أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 10 يونيو 2021 فرض عقوبات على شبكة تهريب قالت إنها تساعد في تمويل جماعة "أنصار الله" الحوثية وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. ووفقاً لبيان منفصل صادر عن وزارة الخارجيّة، استهدفت هذه العقوبات 11 شخصاً وشركة وسفينة، وجاء هذا الإعلان بعد أقل من شهر من فرض عقوبات على اثنين من كبار القادة الحوثيين، هما محمد الغماري، ويوسف المداني، وتصنيف الأخير إرهابياً عالمياً.

دلالات عودة العقوبات

تربط تصريحات المسؤولين الأمريكيين، بما فيهم المبعوث الأمريكي إلى اليمن، تيم ليندركينغ، فرض العقوبات الأخيرة على الحوثيين بموقفهم السلبي من جهود السلام، ورفضهم وقف إطلاق النار واستمرار هجومهم على مارب، وهو ما يعني إخفاق التحركات الأمريكية لوقف الصراع، وفشل السياسات والخطوات التي انتهجتها إدارة الرئيس جو بايدن وصُمِّمت لتشجيع الحوثيين للتعاون مع جهود السلام؛ فسياسة كهذه أوصلت لهم رسائل خاطئة، وعززت شعورهم "بالانتصار" و"التفوق"، وشجَّعت الجماعة بالتالي على التعنُّت والتصعيد، وقد لوحظ، على سبيل المثال، أنهم كثفوا هجومهم على مارب بعد إلغاء قرار تصنيفهم منظمة إرهابية. ولم يتعامل الحوثيون، ولا الإيرانيون من خلفهم، عموماً، مع السياسة الأمريكية الجديدة كبادرة حسن نية، واعتبروا التنازلات والمقاربة الجديدة للبيت الأبيض تجاه الملف اليمني مكسباً ونتيجة لواقع يعتقدون أنهم فرضوه.

وتشير العودة للعقوبات إلى تنامي قناعة أمريكية بأن المقاربة الدبلوماسية ليست كافية وحدها لوقف الصراع وإحلال السلام في اليمن، وأن الضغط سيجبر الحوثيين على تغيير موقفهم. وثمة عوامل ساهمت في الوصول إلى هذه النتيجة، منها موقف إيران، التي ترى في انخراط حلفائها وتفاعلهم مع مساعي السلام تهديداً بخسارة ورقة مهمة يُمثلها استمرار الصراع اليمني. وبطبيعة الحال، سيشير الفشل الأمريكي في إقناع الحوثيين بالتعاون من أجل السلام إلى قوة النفوذ الإيراني على الحوثيين، وقوة العلاقة بين الطرفين. كما أن هناك عوامل داخلية ما برحت تشجع الحوثيين على التشبث بموقف رافض للسلام أو على الأقل المراهنة للحصول على مزيد من التنازلات، وعلى رأسها المعادلة العسكرية القائمة على الأرض التي تميل نسبياً لصالحهم، وضعف الحكومة اليمنية وارتباك علاقتها مع دول التحالف، ويرتبط بذلك الأزمة بينها والمجلس الانتقالي.

وبقدر ما تترجى إدارة الرئيس بايدن الضغط على الحوثيين، وإيصال رسالة إليهم، وإلى حلفائهم الإيرانيين، مفادها أنها مصممة على المضي في مسار إنهاء الصراع، ما زالت العودة إلى سياسة العقوبات تنطوي لها على بعض الفوائد؛ فهي تمثل فرصة لتخفيف التداعيات السلبية لتوجهاتها الجديدة على علاقتها بحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وفي سياق متصل، قد تُسهِم العقوبات على الحوثيين في خدمة مفاوضات فيينا حول الملف النووي الإيراني، لجهة ما تمثله من تهديد لهؤلاء الحلفاء المهمين لطهران، ولجهة ما توحي به لهذه من أن إدارة بايدن لم تتخل عن نهج فرض العقوبات تماماً، وأن هناك إمكانية للعودة إليها، خصوصاً وبعض العقوبات، كتلك المفروضة في 9 يونيو على شبكة التهريب المالي، لا تنال من الحوثيين فقط، ولكن أيضاً فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، كما قامت وزارة الخزانة الأمريكية في 22 يونيو بالاستيلاء على أو حجب 33 موقعاً إلكترونياً تتتبع طهران وحلفائها في المنطقة، بمن فيهم جماعة الحوثي.

التأثيرات المحتملة

في رد فعلهم على العقوبات الأمريكية أبدى الحوثيون موقفاً خليطاً من عدم الاهتمام والتحدي، وأظهروا ميلاً نحو التصعيد؛ فقد تكثَّفت هجماتهم على مارب في الأيام الأخيرة، وظهر هذا التصعيد أيضاً في خطابهم الإعلامي، إذ اعتبر القيادي الحوثي، محمد علي الحوثي، هذه العقوبات من دون جدوى وعائقاً أمام السلام، ودليلاً على أن واشنطن تعطي أولوية للحرب، وجريمة تستهدف القطاع الخاص وخطة ممنهجة للقضاء على الاقتصاد (تويتر، 11 يونيو 2021).

والحقيقة أن هناك ما يُقلل من أهمية العقوبات الأمريكية المفروضة حتى الآن؛ فهي وباستثناء تلك التي طالت شبكة التهريب، تظل عقوبات متواضعة ورمزية وغير مؤثرة، وبالتالي فهي غير قادرة على تأمين المحفزات الضرورية لدفع الحوثيين لتغيير موقفهم. كما أن هذه العقوبات تعمل على دفع الحوثيين أكثر باتجاه طهران، وبما يجعل من نفوذ الأخيرة عليهم أقوي؛ فهي تُشعرهم بالتهديد وتكرس تصورهم بأنهم مستهدفون من قبل الولايات المتحدة، وأن البقاء بالقرب من طهران يؤمن لهم الحماية، وهو ما يجعلهم أكثر تقمُّصاً لمواقف حلفائهم، وأكثر إيماناً بسياسة "الصمود" التي ينتهجونها، وبالتالي أكثر ميلاً للتصعيد.

ومن غير الوارد أن يكون للعقوبات الأمريكية الناجزة القدرة على تغيير موقف الحوثيين، لكن هذا الوضع قد يتغير مع فرض مزيد من العقوبات؛ فهذه الورقة في الواقع لم تستنفذ ممكناتها، وما زال المسؤولون الأمريكيون يؤكدون أن واشنطن لن تتردد في اتخاذ خطوات إضافية وضرورية، وفرض عقوبات "هادفة" على الحوثيين، بتعبير وزير الخارجيّة، أنتوني بلينكن. غير أنه لكي يكون لأي عقوبات تأثير، يتعيَّن أن تكون مؤلمة وشاملة، وأن تنجح في الإخلال بالمعادلة السياسية العسكرية الاقتصادية القائمة اليوم، والتي يؤسس عليها الحوثيون مواقفهم، وعليها بالذات أن تصل إلى النقطة التي يشعر عندها هؤلاء أن لديهم ما يخسرونه، وأن إيران غير قادرة على التعويض عن خسائرهم أو حمايتهم.

وهناك من يرى أن العقوبات تُعطي فرصة لقوى مثل روسيا والصين لزيادة العراقيل أمام الجهود الدبلوماسية الأمريكية، خصوصاً بحكم علاقتهما الوطيدة بطهران. لكن، في المقابل، يرى آخرون أن هذه القوى قد تجد فيها، وفي تعثُّر جهود واشنطن فرصة للتحرك والتأثير في الملف اليمني باتجاه إنهاء الصراع، غير أن ما مِن مؤشر على نية أي منهما لعب دور في هذا الصدد حتى الآن. والحقيقة ليس مُقدَّراً لأي مبادرة أو أي تحرك من قبلهما أو من قبل غيرهما النجاح بعيداً بمعزل عن واشنطن، ودون التنسيق معها.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

أحدث الإيجازات