دخلت العلاقات الأمريكية-الإثيوبية مُنعَطفاً جديداً مع إعلان إدارة الرئيس جو بايدن فرض قيود على أديس أبابا تتضمن تعليقاً للمساعدات ومنع إصدار تأشيرات دخول لعدد من المسؤولين الإثيوبيين (والإريتريين) بسبب ما قالت واشنطن إنه "انتهاكات لحقوق الإنسان" في إقليم تيغراي، إضافة إلى الحدِّ من التعاون الاقتصادي والعسكري مع أديس أبابا، وفق ما صرَّح به وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن.[1]

ومنذ انتخاب بايدن، تصدَّرت مسألة الصراع في إقليم تيغراي جدول أعمال الإدارة الجديدة في البيت الأبيض،[2] خاصة مع تفاقم الوضع الإنساني في هذا الإقليم، إذ تنظر واشنطن ومعها الاتحاد الأوروبي بقلق متزايد إلى ما يُقال إنها عمليات "تطهير إثني" تجري في الإقليم بمشاركة قوات إريترية، وعلى إثرها فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على إريتريا هي الأولى من نوعها منذ نوفمبر 2018.

وتستمد الخطوة الأمريكية الأخيرة أهميتها من كون إثيوبيا أكبر مُتلقٍّ للمساعدات الأمريكية في أفريقيا، وتعد منذ فترة طويلة حليفاً إقليمياً رئيساً لواشنطن[3]، ويبدو أن القيود الأمريكية تهدف إلى حشد ضغط دولي أوسع من أجل وقف القتال في إقليم تيغراي الذي تسبَّب بتداعيات إنسانية كارثية، لكن من غير الواضح ما إذا كانت الإجراءات الأمريكية ستُفلِح في إجبار الحكومة الإثيوبية على إيقاف الحرب، رغم ما ستُخلِّفه من انعكاسات سلبية واضحة على علاقات الدولتين.

خلفية القرار الأمريكي

في نهاية أبريل الماضي، عيّن الرئيس الأمريكي جون بايدن، جيفري فيلتمان، المسؤول السابق في الأمم المتحدة، والذي سبق أن شغل مناصب رفيعة في وزارة الخارجية الأمريكية، مبعوثاً خاصاً لمنطقة القرن الأفريقي ليعمل على قضايا صراع إقليم تيغراي، والخلاف الحدودي بين السودان وإثيوبيا، وملف سد النهضة الذي يجمع بين الدول الثلاث (إثيوبيا والسودان ومصر).[4] وقام فيلتمان في مطلع شهر مايو الماضي بجولة شملت أربع دول في المنطقة هي مصر وإريتريا وإثيوبيا والسودان، وخلال زيارته إلى إثيوبيا وإريتريا حثَّ فيلتمان مسؤولي البلدين على وضع حدٍّ للصراع الدائر في تيغراي والتركيز على مسألة الاستقرار الأوسع في إثيوبيا، وإنهاء التدخل العسكري لإريتريا التي تواجه قواتها اتهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.

وعكست الخطوة الأمريكية الأخيرة بفرض قيود وعقوبات اقتصادية على الدولتين مدى استياء واشطن من تعامل أديس أبابا مع ملف تيغراي، إلا أن اللافت أن إدارة بايدن لم توجه حتى الآن أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والحكومة المركزية في أديس أبابا، وبدلاً من ذلك، اكتفت بفرض قيود على المساعدات والتعاون الاقتصادي والأمني مع إثيوبيا، وشملت القيود فرض حظر على التأشيرات لمسؤولين إثيوبيين حاليين وسابقين، وشمل القرار أيضاً مسؤولين في الحكومة الإريترية على صلة بالأزمة في تيغراي.

وبالرغم من أن الحكومة الإثيوبية المركزية أعلنت في نهاية العام الماضي نجاحها في السيطرة على الإقليم، بعد توجيهها ضربات عنيفة لمعاقل الجبهة المعارضة الرئيسة هناك، وهزيمتها فعلياً في الكثير من المواقع على الأرض، وتمكن الجيش الفيدرالي من الوصول إلى عاصمة الإقليم "مقلي" في 28 نوفمبر الماضي، إلا أن الوضع ما يزال بعيداً عن الحسم العسكري،[5] وتبرّر الحكومة الإثيوبية أعمالها العسكرية المستمرة في الإقليم بأنها تهدف إلى ملاحقة قادة جبهة تحرير شعب تيغراي من أجل محاكمتهم، لكن مشاركة القوات الإريترية والأمهرية المقاتلة إلى جانب الجنود الفيدراليين في الإقليم أثار حفيظة العديد من المنظمات الدولية والحقوقية، لاسيما في ظل العلاقة العدائية التاريخية للإقليم مع الطرف الإريتري.

وقد بعث الرئيس الأمريكي جو بايدن في الأسبوع الثالث من مارس 2021 السيناتور الديمقراطي كريس كونز لإيصال رسالة شخصية إلى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ويعتبر كونز من المقربين لإدارة بايدن، وهو عضو في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. وفي إثر هذه الزيارة، طرأ تحول على الموقف العلني لأديس أبابا من مشاركة القوات الإريترية على الحرب، إذ أقرّ أبي علناً، ولأول مرة، بالدور الإريتري في الحرب. وقام برحلة خاصة بعدها إلى أسمرة في 26 مارس 2021، وأعلن إن القوات الإريترية ستنسحب فوراً مع أن هذا لم يحدث حتى الآن،[6] وكررت الولايات المتحدة وجهات حقوقية دولية دعوتها الإريتريين إلى الانسحاب من الإقليم، جاء آخرها على لسان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن.

ووفقاً للمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، فإن شبح المجاعة أخذ يلوح في الإقليم[7]، نتيجة عرقلة العمليات العسكرية والعنف المستمرين عملية إيصال المساعدات، فضلاً عن الانتهاكات والقتل الوحشي المستمر، بينما يتمسَّك الجانب الأثيوبي الرسمي بنفي هذه الاتهامات، وتؤكد الحكومة التزامها بمحاسبة المتورطين بارتكاب الجرائم ضد شعب تيغراي، إذ أعلنت مؤخراً محاكمة 28 جندياً من جيش البلاد بتهم تتراوح بين قتل مدنيين وعمليات اغتصاب جرت في الإقليم.[8]  إلا أن الوضع الإنساني آخذ في التدهور بحسب شهادة المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية، ومنذ اندلاع النزاع قُتِلَ آلاف الأشخاص، وأُجبِرَ مليونا شخص على ترك منازلهم، ويحتاج 91% من السكان البالغ عددهم حوالي 6 ملايين إلى مساعدات، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وتضغط الأمم المتحدة والحكومة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وجماعات الإغاثة الدولية على حكومة أبي أحمد لبذل المزيد من الجهد لوقف العنف ومساعدة المدنيين.

الانعكاسات المحتملة

يبدو أن القرار الجديد لإدارة بايدن يحمل مضامين وأبعاد حقوقية وإنسانية في المقام الأول، ويهدف للضغط على الحكومة الإثيوبية من أجل السماح بوصول المساعدات إلى إقليم تيغراي،[9] لكنه يعني عملياً زيادة الأعباء على الموارد المالية لإثيوبيا التي تعمل حكومتها على التعاطي مع تأثيرات جائحة كورونا، مما سيجبر رئيس الوزراء أبي أحمد على إعادة هيكلة الملفات الوطنية، بما فيها مسألة الديون، خاصة أن إثيوبيا تعد أكبر مُتَلقٍّ للمساعدات الخارجية الأمريكية في أفريقيا كما سلفت الإشارة، إذ تلقت حوالي مليار دولار العام الماضي. وستؤثر القيود بشكل رئيس على التمويل المخصص لدعم ميزانية إثيوبيا، لاسيما إذا اتجهت إدارة بايدن للطلب من البنك الدولي وصندوق النقد بتعليق تمويل مشاريع الحكومة الإثيوبية.

ومن المتوقع أن يُلقي هذا القرار بظلاله على ملف التوتر بين إثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى، مع إعلان أديس أبابا موعد الملء الثاني لسد النهضة، في خطوة تعتبرها الخرطوم "خطراً مُحدِقاً على سلامة مواطنيها"، وتُبدي مصر كذلك خشيتها من التأثير السلبي للخطوة الإثيوبية على حصتها من مياه النيل. وفي المقابل، تتمسك أديس أبابا بأنه لن يكون لعملية الملء الثاني أي أضرار محتملة على دولتي المصب. وقد توقفت المفاوضات المتعثرة بين الدول الثلاث بعد فشل الجولة الأخيرة التي عقدت في أبريل في الكونغو الديمقراطية التي تترأس الاتحاد الأفريقي في دورته الحالية.

وعلى الرغم من الأمور بين واشنطن وأديس أبابا قد لا تصل إلى مرحلة الخلاف الدبلوماسي بالضرورة، بالنظر إلى طبيعة المصالح الأمريكية المهمة في منطقة القرن الأفريقي، إلا أن من الوارد أن تعمل واشنطن على زيادة ضغوطها (وعقوباتها) على إثيوبيا في الفترة المقبلة، وهو توجهٌ من شأنه التأثير سلباً في وضع أثيوبيا الإقليمي. وقد عكس الرد الإثيوبي المتشنج على القرار الأمريكي هذه المخاوف بوضوح، إذ أصدرت الخارجية الإثيوبية بياناً رفضت فيه القيود الأمريكية، قائلةً إنها "ستُقوِّض بشكل خطير العلاقة الثنائية طويلة الأمد والمهمة"، وعدَّتها محاولة غير مقبولة للتدخل في شؤونها الداخلية. وهدد البيان الإثيوبي بأنه في حال استمرت الولايات المتحدة في تقويض العلاقات الثنائية مع أديس أبابا، فإن الحكومة الإثيوبية ستضطر إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الولايات المتحدة، مع أنه من المُستبعَد أن تذهب أديس أبابا فعلياً في هذا الخيار/المسار، نظراً إلى طبيعة العلاقة الاستراتيجية والطويلة الأمد بين الطرفين. ومع هذا، من المحتمل، كما أشرنا آنفاً، أن تتوالى العقوبات الاقتصادية على إثيوبيا من قبل الجهات المانحة الدولية، وهو ما سيُشكِّل بدوره ضغطاً على أديس أبابا، وسيؤثر ذلك على الموقف الإثيوبي في مجمل الأزمات التي تشهدها داخلياً وإقليمياً.

وقد نُظِّمت في العاصمة الإثيوبية مظاهرات حاشدة في الثلاثين من مايو المنصرم بمشاركة عمدة مدينة أديس أبابا أدانيش أببي،[10] بهدف التنديد بالقرارات الأمريكية، والدعوة إلى إكمال سد النهضة. وبحسب المنظمين، فإن تلك المظاهرات هدفت إلى إدانة ما وصفوه بالتدخل وتأثيرات القوى الأجنبية في البلاد، ورفعوا شعارات من بينها "إثيوبيا لا تحتاج وصاية"، و"نحن ندعو حكومة الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في موقفها من إثيوبيا"، و"التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد انتهاك للسيادة".

خلاصة واستنتاجات

يعد قرار واشنطن بفرض قيود وعقوبات على إثيوبيا خطوة غير مسبوقة في علاقات البلدين، وتحمل سياقات توقيتها جدية موقف إدارة بايدن من طريقة إدارة حكومة آبي أحمد لأزمة تيغراي. ومع تنامي مقاومة تيغراي، التي تُغذِّيها أعمال "الانتهاكات الجسيمة" التي اُتُّهِمَت القوات الإثيوبية والإريترية بارتكابها، ونظراً للارتباط الشعبي العميق بحقوق سكان المنطقة في تقرير المصير، يبدو أن الصراع الداخلي الإثيوبي سيأخذ زخماً سياسياً وإعلامياً دولياً جديداً بعد العقوبات الأمريكية (رغم أنها إجمالاً لا تزال رمزية إلى حدٍّ كبير)، وهو ما من شأنه أن يُقوِّض فرص الانتقال الديمقراطي السلس بقيادة آبي أحمد، إذ من المحتمل أن يواجه اضطرابات جديدة في الوقت الذي يستعد للفوز في الانتخابات المقبلة.

وفي المجمل، يجب أن تبذل الجهات الخارجية الفاعلة كُلّ ما في وسعها للضغط على أديس أبابا من أجل تسهيل وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين أولاً، وأن تدفعها إلى إعادة تقييم حساباتها فيما يتعلق بالحرب والسعي لإنهائها. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة التي تنظر إلى إثيوبيا بوصفها دولة أفريقية ذات أهمية جيوسياسية طويلة الأمد، قد يكون هناك فرصة لإعادة ضبط العلاقات بين الطرفين، مما يفسح المجال لأن تلعب واشنطن دوراً أكثر فاعلية حيال ملفات إقليمية أخرى ذات صلة بإثيوبيا.

الهوامش

[1] United States’ Actions to Press for the Resolution of the Crisis in the Tigray Region of Ethiopia, 26/5/2021. https://bit.ly/3fXm2jR

[2] Ethiopia's Tigray conflict: Biden demands ceasefire and end to abuses, 25/5/2021. https://bbc.in/3c7qqvs

[3] Alex de Waal Ethiopia Tigray crisis: Warnings of genocide and famine. 21/5/2021. https://bbc.in/3uyK9ut

[4] Travel of Special Envoy for the Horn of Africa to Egypt, Eritrea, Ethiopia, and Sudan, 3/5/2021. https://bit.ly/3yOanN0

[5] Ethiopian military operation in Tigray is complete, prime minister says, 26/11/2020. https://reut.rs/3g2hKHY

[6] Abiy Ahmed: Eritrea 'will withdraw' troops from Ethiopia in Tigray conflict, 26/3/2021. https://bbc.in/3yRFsPW

[7] Ethiopia: The Biden administration must put its foot down, 26/5/2021. https://bit.ly/2SHfCNW

[8] Ethiopia convicts 3 troops of rape, charges 28 for killings, 21/5/2021. https://bit.ly/3vAegTI

[9] Genocide in Ethiopia? Why answering the question will be a challenge?, 20/5/2021. https://bit.ly/2RbspYE

[10] Ethiopia's Tigray conflict: Tens of thousands attend anti-US rally, 30/5/2021. https://bbc.in/3fSEH0k

 

أحدث الإيجازات