العقوبات الأمريكية على تركيا: الدلالات والتداعيات

مركز الإمارات للسياسات | 13 يناير 2021

شهد الاجتماع المغلق لوزراء خارجية حلف شمال الأطلسي في بروكسل 3 ديسمبر 2020 مشادة قوية بين وزيري خارجية تركيا والولايات المتحدة، إذ اعتبر بومبيو أن تصرفات أنقرة تضر بحلف الناتو من خلال شرائها أسلحة روسية، وانتقد بومبيو بشدة إرسال تركيا مقاتلين سوريين إلى ليبيا وقره باغ في أذربيجان. وجاءت هذه التصريحات القوية لوزير الخارجية الأمريكي تمهيداً لضغط الكونغرس على الرئيس دونالد ترمب التي انتهت أخيراً بفرض إدارة ترمب عقوبات كاتسا ضد وكالة المُشتريات الدفاعية التركية لمعاقبة أنقرة، بعد أكثر من ثلاث سنوات من شرائها أنظمة الدفاع الصاروخي طراز "أس-400" من روسيا.

الأبعاد والدلالات

مع أن الرئيس ترمب اختار عقوبات مخففة طالت فقط مؤسسة التصنيع العسكرية التركية ورؤساءها دون أن يتم فرض عقوبات على الحكومة التركية، إلا أنها كانت بمنزلة تحذيرٍ للدول الأخرى - بما في ذلك الهند ومصر - التي تُفكّر في شراء أسلحة ومعدّات عسكرية أخرى من موسكو. وستفرض العقوبات جزاءات اقتصادية على الصادرات الأمريكية أو التصاريح أو القروض إلى وكالة المشتريات الدفاعية التركية، وتُجمّد الأصول التي تحتفظ بها أمريكا لأربعةٍ من كبار مسؤوليها، كما مُنع المسؤولون الأربعة من دخول الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن العقوبات تقتصر على وكالة المشتريات الدفاعية، قال مُحللون أتراك إن العقوبات ستُقيّد الصناعات الدفاعية في البلاد والدبلوماسية مع الدول الأخرى.

وأظهر الإعلانُ عن العقوبات، خلال الأسابيع الأخيرة للرئيس ترمب في منصبه، حرصَ المسؤولين الأمريكيين على تجاوز تقارب الرئيس ترمب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومحاسبة البلاد على احتمال السماح لروسيا بالتسلّل إلى تقنيات الدفاع الغربية. إن رفض تركيا التراجع عن شراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي "أس-400"، لم يترك أمام الولايات المتحدة أي خيار. فقد قاوم الرئيس ترمب فرض العقوبات العام الماضي، بعد أن تسلّمت تركيا النظام الدفاعي الصاروخي من روسيا، ما أغضب أعضاء الكونغرس الذين وافقوا على إدراجهم الإلزامي لتلك العقوبات في مشروع قانون الإنفاق العسكري لعام 2021. وأثار المسؤولون الأتراك الغضبَ الأمريكي من خلال اختبار نظام الدفاع الصاروخي المثير للجدل في أكتوبر الماضي، بسبب تحذيرات أمريكية بعدم تشغيله.

ومع ذلك، فإن بيان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بشأن العقوبات اتسم بالحزن أكثر من الغضب، حيث أشار إلى أن الولايات المتحدة حثّت تركيا مراراً وتكراراً على عدم شراء النظام الدفاع الصاروخي الروسي من طراز "أس-400"؛ وأشار إلى التعليق الأمريكي السابق لمُشاركة تركيا في شراكة إنتاج المقاتلات الامريكية طراز "أف-35". وتطلّع وزير الخارجية الأمريكي إلى التشاور مع تركيا "لحل هذه المشكلة، ما يسمح باستمرار التعاون في قطاع الدفاع بين الجانبين". وكان ذلك نوعاً من الرد المحسوب على فعل غير مرغوب فيه من قبل حليف تتخذه أي إدارة أمريكية. وفي أنقرة، حثّت وزارةُ الخارجية التركية الولايات المتحدة على إعادة النظر في هذا القرار غير المُنصف وتصحيح هذا الخطأ الجسيم في أسرع وقت مُمكن. وقال البيان: "ستتّخذ تركيا الخطوات اللازمة ضد هذا القرار الذي سيؤثّر سلباً على علاقاتنا، وسترد بالطريقة والتوقيت الذي تراه مناسباً، ولن يمنع ذلك تركيا من اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها القومي".

وأشارت الحكومة التركية أيضاً إلى أن ترمب وصف شخصياً التهديد بالعقوبات بأنه "غير مُنصف حقاً" في يوليو 2019، عندما ألقى باللوم على إدارة أوباما في النزاع الذي دام لسنوات. وفي ذلك الوقت، قال ترمب إن الرئيس السابق باراك أوباما رفض بيع النظام الدفاعي الصاروخي الأمريكي الصنع طراز "باتريوت" إلى تركيا، ولم يترك لها أي بديل سوى شراء المعدات الدفاعية الروسية. وفي الحقيقة، درست إدارة أوباما مسألة بيع صواريخ طراز "باتريوت" لتركيا، لكن المُفاوضات بهذا الخصوص فشلت مراراً وتكراراً.

التداعيات المحتملة

في أول رد على حزمة العقوبات الأمريكية الأخيرة، قال الرئيس أردوغان إنها جاءت من أجل "تقويض الصناعات العسكرية التركية المتنامية"، فيما أكدت مؤسسة الصناعات العسكرية التركية أن العقوبات الأمريكية لن تؤثر على عملها، وأن لديها خططاً بديلة من أجل إتمام مشاريعها، التي لم تكشف عنها. بيد أن خبراء أتراك يُشيرون إلى العقوبات الأمريكية ستؤدي إلى تراجع قدرة مؤسسة الصناعات العسكرية التركية من تصنيع المزيد من الأسلحة التي يدخل فيها أي جهاز أمريكي، بالإضافة إلى تعطيل توريد قطع غيار الأسلحة الأمريكية التي تستخدمها تركيا وفي مقدمتها طائرات إف-16 القوة الضاربة لسلاح الجو التركي.

لكن هذه العقوبات تركت الباب مفتوحاً أمام أنقرة لمحاولة الالتفاف عليها، حيث بدأت الحكومة التركية العمل على تحويل بعض المشاريع الضرورية التي تتولاها مؤسسة التصنيع العسكرية التركية إلى وزارة الدفاع التركية غير المشمولة بالعقوبات. ويبقى الأمر هنا منوطاً بالإرادة السياسية الأمريكية بشأن توسيع هذه العقوبات لتشمل جميع المؤسسات التركية أو تخصيصها بمؤسسة الصناعات العسكرية فقط مما يفسح المجال أمام أنقرة للالتفاف عليها.

وبالإضافة إلى العقوبات الأمريكية، يدرُس الاتحاد الأوروبي أيضاً فرض عقوبات على تركيا بسبب حقوق التنقيب عن احتياطيات الغاز في مياه البحر الأبيض المتوسط ​​المُختلف بشأنها، والتي تطالب بها اليونان وقبرص. وعلى الرغم من وقوف الولايات المتحدة والكثير من دول أوروبا ضد تركيا، إلا أن أياً منهما لا يريد أن تترك الدولة ذات الموقع الاستراتيجي حلف الناتو. وبالرغم من شرائها لأنظمة الدفاع الصاروخي الروسي، فإن تركيا على خلاف مع موسكو بشأن مُعظم القضايا الجيوسياسية، وتُمثّل إلى حد كبير حصناً أمام تقدّمها ضد دول الغرب.

آفاق العلاقات الأمريكية-التركية

الآن، وبعد أن فرضت إدارة ترمب العقوبات، قد يكون لدى إدارة بايدن فرصة لتحويل العلاقات في اتجاه أفضل مع تركيا. ومن خلال فرض العقوبات بموجب قانون "خصوم واشنطن" أو "كاتسا" قبل أن يتولّى بايدن منصبه، واختيار الحد الأدنى من قائمة العقوبات، تركت إدارة ترمب للإدارة الامريكية المُقبلة بعض المجال لمحاولة إعادة ضبط تلك العقوبات وبشكل مشروط على الأقل. ولن يكون تجاوز مشكلة منظومة "أس-400" أمراً سهلاً؛ فهي معدّات عسكرية مُتقدّمة، والولايات المتحدة تطلب من تركيا التخلّي عنها. ومع ذلك، فإن دمج هذه المنظومة في جيش يعمل مع حلف الناتو لابد من أن يمثل مُشكلة، كما كان الأتراك على علم بذلك منذ البداية. ويجب أن يسعى كلا الجانبين إلى تحسين العلاقات والاستعداد للعمل لتحقيق هذه الغاية.

وفيما يتعلق بمستقبل علاقة أنقرة مع حكومة الرئيس المنتخب جو بايدن، فإن أنقرة تسعى لتحسين العلاقات معها من خلال أربعة اتجاهات:

الأول، تفعيل نشاط مؤسسات الضغط واللوبيات الأمريكية، بالتعاون مع قطر وعلاقاتها مع الحزب الديمقراطي.

الثاني، من خلال السعي للتقارب مع إسرائيل من أجل الاستفادة من اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.

الثالث، تعيين سفير جديد تركي في واشنطن هو السياسي والعضو في الحزب الحاكم مراد مرجان المعروف بعلاقاته الجيدة مع الغرب منذ توليه رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان التركية عام 2004 لعدة سنوات، ومعروف عن مرجان أنه من المؤيدين لمشروع واشنطن بدعم قيام كيانات كردية في شمال العراق وسوريا.

والرابع، تقديم نموذج تركي تراهن أنقرة على أنه قد يقنع صانع القرار الأمريكي ومؤسسات الدولة الأمريكية للتعاون مع تركيا وغض البصر عن دعواتها لتوسيع هامش الديمقراطية والحريات في تركيا، لحساب تعاون إقليمي أوسع مع أنقرة. إذ تسعى أنقرة إلى تقديم نفسها على أنها الذراع العسكري الأقوى الذي يمكن أن تعتمد عليه واشنطن في المنطقة إن هي قررت الانسحاب منها، وأن الجيش التركي قد أثبت قدراته القتالية في ليبيا وقره باغ وسوريا، وأنه يمكن أن يكون اليد الضاربة للمصالح الأمريكية في القوقاز والشرق الأوسط وأفريقيا، من خلال قوته العسكرية وقواعده هناك، وأن الرئيس أردوغان يمكن الاعتماد عليه في تنفيذ العديد من المشاريع التي قد لا تستطيع الدول الأوروبية المساهمة فيها بسبب "الديمقراطية" في تلك الدول التي قد تحُول دون مشاركتها العسكرية في الخارج، بينما صلاحيات الرئيس أردوغان وتفرده في الحكم، وتراجع الديمقراطية والمحاسبة في تركيا، تخوله لخوض "مغامرات عسكرية" كبيرة في المنطقة حتى لو كانت ضد المصالح الروسية، وذلك في حال حصول تفاهم تركي أمريكي استراتيجي على خطط واشنطن في المنطقة مستقبلاً.

أحدث الإيجازات