التمدُّد الروسي في أفريقيا: واقعه وآفاقه

مركز الإمارات للسياسات | 25 يوليو 2021

تكررت تصريحات كبار المسؤولين الفرنسيين في الآونة الأخيرة، مُحذرةً من الاختراق الروسي المتزايد للقارة الأفريقية الذي تحول إلى مصدر قلق للدول الغربية وتكتل حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومن أبرز هذه التصريحات تنديد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في 18 يونيو 2021 بالسياسة الروسية في جمهورية آسيا الوسطى التي أنْهت فرنسا تعاونها العسكري والاقتصادي معها، وسط اتهام حكومتها بـ"التواطؤ" مع حملة مناهضة لفرنسا تقودها روسيا الاتحادية.

تتناول هذه الورقة خلفيات الدور الروسي الجديد في أفريقيا، وواقعه، وآفاقه المستقبلية.

خلفيات ومعطيات الدور الروسي في أفريقيا

إذا كانت الساحة الأفريقية شكّلت في حقبة الحرب الباردة إحدى جبهات الصراع الدولي بين الكتلة الاشتراكية التي يقودها الاتحاد السوفيتي والكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الدور الروسي كاد يتلاشى منذ مطلع تسعينات القرن الماضي. وفي الوقت الذي ركّزت الصين في العقدين الأخيرين على السوق الأفريقية، وأصبحت الشريك التجاري الأول لدول القارة، فإن روسيا لم تهتم بأفريقيا إلا في السنوات الأخيرة.

برز الاهتمام الروسي الجديد بأفريقيا بعد أزمة أوكرانيا في عام 2014 التي تسببت في شرخ خطير في العلاقات الروسية-الغربية، وما تلاها في العام نفسه من ضم إقليم شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي. وفي سبتمبر 2015 تدخلت روسيا عسكرياً بقوة في سورية، وركزت وجودها العسكري في القاعدة البحرية في طرطوس على الشاطئ المتوسطي، وهي السنة نفسها التي فيها أعلنت استراتيجيتها الجديدة لاختراق القارة الأفريقية.

وإذا كان هذا الاختراق برز بوضوح في التدخل العسكري المباشر في جمهورية أفريقيا الوسطى عام 2018، وفي الساحة الليبية في الفترة نفسها من خلال الشركة الأمنية الخاصة (فاغنر) الداعمة لقوات الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، إلا أن وتيرة الاتصالات والاتفاقيات مع الدول الأفريقية تسارعت منذ عام 2015.

ومع أن الرئيس فلاديمير بوتين بدأ اهتمامه الفعلي بأفريقيا من خلال زيارته التاريخية لدولة جنوب أفريقيا عام 2006، كما أن خليفته دميتري مدفيديف زار خمس دول أفريقية، أغلبها في جنوب القارة عام 2009 (بالإضافة إلى مصر ونيجيريا)، إلا أن الأعوام الخمسة الأخيرة عرفت نقطةَ تحول كبرى في العلاقات الروسية-الأفريقية. فما بين عامي 2014 و2019 زار 12 زعيماً أفريقياً روسيا، ووُقعت 19 اتفاقية عسكرية ما بين روسيا والدول الأفريقية، أضيفت إليها اتفاقيات جديدة ما بين عامي 2019 و2021.

وشملت هذه الشراكات، عدا مصر والجزائر اللتين تُعدان شريكتين قديمتين لروسيا، أنغولا والكونغو وغينيا ومالي وتشاد وجمهورية آسيا الوسطى والموزمبيق وموريتانيا. وفي حين ارتفع حجم التجارة الخارجية مع الدول الأفريقية من 3.4 مليار دولار عام 2015 إلى 14.5 مليار دولار عام 2016، وقد يكون هذا الرقم قد تضاعف حالياً بحسب بعض التقديرات، فإن روسيا تحولت إلى الشريك الأول لأفريقيا في المنتجات العسكرية. وهكذا تضاعف حجم تجارة السلاح مع الدول الأفريقية ما بين 2016 و2020. وتتحكم روسيا حاليا بنسبة 37.6 بالمئة من سوق السلاح في أفريقيا (في مقابل 16 بالمئة للولايات المتحدة، و14 بالمئة لفرنسا، و9 بالمئة للصين).

وفضلاً عن تركز الوجود العسكري الروسي في البحر الأبيض المتوسط عن طريق البوابتين السورية والليبية، تسعى روسيا إلى توطيد حضورها في البحر الأحمر من خلال عزمها بناء قاعدة للدعم اللوجستي في إريتريا (ميناءا مصوع وعصب)، وقاعدة أخرى في ميناء بورتسودان بالسودان، مع استعادة مراكز النفوذ التقليدية في أثيوبيا وأنغولا، والنفاذ إلى منطقة الساحل الأفريقي والضفة الغربية الأفريقية الأطلسية عبر موريتانيا وغينيا. وفي هذا السياق تكتسي العلاقات مع الجزائر أهميةً خاصة بحكم الروابط العسكرية القديمة التي توطدت في الآونة الأخيرة، إثر زيادة التزود الجزائري بالمعدات العسكرية الروسية في السنوات الأخيرة بنسبة 64 بالمئة. وقد عكست زيارة قائد أركان الجيش الجزائري الجنرال سعيد شنقريحة لموسكو في 21 يونيو 2021 هذه الشراكة الصلبة التي يبدو أن ملف الأمن في منطقة الساحل الأفريقي كان من مرتكزاتها، خصوصاً بعد انفتاح السلطات العسكرية الجديدة في مالي على روسيا، وبروز بوادر لأزمة حادة في علاقاتها بفرنسا.

إلا أن الجانب العسكري على أهميته ليس هو محور الشراكة الوحيد بين روسيا والدول الأفريقية، بل إن روسيا تسعى إلى مقايضة خبرتها وصناعتها العسكرية بمزايا استثمارية وتجارية في القطاعات الحيوية في أفريقيا، من معادن ونفط وغاز، مع تعزيز حضور شركاتها ومؤسساتها الاقتصادية في السوق الأفريقية، ودخولها في التقنيات الجديدة مثل التكنولوجيا الفضائية (نشير في هذا السياق إلى إنشاء محطة رصد فضائية مؤخراً في جمهورية جنوب أفريقيا).

وقد عُقدت القمة الأفريقية-الروسية الأولى في سوتشي بروسيا في أكتوبر 2019 بحضور 47 زعيماً أفريقياً، وأعلن الرئيس بوتين على هامشها مبادرة مضاعفة التبادل التجاري بين بلاده ودول القارة في مدى السنوات الخمس الآتية، ويجري حالياً التحضير للقمة الثانية المقرر عقدها في أديس أبابا بأثيوبيا في أكتوبر أو نوفمبر 2022.

آفاق الشراكة الروسية-الأفريقية

إذا كانت روسيا تسعى من خلال شراكاتها مع الدول الأفريقية إلى فك حصار حلف شمال الأطلسي والدول الغربية الذي يطوقها من جهة شرق أوروبا، عبر تعزيز حضورها في البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الأطلسي، فإن الدول الأفريقية ترى في روسيا شريكاً فعالاً في حروب الإرهاب وفي دعم أنظمة الحكم المهددة بالحروب الأهلية وحركات التمرد العسكري. إلا أن الشراكة الفعالة بين الطرفين تعاني من معوقات موضوعية، من أبرزها:

  1. ضعف القدرات الاقتصادية والتقنية غير العسكرية لدى روسيا، في مقابل الصين التي تحولت إلى الشريك التجاري الأول لأفريقيا، والشركاء الأوروبيين التقليديين للقارة.
  2. غياب تقاليد دبلوماسية واستراتيجية روسية فعالة في أفريقيا، التي لم يكن يتجاوز نفوذها في الساحة الأفريقية عدداً محدوداً من الدول التي تبنت النهج الاشتراكي.
  3. الاصطدام القوي بالمصالح الغربية (الأمريكية والفرنسية على الأخص)، بما يُضعِف عملياً ورقة الاختراق الروسي للقارة.

ومن هنا فإن السيناريو المتوقع هو أن تتواصل استفادة روسيا من توسُّع شركاتها العسكرية مع الدول الأفريقية، خصوصاً في مناطق التوتر والنزاعات الداخلية، مع استمرارية علاقاتها الخاصة بحلفائها الإقليميين، وبصفة أساسية الجزائر وأنغولا وإريتريا، من دون أن يصل الدور الروسي الجديد إلى حد التهديد الحقيقي للمصالح الاستراتيجية الغربية أو المصالح الاقتصادية الصينية.

خلاصة واستنتاجات

  • بينما بدأت روسيا منذ عام 2015 تنفيذ استراتيجيتها لاختراق القارة الأفريقية، سيما عبر الاتفاقيات العسكرية وتوريد السلاح، فإن هذا الأمر يُقلق المسؤولين الغربيين.
  • تمثل الجزائر وأنغولا وإريتريا الحلفاء التقليديين لروسيا، في حين شملت الشراكات الجديدة لروسيا في أفريقيا مصر والكونغو وغينيا ومالي وتشاد وجمهورية آسيا الوسطى والموزمبيق وموريتانيا.
  • تُعاني الشراكة بين الطرفين الروسي والأفريقي من معوقات موضوعية، أبرزها: ضعف القدرات الاقتصادية والتقنية غير العسكرية لدى روسيا، وغياب تقاليد دبلوماسية واستراتيجية روسية فعالة في أفريقيا، والاصطدام القوي بالمصالح الغربية. ومن المتوقع أن تتواصل استفادة موسكو من توسُّع شركاتها العسكرية مع الدول الأفريقية، مع استمرارية علاقاتها الخاصة بحلفائها الإقليميين، من دون أن يصل الدور الروسي الجديد إلى حد تهديد مصالح الغرب الاستراتيجية أو المصالح الاقتصادية للصين.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

أحدث الإيجازات