­­الوضع السياسي في تشاد بعد مقتل الرئيس إدريس ديبي

مركز الإمارات للسياسات | 26 أبريل 2021

أُعلن في 20 أبريل 2021 عن وفاة الرئيس التشادي إدريس ديبي متأثراً بجراحه إثر مشاركته في معركة ضد المعارضة المسلحة في شمال البلاد، بعد ساعات من إعلان فوزه بولاية سادسة في انتخابات 11 أبريل بحصوله على 80% من الأصوات.

تُحلل هذه الورقة معطيات الوضع السياسي التشادي بعد رحيل ديبي المفاجئ، مع محاولة استشراف مستقبل المشهد الداخلي في تشاد.

مستجدات الوضع السياسي التشادي

كان مركز الإمارات للسياسات قد توقع في ورقة إيجاز سابقة فوز الرئيس إدريس ديبي في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كما ركّز في تحليله لسيناريوهات المستقبل السياسي في تشاد على احتمالَي التوريث العائلي، وتغيير النظام عن طريق حركات التمرد المسلحة. وما حدث في تشاد مع الرحيل المفاجئ للرئيس ديبي هو مزيج من السيناريوهَين؛ أي نجاح حركة التمرد المسلحة في القضاء على رأس النظام، في الوقت الذي تقرر أن يستلم السلطة مجلسُ عسكري انتقالي برئاسة محمد إدريس ديبي نجل الرئيس الراحل (يبلغ من العمر 37 عاماً، وهو يشغل منصب رئيس الحرس الرئاسي، ويفتقر إلى الخبرة السياسية).

ورغم أن الكثير من الغموض ما زال يلف الأحداث الأخيرة، إلا أن معلومات المصادر التشاديّة تتلخص في العناصر التالية:

  • مشاركة الرئيس ديبي المباشرة في المعركة التي احتدمت مع قوات "جبهة التناوب والتوافق" التي هاجمت من الحدود الليبية إقليمَي تيبستي وكانم، ووصلت إلى مسافة 300 كيلومتر من العاصمة إنجامينا. ومع أن ديبي تعود من قبل المشاركة في المعارك ضد الحركات المسلحة المناوئة، إلا أن المعطيات المتوافرة تؤكد أنه واجهَ مخاطرَ لم تكن متوقعة رغم مساعدة الفرنسيين الاستخبارية، ووجود كتيبة منتخبة من الحرس الرئاسي يقودها نجله محمد ديبي. وقد أُصيب الرئيس ديبي في صدره، ولم يصل إلى العاصمة إلا بعد مفارقته الحياة.
  • بعد رحيل الرئيس ديبي ظهرت نقاشات عارمة بين أركان نظامه من القيادات العسكرية والزعامات القبلية الحليفة حول الخيارات المناسبة لتسيير المرحلة الانتقالية. وقد برز خياران أساسيان هما: العمل بنصوص الدستور الذي يُنيط إدارة المرحلة الانتقالية برئيس البرلمان الذي يشرف بعد ذلك على تنظيم انتخابات رئاسية في مدة لا تتعدى 90 يوماً، أو تسلم الجيش مسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية. وتم تبني الخيار الثاني من أجل ضمان استمرارية السلطة، ومواجهة مخاطر حركات المعارضة المسلحة. وبحسب المعلومات المتوافرة، تم تبني الخيار العسكري بالتوافق مع فرنسا وبعض الدول الأفريقية الحليفة لها، مثل الكونغو والنيجر وبوركينا فاسو.
  • بالنظر إلى الخلافات الداخلية التي تعرفها المجموعة الزغاوية التي هي القاعدة القبلية لنظام ديبي، تم الاتفاق على محمد إدريس ديبي الذي يبدو أنه الأقدر على جمع كلمتها والحفاظ على وحدتها وانسجامها، كما أن القيادات العسكرية الكبرى اتفقت على تسليمه السلطة.
  • لا يزال الغموض قائماً حول طبيعة الدور الخارجي في تصفية الرئيس ديبي. فالمعروف أن "جبهة التناوب والتوافق" تأسست عام 2016 في جنوب ليبيا من مجموعات "الغوران" التي تنتمي لعشيرة التبّو الحاضرة بقوة في إقليم فزان بليبيا وفي شرق النيجر وشرق تشاد، والجبهة في أصلها قد انشقت عن "اتحاد قوى الديمقراطية والتنمية" الذي يقوده وزير الدفاع الأسبق الجنرال محمد نوري. وقد لقيت الجبهة عند تأسيسها دعماً قوياً من قوات مصراتة، في إطار صراعها مع الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، إلا أنها الْتحقت بحفتر وانضمت إليه في حربه للسيطرة على طرابلس في أبريل 2019، وأصبح لها وجودٌ دائم في الجنوب الليبي وارتباط قوي بقوات فاغنر الروسية. وبما أن المشير خليفة حفتر حليفٌ للرئيس ديبي فإنه قد عمل على كبح جماح الجبهة وصدّها عن الهجوم على النظام التشادي. إلا أن المعادلة الجديدة في ليبيا قد فرضت إخراج الحركات المسلحة الأجنبية من الأرض الليبية، فلجأت قوات الجبهة إلى منطقتي أم الأرانب والواو الكبير على الحدود التشادية، وأصبحت خارج سيطرة الجيش الوطني الليبي. وتسرَّبت بعض المعلومات حول إمكانية استفادتها من دعم تركي أو قطري ضمن معطيات الصراع الإقليمي في ليبيا، باعتبار أن تصفية الرئيس ديبي تُضعف حظوظ المشير حفتر في السيطرة على الجنوب الليبي.

مستقبل الوضع السياسي التشادي

من الصعب في الوقت الراهن رصد مستقبل الوضع السياسي التشادي، فلا تزال الأحداث تتسارع والمعطيات تتغير، إلا أن الاحتمالات القائمة تتأرجح حالياً بين ثلاثة سيناريوهات:

  • سيناريو الإدارة العسكرية لعملية الانتقال السياسي من خلال المجلس العسكري الذي استلم السلطة وألغى الدستور، وحلّ الحكومة والبرلمان، وقرر تنظيم انتخابات رئاسية "حرة وديمقراطية" بعد 18 شهراً. ويبدو أن هذا السيناريو هو نَتاج التوافق الداخلي بين أجنحة النظام العائلية والقبلية والعسكرية، والتوافق الإقليمي في بلدان منطقة الساحل ووسط أفريقيا، ويبدو أنه يحظى بدعم فرنسا مع تحفظٍ على المدة الانتقالية، واشتراطٍ لحوار سياسي شامل لإخراج البلاد من أزمتها الداخلية. إلا أن هذا السيناريو يظل محفوفاً بكثير من المخاطر، من بينها ضعف القاعدة السياسية للنظام، وتصدّع قاعدته القبلية، واتساع المنافسة والخلاف بين القيادات العسكرية، فضلاً عن رفض القوى السياسية المعارضة والحركات المسلحة لخيار الحكم العسكري الانتقالي، ومطالبتها بسلطة انتقالية مدنية توافقية لتسيير المرحلة القادمة.
  • سيناريو الصراع العسكري باشتداد المواجهة بين قوات النظام والحركات المعارضة المسلحة التي دعت إلى الهجوم على العاصمة إنجامينا وفرض التغيير بالقوة. وأهم هذه الحركات المسلحة هي "اتحاد قوى المقاومة" الذي هو تكتل من عدة جماعات مسلحة تتركز حول المتمردين من قبيلة الزغاوة التي ينحدر منها الرئيس ديبي، ويقودها ابن اخته تيمان أرديمي الذي كاد أن يسيطر على إنجامينا عام 2008، وهو حالياً مقيم في قطر وله قاعدة قوية في إقليم دارفور السوداني، وكذلك "جبهة التناوب والتوافق" التي تنشط في جنوب ليبيا وتضم وحدات جيدة التسلح والتدريب. وبالنظر إلى المسار السياسي الحديث لتشاد فإن الوصول إلى السلطة يتم عادة من خلال حركات التمرد المسلحة، وقد تستفيد من مصاعب الانتقال السياسي الحالية لانتزاع السلطة. إلا أن السؤال المطروح هنا يتعلق بالموقف الفرنسي في حال بروز تهديد حقيقي للنظام العسكري الجديد، بالنظر إلى وجود قاعدة جوية فرنسية ثابتة في إنجامينا تدخلت في السابق لإنقاذ نظام الرئيس ديبي الذي هو أهم حليف لفرنسا في حروبها ضد الجماعات المتطرفة في الساحل.
  • سيناريو التوافق الوطني على غرار النموذج السوداني، بما يعني قيام وساطة أفريقية ودولية للتقريب بين الفرقاء من مؤسسة عسكرية وقوى سياسية ومجتمع مدني وحركات مسلحة، وصولاً إلى تشكيل مؤسسات انتقالية إجْماعية بدل انفراد القيادات العسكرية بإدارة المرحلة الانتقالية. وهذا السيناريو هو الأكثر نجاعة وفاعلية، ويبدو أنه سيُطرح من داخل الاتحاد الأفريقي انسجاماً مع مرجعياته الرافضة للأحكام العسكرية، باستلهام تجربة السودان التي نُقل تطبيقها بشكل ما إلى مالي، وبخاصة أيضاً أن تشاد تترأس حالياً الاتحاد الأفريقي ورئيس المفوضية هو موسى فكي الذي كان يشغل سابقاً وزير خارجية تشاد.

خلاصة

  • بدلاً من العمل بنصوص الدستور، اختارت القيادات العسكرية الكبرى والزعامات القبلية الموالية للنظام في تشاد تولي الجيش مسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية عقب الإعلان عن مقتل الرئيس إدريس ديبي، من أجل ضمان استمرارية السلطة ومواجهة مخاطر حركات المعارضة المسلحة. فأعلن المجلسُ العسكري تعطيلَ الدستور وحلّ الحكومة والبرلمان، وتنظيم انتخابات رئاسية "حرة وديمقراطية" بعد 18 شهراً، وسُلمت رئاسة المجلس للجنرال محمد إدريس ديبي، الذي كان يشغل منصب رئيس الحرس الرئاسي والذي يفتقر إلى الخبرة السياسية.
  • توجد ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الوضع في تشاد: الأول، الحكم العسكري الانتقالي وهو سيناريو محفوف بالمخاطر بسبب رفض القوى السياسية والحركات المسلحة له ومطالبتها بسلطة انتقالية مدنية توافقية لتسيير المرحلة القادمة. والثاني، سيناريو الصراع العسكري مع اشتداد المواجهة بين قوات النظام والحركات المعارضة المسلحة، وهذا السيناريو يعتمد كثيراً على موقف فرنسا. والثالث، سيناريو التوافق الوطني على غرار النموذج السوداني، وهذا السيناريو الأكثر نجاعة وسيدعمه الاتحاد الأفريقي.

أحدث الإيجازات