الصراع الانتخابي ضمن الفصائل الولائية في العراق

مركز الإمارات للسياسات | 15 سبتمبر 2021

مثّل الإعلانُ عن تشكيل حركة "حقوق" بزعامة حسين مؤنس للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة في العاشر من أكتوبر 2021، مفاجأةً لكونه أطلق تكهنات حول كون الحركة تمثل الجناح السياسي لكتائب حزب الله في العراق، ما يعكس تحولاً مهماً في طبيعة الخارطة السياسية للفصائل الولائية.

الواقع الانتخابي للفصائل الولائية

بعد إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن أسماء الكتل والتحالفات الانتخابية التي ستشارك في الانتخابات المبكرة، برز واضحاً أن تحالف "الفتح" الذي تنضوي ضمنه أغلب الأجنحة السياسية للفصائل الولائية، يسعى إلى الحفاظ على هيكليته السياسية التي دخل بموجبها انتخابات عام 2018، عبر ضم الكتل السياسية التابعة للفصائل الكبيرة، وأبرزها منظمة "بدر" التي يقودها هادي العامري، وحركة "صادقون" التي يقودها عدنان موسى التابعة لـ"عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي، إلى جانب كتل أخرى هي حركة الجهاد والبناء ومنظمة العمل الإسلامي وتجمع السند الوطني.

في حين آثرت حركة "حقوق" الإعلان عن نفسها خارج مظلة تحالف الفتح الذي يتزعمه هادي العامري، والنزول منفردة عبر عدة دوائر انتخابية، إذ قدمت مرشحين في 36 دائرة انتخابية، من أصل 71 دائرة في عموم المحافظات، حيث جاء في حوار تلفزيوني مع الأمين العام للحركة حسين مؤنس، أن الحركة ستشارك في الانتخابات المبكرة نتيجة لخيبات الأمل والإحباط من الأصدقاء، وأنها ستسعى إلى ملء الفراغ السياسي الحالي عبر المزج بين العمل السياسي والعسكري، لأن أدبيات الحركة تَعتبر أن العمل المقاوماتي هو في النهاية جزءاً من العمل السياسي.[1]

وأعلن حسين مؤنس في الحوار التلفزيوني نفسه أنه استقال من كتائب حزب الله، وأن حركته لا ترتبط بالكتائب إلا من ناحية الإيمان بنفس "المبادئ"، كما أن الكتائب أصدرت بياناً أعلنت فيه أنها "لن تشارك قطعاً بتنظيمها ولا بكوادرها المنتمين بصفة مرشحين للانتخابات، ولا في المناصب الحكوميّة الإجرائيّة"، لكنها استدركت بالقول إن "كل التحالفات والقوائم القريبة منا -وهي معروفة- تحظى بالاحترام والتقدير؛ بل وبما يمكن تقديمه من الدعم." وعلى الأرجح فإن وضع مسافة فيما بين الطرفين هدفه أولاً الحفاظ على الاستقلالية العسكرية للكتائب و"الحصانة" التي خلقتها لنفسها، وثانياً عدم تعميق التنافسات القائمة أصلاً مع الفصائل الشيعية الأخرى، خصوصاً أن معظمها قد انضوى في تحالف "الفتح"، وجرت توزيع وهندسة طرح مرشحيها بشكل يسمح للتحالف بحصد أكبر عدد من الأصوات ودون إهدار الأصوات في تنافسات داخلية. ومع ذلك، فثمة مؤشرات على أن ترشيح مؤنس نفسه جاء بتنسيق مع قيادة الكتائب، خصوصاً أن وسائل الإعلام المقربة من الكتائب قامت بتغطية المؤتمر الذي تم الإعلان فيه عن انبثاق القائمة.

أسباب ودوافع الصراع الانتخابي

يمكن القول بأن هناك العديد من الأسباب التي تقف خلف الصراع الانتخابي الحالي بين الفصائل الولائية، وذلك على النحو الآتي:

أولاً، الخلاف بين كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق على خلفية خطوة فُهم منها أنها محاولة من الكتائب لبناء تحالفات سياسية وانتخابية منافسة لتلك التي شكلتها العصائب، وبالاستفادة من الموقع المهيمن الذي تمتلكه الكتائب في بعض تشكيلات "الحشد الشعبي"، وأبرزها هيئة الأركان. وبرز هذا الخلاف بعد قيام أبو فدك المحمداوي، القيادي في الكتائب ورئيس أركان "الحشد الشعبي"، بتعيين نجل وزير الدفاع، جمعة عناد، بمنصب آمر الفوج الرابع في اللواء 51 للحشد، فيما بدا أنه نوع من الترضية التي تستهدف التنسيق بين الكتائب ووزير الدفاع الذي يمتلك نفوذاً في محافظة صلاح الدين، وهي في الوقت نفسه منطقة نفوذ للعصائب. والملاحظ أن ذلك أتى بعد فترة من التهدئة بين الكتائب والحكومة العراقية التي دخلت حواراً سرياً مع بعض الفصائل المعارضة لإقناعها بدخول العملية السياسية، فضلاً عن الضغط الإيراني عليها للتهدئة بانتظار تنفيذ الولايات المتحدة تعهداتها بسحب قواتها القتالية من العراق مع نهاية العام الجاري. [2]

وكرد فعل على خطوة الكتائب، قام جواد الطليباوي، القيادي والناطق العسكري في العصائب بإصدار بيان على شكل رسالة موجهة إلى المحمداوي انتقد فيها تعيين "ابن مَن اتهم الحشد المقدس بأن دوره كان ثانوياً في تحرير العراق من داعش،" في إشارة الى تصريحات سابقة لوزير الدفاع، مُعتبراً أنه "قرار يمكن أن يصدر من سياسي يجامل الفاسدين." ويعكس هذا الأمر اتساع رقعة التنافس بين الفصيلين، وشعور العصائب بأن الكتائب تتمدد في مساحتها، وأن نزول أحد أعضائها بقائمة انتخابية مستقلة سيتسبب بخسارتها بعض المقاعد المحتملة، خصوصاً مع طموح العصائب بزيادة مقاعدها لتصبح الحزب الأكبر في ائتلاف "الفتح". 

ثانياً، ساهمت صراعات القيادة بين الفصائل الولائية من جهة، وغياب قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس من جهة أخرى، وفشل القائد الجديد لفيلق القدس إسماعيل قاآني في ضبط الحالة الفصائلية من جهة ثالثة، في تأجيج الخلاف الانتخابي الحالي، سيما مع تعدد الجهات الإيرانية الفاعلة في الساحة العراقية، وتحديداً وزارة الاستخبارات (إطْلاعات) والحرس الثوري.

ثالثاً، نجاح كتائب حزب الله العراقي في نسج العديد من التحالفات الانتخابية خارج مظلة تحالف الفتح، وبالشكل الذي يعطي دفعة قوية لحركة حقوق في المرحلة المقبلة، وتحديداً على مستوى العلاقة مع الكتل السنية، وأبرزها تحالف "عزم العراق" بزعامة خميس الخنجر، وهو ما برز واضحاً في تعيين نجل جمعة عناد، وهو ما اعتبرته عصائب أهل الحق خروجاً عن النهج المبدئي لفصائل المقاومة.

رابعاً، الصراع بين فصائل الحشد الشعبي لاقتسام أصوات مقاتلي الألوية التابعة للحشد فيما يُعرف بالتصويت الخاص أثناء الانتخابات، وتحديداً بين كتل منظمة بدر وعصائب أهل الحق وحركة عطاء التابعة لرئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، عبر قيام الأخير بعمليات نقل وتغيير لعدد من قادة الألوية التابعة للحشد، واستبدالهم بقادة آخرين مقربين له، وهو ما حصل في محافظات ديالى والأنبار، فضلاً عن إعادة 30 ألف منتسب من المفسوخة عقودهم إلى الخدمة في هيئة الحشد الشعبي.

التداعيات السياسية للصراع الانتخابي الفصائلي

مما لاشك فيه أن هناك العديد التداعيات السياسية التي قد يُنتجها هذا الصراع الانتخابي ضمن الفصائل الولائية، وذلك في مستويات عدة.

فعلى مستوى العلاقات الفصائلية داخل تحالف الفتح، تُشير التطورات الأخيرة داخل التحالف إلى تحول واضح في طبيعة العلاقة بين زعيم التحالف هادي العامري وقيس الخزعلي الذي يطمح إلى قيادة التحالف في المرحلة المقبلة، حيث يحاول العامري تجنب هذا الخلاف والإبقاء على الوضع الراهن، وبالتالي فإن استمرار هذا الخلاف قد يؤدي إلى أن يندفع الخزعلي هو الآخر إلى سلوك أكثر استقلالية، مُشابه لسلوك كتائب حزب الله العراقي، ما قد يهدد وحدة التحالف المستقبلية في المرحلة المقبلة.

وعلى مستوى المشهد السياسي العام، يمكن القول بأن أحد أبرز التحديات التي تواجهها البيئة الانتخابية اليوم هي إشكالية الأمن الانتخابي وحصر السلاح بيد الدولة. ورغم الجهود التي تبذلها حكومة مصطفى الكاظمي في تهيئة بيئة آمنة للانتخابات، إلا أن اشتداد الصراع الانتخابي بين الفصائل الولائية قد ينعكس سلباً على العملية الانتخابية والمشهد السياسي، وتحديداً في مسألة قبول نتائج الانتخابات في الدوائر الانتخابية التي يتنافس فيها مرشحي الفصائل، ما قد يدفع البلاد نحو مزيد من الفوضى السياسية.

سيناريوهات ما بعد الانتخابات

يؤشر الانقسام السياسي الحالي للفصائل الولائية، وهي تستعد لخوض الانتخابات المبكرة، إلى إن واقعها السياسي بعد إعلان نتائج الانتخابات سيكون محكوماً بثلاثة سيناريوهات هي:

  • الاندماج ضمن مظلة تحالف الفتح (سيناريو مرجح): يفترض هذا السيناريو أن الانقسام السياسي الحالي يأتي ضمن تسابق الفصائل الولائية إلى الاستحواذ على مزيد من القوة والنفوذ، ولا ينبع من انقسام حول مسائل جوهرية تتعلق بوضع التحالف، كما أن التحديات التي قد تفرضها نتائج الانتخابات قد تكون أكبر من قدرة هذه الفصائل على العمل يصورة مستقلة، وبالاتجاه الذي قد يدفعها إلى استمرار العمل ضمن مظلة تحالف الفتح، لكن برؤية جديدة قد تطغى عليها صبغة الكتائب، لما تمتلكه من تأثير اقتصادي وأمني، وصعود سياسي مؤخراً.
  • العمل خارج مظلة تحالف الفتح (سيناريو محتمل): يفترض هذا السيناريو أن الخطوة الأخيرة لكتائب حزب الله العراقي المتمثلة بالاشتراك في الانتخابات خارج مظلة تحالف الفتح عبر حركة حقوق، قد يؤسس لواقع سياسي جديد على مستوى الخارطة السياسية الفصائلية، وبالإطار الذي قد يدفع بحركة حقوق إلى الاصطفاف خارج إطار تحالف الفتح بعد الانتخابات، خصوصاً أنها بدأت بنسج تفاهمات انتخابية خاصة بها بعيداً عن مظلة الفتح في الوقت الحاضر.
  • تفكك تحالف الفتح (سيناريو مستبعد): يفترض هذا السيناريو أن خطوة كتائب حزب الله العراقي الأخيرة، إلى جانب صراعات القيادة داخل تحالف الفتح بين منظمة بدر وعصائب أهل الحق، قد تدفع الأمور بالنهاية إلى تفكك تحالف الفتح، وبالاتجاه الذي يدفع بالفصائل الولائية إلى العمل بصورة منفردة بعد الانتخابات.

استنتاجات

إن التوجه الأخير لكتائب حزب الله العراقي المتمثل بالمشاركة في الانتخابات بقائمة مستقلة، حتى وإن لم يكن هناك إعلان سياسي واضح من الكتائب بهذا الاتجاه، يعكس طبيعة الانقسام السياسي الحاصل داخل الفصائل الولائية، ويَشي بأن هذا الانقسام قد يتطور إلى صراع بيني مستقبلاً، خصوصاً أن الكتائب بدأت مؤخراً غير مقتنعة بالأدوار والمواقف السياسية الصادرة عن قيادات فصائلية أخرى، وأخذت على عاتقها التصدي للمشهد السياسي بنفسها، وعدم الاكتفاء بالأدوار  السياسية الثانوية.

 

[1] برنامج النتيجة مع محمد الخزاعي، موقع قناة أ نيوز على اليوتيوب، 21 يوليو 2021: https://bit.ly/3tDVOcU

[2] العراق: سرّ الخلاف بين "العصائب" و "حزب الله"... ما قصة الأسماء "الفضائية"؟، موقع النهار العربي، 8 أغسطس 2021: https://bit.ly/3hufydT

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

أحدث الإيجازات