرتباط قسرياً أو جاء نتيجة استثمار اللاعبين الآخرين لهذا الأمر لتحقيق عوائد سياسية في الحرب عبر تصويرهم لها على أنها جزء من سياق الحرب العالمية ضد الإرهاب.

ويعكس هذا التراجع في حجم تأثير الأكثرية السورية، تراجع فعالية وتأثير الطرف العربي، الذي يُشكّل عمق هذه الأكثرية الاستراتيجي، وتراجع أدواره، بعد أن كان لاعباً مقرراً في سنوات الحرب، ما قبل التدخل الروسي في سوريا.

تشابك الجيوسياسي بالطائفي

أسهمت متغيرات الحرب في تحوّل المكون العلوي في سوريا إلى أهم المكونات، ليس فقط بالنظر لقدرته على حشد طاقاته لتحقيق أهدافه وتوحُّده، بل لارتباطه بالمشاريع الجيوسياسية للاعبين المؤثرين المنخرطين في الصراع، ويدرك أطراف لعبة "مخلوف-الأسد" هذه المعادلة، ويحاول كل طرف توظيفها لمصلحته، وهذا ما يُفسِّر توجههما الكثيف للطائفة واعتبار المكونات الأخرى فائض على هامش هذا المكون.

وقد شكّل عنصر الأرض دوراً مهماً في هذه المعادلة، فالمكوّن العلوي يسيطر على الفضاء الاستراتيجي الذي يشكل مربط المشاريع الجيوسياسية لإيران التي تهدف استراتيجيتها الحديثة" إلى الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، والذي تعتبره مُنقذاً لأزمتها الجيوبولوتيكية الناتجة عن حصار الولايات المتحدة الأمريكية لها بالعقوبات الاقتصادية والمراقبة الحثيثة في الخليج العربي، في ظل انعدام واضح لتوازن القوى بين الطرفين.

"أسهمت متغيرات الحرب في تحوّل المكون العلوي في سوريا إلى أهم المكونات، ليس فقط بالنظر لقدرته على حشد طاقاته لتحقيق أهدافه وتوحُّده، بل لارتباطه بالمشاريع الجيوسياسية للاعبين المؤثرين المنخرطين في الصراع"

على الجانب الاخر، يُشكّل الساحل السوري جزءاً عضوياً في هيكلية الخريطة الأوراسية، المشروع الجيوسياسي الروسي في نسخته البوتينية، لذا ليس مصادفة أن روسيا بنت قواعدها العسكرية وركزت أصولها الإستراتيجية في سوريا، إما على خطوط التماس الطائفي، في حميميم ومطار حماة، أو في عمق الساحل، ميناء طرطوس، كما ركزت غالبية مصالحها الاقتصادية واستثماراتها في هذه المناطق حصراً. ويؤشر حجم المعسكرات والقواعد التي بنتها روسيا في هذه المنطقة إلى اتخاذها حصناً وملجأً في حال واجهتها مقاومة في بقية المناطق السورية، وهذا بدوره غذَّى الشعور بالتفوق والأهمية لدى العلويون الذين باتوا محميين ولديهم خيارات أخرى.

انعكست هذه المعطيات على المواقف السياسية لروسيا وإيران، اللتين تهتمان باستقرار البنى السياسية والأمنية في سوريا، وتدركان أن أي عبث في هذه البنى من شأنه إحداث انهيارات في منظومة الحكم السورية؛ فقد عملت روسيا وإيران، طوال سنوات الحرب، على تطويع الجسم السوري، بقوة النار والحديد، ليتلائم مع هذا الوضع، لا تكييف السلطة لتتناسب مع الواقع السوري بعد الثورة.

وترغب روسيا تحديداً، ومن خلفها الأسد، بإعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية في سوريا، كمناورة تكتيكية، الهدف منها إعطاء صورة جديدة للأوضاع يمكن تسويقها للعالم الخارجي؛ فمخلوف كان فاعلاً مهماً في لحظة تاريخية انتهت؛ أدى خلالها الدور المطلوب في دعم النظام الذي يطمح إلى تسويق صورة جديدة تؤشر على مرونته وتكيُّفه مع مطالب البيئة الدولية، ويريد التخلص من كل الحمولات التي تعيق تقدمه باتجاه هذا الهدف. ومخلوف نفسه يدرك هذا الأمر، وقال للأسد في أحد تسجيلاته "لن أكون عبئاً عليك، ولن أحرجك".

تقديرات خاطئة

بَنى مخلوف تقديراته، في مواجهة الأسد، على خوف الأخير من حدوث تصدعات في البيئة المؤيدة (الطائفة)، وكذلك على إمكانية التحريض على أسماء الأسد، على اعتبار أنها طرف سُنِّي في معادلة السلطة، وأنها تسحب البساط من تحت الطائفة إلى الطرف السُّني. وتوقّع مخلوف، وهذا واضح من خطابه التهديدي، أن الأسد سيرضخ ويتراجع عن قراراته قبل تحويلها إلى إجراءات ملموسة، لكن يبدو أن هذه التقديرات كانت خاطئة للأسباب الآتية:

  • فقد ثبت أن العلويين غير مستعدين للانخراط في صراع داخلي؛ فهم خارجون للتو من استنزاف دام سنوات طويلة، كما أن بقاء مخلوف أو إزاحته ليست مسألة مصيرية وجودية كالحرب التي اختبروها في السنوات السابقة.
  • يُدرك العلويون أهمية المكانة التي حققوها في الواقع السوري، وهم واعون أن ذلك تحقّق بفضل توحُّدهم بدرجة كبيرة، عكس المكونات الأخرى التي مزقتها الصراعات الداخلية وأضعفت مواقفها.
  • يخشى العلويون أن يكون رامي مخلوف منخرطاً ضمن لعبة البحث عن بديل للأسد، وهذا يعني أنه نفسه سيكون له بديل إذا ما تم تمرير هذا المشروع.
  • بالنسبة للعلويين، يعتبر الأسد ضمانة دولية لهم، ورغم أهمية العامل الاقتصادي بالنسبة لهم، إلا أن إزاحة الأسد ستعني إزاحة الغطاء السياسي والأمني عنهم، وهذه مغامرة في ظل الظروف المحلية والإقليمية الراهنة.

الخلاصة

لا يمكن تفسير أي صراع في سوريا خارج السياقات السياسية والجيوسياسية في هذا البلد، ولهذا الأمر معنيان؛ إزاحة كل ما يتعارض مع هذه السياقات أو يؤثر على حركيتها، وأن درجة أهمية وفاعلية اللاعبين المحلية تتحدّد بارتباطها وتشابكها مع تلك السياقات.

وأياً تكن تسمية الحركة التي قام بها رامي مخلوف؛ احتجاجٌ، أو ثورةٌ، أو تمردٌ، فقد كان محكوماً عليها بالموت، وهو لن يستطيع أن يُغيّر بحسابه الشخصي على موقع الفيسبوك ما تم تكريسه في سوريا عبر دماء وأموال كثيرة، كما لن يستطيع وقف التحوّلات الجارية في سوريا وفق مخطط الفاعل الروسي.

أحدث الإيجازات