بعد سنوات طويلة من استعصاء الحل السياسي للأزمة السورية، أعلن الأردن خلال زيارة ملكهِ عبد الله الثاني، إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، أواخر شهر يوليو 2021، عن مبادرته بخصوص حوار القوى الفاعلة في الملف السوري مع حكومة دمشق، مُعتبراً أن دفع الحوار إلى الأمام بصورة مُنسّقة، أفضل من ترك الأمور على ماهي عليه الآن.

ماذا يُريد الأردن؟

في نهاية شهر يونيو الماضي، ذكرت تقارير إعلامية أردنية، أن مبادرة الملك عبدالله الثاني تتمثل في تخفيف العقوبات الأمريكية على النظام السوري، والسعي لإعادة دمشق إلى محيطها العربي، مُشيرةً إلى وجود تنسيق أردني-روسي عميق بشأن ذلك، بحيث تتولى روسيا تخفيف التأثير الإيراني المعرقل لأي تقدم في التسوية السياسية بسوريا، بينما يتولى الأردن العمل على إزالة العوائق عربياً وأمريكياً.

ويبدو أن الأردن لديه رغبةٌ باتت علنية في إنهاء الأزمة السورية، من خلال وضع أسس مبدئية لإيجاد حل عملي؛ فكانت خطوة العاهل الأردني باتجاه تسويق هذه الرغبة داخل أروقة إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، باعتبار أن واشنطن هي المؤثر الدولي الأكبر في الملف السوري، لاسيما فيما يتعلق أيضاً بملف العقوبات الأمريكية وتأثير قانون قيصر على تقييد التحركات السياسية والاقتصادية الدولية نحو دمشق.

 والمعروف أن عمّان لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق منذ بداية الحرب السورية، وبقيت السفارة السورية في عمّان تعمل، كما لم يتم الإعلان عن إغلاق السفارة الأردنية في دمشق، رغم أن عملها تأثر بالأوضاع الأمنية في العاصمة السورية.  وانتهج الأردن سياسة بقاء سوريا دولة متماسكة موحدة، لا توجد على أراضيها مليشيات إرهابية متطرفة من التابعين لتنظيمي القاعدة و"داعش" وبقية القوى الجهادية المتطرفة، أو الجماعات الطائفية المرتبطة بإيران ونفوذها في المنطقة، والتي يُمكن أن تهدد أمن الأردن ومصالحه، في أي فترة من الفترات.

وضمن هذه الرؤية، وعبر المبادرة الأردنية التي تقدم بها الملك عبد الله الثاني، يرى الأردن أنه كلما ذهبت سوريا باتجاه تثبيت حالة الاستقرار السياسي؛ ذهبت العلاقة بينها وبين الأردن إلى الأفضل، من منطلق أن علاقات البلدين مهمة جداً لكليهما، ولمصالحهما.

ومع أن الملك الأردني لم يتحدث بشكل علني وتفصيلي عن عرضٍ ذي ملامح واضحة فيما يخص سوريا، إلا أن دعوته للحوار مع دمشق، تتقاطع مع دعوة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، إلى تشكيل مسار حوار دولي حول سوريا، من أجل إحداث تسوية سياسية انطلاقاً من التوافق الروسي-الأمريكي في الملف السوري. ولعل الملك الأردني يعتمد أيضاً، في هذا السياق، على هذا التوافق، ويستثمر علاقاته الجيدة مع الجانبين الروسي والأمريكي، من أجل دعم مبادرته وتطويرها وتعزيز حضورها.

كما يسعى الأردن إلى الاستفادة أيضاً، في حال طُبقت المبادرة، في قضايا ومسائل أخرى تهمُّه؛ من قبيل التنسيق الأمني المشترك مع سوريا في قضايا تمس الأمن الأردني مباشرة، سواء فيما يتعلق بتهريب المخدرات المتكرر من سوريا، والذي ازداد بشكل كبير خلال الفترة الماضية، أو فيما يخص إدارة ملف أعباء اللاجئين المتزايد على الأردن في ظل الضغوط الاقتصادية والأمنية. ومع أن عودة اللاجئين السوريين في الأردن إلى بلادهم قد تحتاج بعض الوقت، حتى تتهيأ الظروف المناسبة والبيئة الآمنة، إلا أن الحاجة للتنسيق بين دمشق وعمّان في هذا الملف، بات ضرورة أمنية مُلحّة، كما هي أيضاً ضرورة اقتصادية للأردن بشكل رئيس، وكذلك لسوريا.

ولا ينفصل عن تلك الملفات، مسألة مكافحة خطر العناصر الإرهابية والمتطرفة في سوريا؛ فزيادة التنسيق في هذا المجال يضمن ارتفاع مستوى الأمن الداخلي للأردن، وهو أمر حيوي في ظل الضغوط الداخلية التي تواجهها المملكة. 

علاوة على ذلك، يريد الأردن عبر مبادرة الحوار مع دمشق، أن يستفيد من خروج سوريا من حالة الحرب وبدء عمليات إعادة الإعمار، وهذا ما يتفق مع الرغبة الروسية والحاجة الملحة لتفعيل استثماراتها والاستفادة من المال العربي والأوروبي، والمضي في هذا المسار سيكون مُتنفَّساً كبيراً للاقتصاد الأردني. وضمنياً، فإن مبادرة الملك الأردني تسعى للتخفيف من العقوبات الاقتصادية على سوريا، وتجميد أية حزم عقوبات جديدة تحت يافطة "قانون قيصر" من أجل إفساح المجال لتفعيل التعاون الاقتصادي مع دمشق، وتفعيل الحركة التجارية النشطة من وإلى سوريا، سواء بشكل مباشر من الأردن، أو أن يكون الأخير وسيطاً فيها أو شريكاً رئيساً ومتعاوناً في تلك التحركات. إلى جانب تعزيز مجالات التعاون في قطاعات النفط والكهرباء والمياه، وذلك ما برز خلال زيارات وزراء قطاعات الطاقة في سوريا إلى الأردن منتصف يونيو الجاري.

وقد عرض العاهل الأردني عبد الله الثاني، على الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، الانضمام إلى فريق عمل دولي (يجمع كل من روسيا والأردن ودول أخرى) يسعى للاتفاق على خريطة طريق للحل في سوريا. وهي دعوة تنطلق من إدراك واضح بأنه لا يمكن لخريطة الطريق تلك أن تُنفَّذ دون موافقة أمريكية، وباعتبار أنها ستضمن مصالحها في تحقيق تسوية سياسية، تمنع استمرار العراقيل الإيرانية وتهديد الأمن الإسرائيلي المتأثر باستمرار الوجود الإيراني وتمدده في الأراضي السورية.

وتطبيق هذه الخريطة التي أشارت إليها تقارير صحفية غربية وعربية، يتطلب بالضرورة وجود تعاون بين كلٍّ من الولايات المتحدة وروسيا ورئيس النظام السوري بشار الأسد. وقد يكون تطبيقها بمثابة تأطير لاستراتيجية واشنطن الجديدة في سوريا في فترة حكم إدارة الرئيس بايدن، بعد أكثر من 7 شهور على وصولها إلى البيت الأبيض.

الاحتمالات والتوقعات

تَعدَّدت في العام الفائت، اللقاءات الأمنية والسياسية بين المسؤولين الروس والأردنيين، في إشارة دلت على رغبة عمَّان في لعب دور جديد وأكثر فعالية داخل الملف السوري، ما يعني أن أبرز الدول المؤيدة والداعمة للمبادرة ستكون روسيا، إذ تُسهم الجهود الأردنية في دعم رؤية موسكو السياسية بشأن إعادة دمشق إلى محيطها العربي وتعويمها سياسياً واقتصادياً، والبدء في مرحلة لاحقة بإعادة إعمار ما دمَّره الصراع.

دمشق هي الأخرى، وبمعزل عن التأثير الإيراني، ستكون مُرحِّبةً بالمبادرة الأردنية كونها قائمة على الحوار، وتبتعد عن أية إملاءات سياسية، وتضمن لدمشق عودة سياسية واقتصادية في وقت مهم وحساس بالنسبة لها على الساحة العربية، وفي ظل حاجة دمشق للعمق العربي لمواجهة ضغوط المشاريع الإقليمية، وكذلك مواجهة تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لمواطنيها.

أما إسرائيل، ورغم التوتر النسبي الذي سيطر على علاقاتها مع الأردن خلال الفترة الماضية، فإنها على الأرجح ستكون من الداعمين للمبادرة، إذ قد ترى في المبادرة مساراً دولياً يساعد على التخلص من معضلة الوجود الإيراني في سوريا، وإيجاد سبل لتفعيل ذلك، على الأقل بالقرب من حدودها إن لم يكن في عموم الأراضي السورية.

وبالنسبة لمعظم الدول العربية، فيرجح أنها ستكون هي الأخرى داعمة للمسار الأردني الساعي للحل في سوريا، لاسيما أن مواصلة استعصاء حل الأزمة السورية التي زاد أمدها عن عشر سنوات، سيؤدي فقط إلى تفاقم مشاكلها، لاسيما في ما يتعلق بملف القوى الإرهابية، أو حتى تأثير غياب سوريا الجيوسياسي وتأثيرها الاقتصادي.

وتبقى الأنظار متطلعةً إلى موقف الولايات المتحدة التي قد تجد في التقارب مع روسيا على الساحة السورية، فرصةً لتعزيز مسار الحوار والسلام في سوريا، ولعل المبادرة الأردنية ستكون خير مثال على ذلك. ويبدو أن إصدار إدارة بايدن في 28 يوليو الماضي، حزمة عقوبات ضد النظام السوري خارج إطار عقوبات قيصر، ينطلق من حسابات ذات صلة، فضلاً عن كون تلك العقوبات لم تستهدف أياً من القطاعات الاقتصادية، بحيث قد يُفَسِّر ذلك بوصفه رسالة أمريكية مزدوجة صوب روسيا والأردن؛ فهي تقول للجانب الروسي إن المضي في التسوية السياسية على قاعدة تعاون مشترك أمر ممكن، وأن هذه الخطوة إجراءٌ لبناء الثقة، خاصة وأن الرئيس فلاديمير بوتين كان قد طلب تخفيف أثر أو تجميد عقوبات قيصر ضد سوريا خلال القمة الثنائية التي جمعته بنظيره الأمريكي في جنيف منتصف يونيو الماضي، بينما تتمثل الرسالة الأمريكية للأردن في أن تعاونه الاقتصادي وزيادة تفاعله مع دمشق لن يجد عائقاً أمريكياً خلال الفترة المقبلة.

ولعل تخطي حاجز عقوبات قيصر، يعتبر تجاوزاً لأبرز المعوقات لتنفيذ المبادرة الأردنية. أما عائق استمرار الوجود الإيراني في سوريا، وتمدد نفوذه هناك، فيمكن تلافيه من خلال وجود آلية دولية مشتركة لضبط التحركات الإيرانية، وتحديد إطار زمني لشكل التسوية في سوريا وتنفيذها، بحيث يُشارك بشكل رئيس في تلك الآلية كلٌّ من الأردن عبر مبادرته، وكذلك دول عربية كبرى ورئيسة في الحل بسوريا إلى جانب إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

أحدث الإيجازات