مع تسلُّم تركيا الغواصة الأولى من إجمالي ستة غواصات ألمانية متطورة، تزايدت المطالب اليونانية لألمانيا بضرورة إلغاء أو تأجيل هذه الصفقة، في ضوء استمرار التوترات بين تركيا واليونان في شرق المتوسط، وما تمثله هذه الغواصات من "تحوُّل في ميزان القوة" لصالح تركيا، بيد أن لألمانيا حسابات استراتيجية أخرى تتجاوز في طبيعتها تقوية تركيا على حساب اليونان.

وتُسلِّط هذه الورقة الضوء على طبيعة صفقة الغواصات الألمانية، وأهداف تركيا من الحصول عليها، وتعرض طبيعة المخاوف اليونانية والحسابات الألمانية، والتوقعات المحتملة خلال الفترة المقبلة.

خلفية

في يوليو 2009، وقَّعت شركة "هووالدسيركه-دويتشه فيرفت" التابعة لعملاق بناء السفن الألماني "تيسين كروب مارين سيستمز"، ووزارة الدفاع التركية اتفاقاً للاشتراك في بناء 6 غواصات دفع هوائي مستقل من طراز 214 في حوض بناء السفن "جولجوك". ويُعتقد أن قيمة الصفقة تتجاوز حوالي 3.5 مليار دولار، وهو ما يمثل قيمة اقتصادية كبيرة لألمانيا.[1]

وتصل المساهمة التركية المحلية إلى حوالي 80% من إجمالي قيمة الصفقة؛ حيث ستجمع الشركة الألمانية الأجزاء الهيكلية والآلية للغواصات أو المكونات السرية مثل خلايا الوقود وأنظمة الدفع في ألمانيا، وبعد ذلك ستُشحَن إلى تركيا. فيما سيقوم الجانب التركي بتصميم وإنتاج جميع الأنظمة الإلكترونية والعسكرية وتثبيتها على الغواصات، مثل جهاز الاستشعار والاتصالات وأنظمة معالجة البيانات وغيرها.[2]

وكان من المقرر دخول هذه الغواصات للخدمة بحلول عام 2015، لكن المشروع تأخر لأسباب اقتصادية وتقنية، إلى أن تم بالفعل البدء في بناء أول غواصة في عام 2015 وسُلِّمت للبحرية التركية في عام 2021 الجاري، ومن المقرر أن تُسلَّم الغواصات الخمسة المتبقية خلال السنوات الثلاثة المقبلة.[3]

الأهداف التركية

يمكن رصد الأهداف التركية من صفقة الغواصات الألمانية في النقاط الآتية:

  • تعزيز الميزة التنافسية للقوات البحرية التركية في منطقة شرق المتوسط، خاصة في ظل تزايد التنافس على ثروات المنطقة بين العديد من القوى، وتعزيز التعاون بين الخصوم – تحديداً اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل- في مواجهة تركيا.
  • تحسين القدرات البحرية للأسطول التركي على التنقيب بحرية، حيث تتسم غواصات Reis Class بميزة الدفع المستقل عن الهواء (aip)، والذي يسمح لها بالتحرك دون تزويد الهواء الذي يتطلبه محرك الديزل عادةً، وهو ما يزيد مدة بقائها تحت الماء لما يصل إلى 3 أسابيع، على عكس الغواصات التقليدية التي يمكنها أن تبقى يومين أو ثلاثة على الأكثر لكونها تعمل بالديزل والكهرباء.[4]
  • تعزيز القدرة على جمع المعلومات، إذ يُمكن للغواصات الاقتراب من الشواطئ مع البقاء آمنة و"صامتة"، مقارنةً بالغواصات التي تعمل بالطاقة النووية ولا يمكن إيقاف تشغيل مفاعلاتها، وهو ما يُعد أمراً مثالياً للمياه الضحلة حول النقاط الساخنة بين اليونان وتركيا.[5]
  • تطوير قدرة الجيش التركي على التهديد والهجوم: إذ يمكن تزويد الغواصات بأسلحة وطوربيدات ثقيلة وصواريخ موجهة ضد الأهداف البحرية؛ مما يعني أنه يمكن إطلاقها في حالة التهديد أو اندلاع نزاع بحري، سواء في شرق المتوسط أو في البحر الأسود، ضد روسيا على سبيل المثال، خاصة في ظل تصاعد نزاع الهيمنة على هذه المنطقة مؤخراً.

المخاوف اليونانية

بالرغم من عدم اعتراض اليونان على هذه الصفقة حين وقّعت في 2009 إلا أن متغيرات العام الماضي أشعلت المخاوف اليونانية من تركيا؛ خاصة بعد تصاعد المناوشات بينهما إثر اصطدام سفنهما البحرية ودخول البلدين في سجال في شرق المتوسط وسباق تسلح لتعزيز القوة.

لذا جاءت مسألة بدء تسليم الغواصات الألمانية لتركيا لتزيد من تعقيد المشكلة، وتثير الكثير من المخاوف لدى اليونان التي تطالب بتأجيلها أو إلغائها. ولعلَّ أهم هذه المخاوف تتمثل في الآتي:

  • تجسُّس الأسطول التركي على اليونان: فنظراً لقدرة الغواصات على البقاء صامتة وآمنة تحت المياه، فإنه يمكن لتركيا استخدامها في جمع المعلومات الاستخباراتية في المياه المتنازع عليها، بما في ذلك التطفل حول الكابلات البحرية التي تخطط اليونان لبنائها للوصول إلى قبرص ومصر وإسرائيل.[6]
  • تحييد القدرات البحرية اليونانية: فبالنظر إلى كون الجانب التركي هو المسؤول عن تزويد الغواصات بالأسلحة المختلفة، فإنه يمكن تسليح الغواصات بصواريخ متوسطة المدى مضادة للسفن يمكن أن تُحيِّد إلى حدٍ كبير قدرات الحرب اليونانية المضادة للغواصات، خاصة في حالة اندلاع نزاع بحري بينهما. بيد أن هذا يعتمد على مدى نجاح تركيا في دمج أسلحتها المحلية في التصميم الألماني.[7]

والواضح أن تخوفات اليونان نابعة بالأساس من وجود الرئيس رجب طيب أردوغان على رأس السلطة في تركيا، وما يمكن أن تصل إليه قراراته وطموحاته في منطقة شرق المتوسط؛ وهو ما عكسته تصريحات أحد المسؤولين اليونانيين حين قال: "نحن لا نقول لألمانيا: لا يجب أن تبيعهم لتركيا، لكن ما نقوله الآن هو ألا تبيعهم لتركيا هذه".[8]

الحسابات الألمانية

لم تلقَ المناشدات اليونانية آذاناً صاغية في ألمانيا التي أصرَّت على المضي في هذه الصفقة، وذلك نابع من عدة اعتبارات وحسابات ألمانية يمكن إيضاحها على النحو الآتي:

أولاً، تمثل الصفقة قيمة اقتصادية كبرى لألمانيا؛ فقيمتها التي تبلغ حوالي 3.5 مليار دولار، تعد مبلغ ضخم مقارنة بإجمالي صادرات الأسلحة الألمانية البالغة 14 مليار دولار على مدى العقد الماضي. كما أن ألمانيا تعد المسيطر على السوق العالمية للغواصات، على وجه الخصوص، بعد بيعها أكثر من 120 منها إلى 17 قوة بحرية منذ الستينيات.[9]

ثانياً، تسعى ألمانيا من هذه الصفقة إلى تعزيز قوة حلف الناتو في مواجهة روسيا، إذ تعتبر ألمانيا تركيا بمثابة حصن على الجانب الجنوبي للحلف، الذي تنشط فيه روسيا، ومن ثمّ فإن إضافة ستة غواصات متطورة للأسطول التركي يعد ميزة إضافية للناتو، خاصة أن الأوضاع هناك تزداد سخونة؛ ففي 23 يونيو الماضي، أطلقت السفن الروسية النار باتجاه مدمرة بريطانية في مياه القرم. وبعدها بيومين، بدأت روسيا مناورات جوية وبحرية في البحر الأبيض المتوسط، في سجال مع مجموعة حاملة طائرات بريطانية ضاربة في المنطقة. ثم ظهرت غواصة أمريكية مسلحة نووياً في جبل طارق.[10]

ثالثاً، تسعى ألمانيا لاحتواء تركيا بهدف تأمين مسألة الهجرة واللاجئين، إذ لا يريد المعسكر الألماني داخل الاتحاد - والذي يضم إيطاليا وبولندا وإسبانيا- انهيار العلاقات مع تركيا، للحفاظ على اتفاق اللاجئين الذي تم توقيعه في عام 2016 بين تركيا والاتحاد الأوروبي. لذلك أيضاً قالت ميركل بعد قمة الاتحاد الأوروبي في 24 يونيو الماضي، إن "الكتلة وافقت على تقديم 3 مليارات يورو للمهاجرين في تركيا لمتابعة حزمة 6 مليارات يورو التي تمت الموافقة عليها في 2016".[11] فعلى الرغم من أن عدد المعابر غير القانونية من شرق المتوسط انخفض بمقدار النصف مقارنةً بالعام الماضي، لا يزال هناك أكثر من 3 ملايين لاجئ في تركيا، وهي ورقة ضغط قوية في يد تركيا أمام الاتحاد الأوروبي.

رابعاً، تريد ألمانيا الحفاظ على علاقتها العسكرية مع تركيا، واحتواء مطالبها العسكرية داخل حلف الناتو لضمان عدم لجوئها للخصم الروسي، لذا كانت ألمانيا من الرافضين لدعاوى حظر بيع الأسلحة لتركيا حتى لا تلجأ لروسيا مثلما فعلت في صفقة النظام الدفاعي الصاروخي "S-400"، وهو ما عكسه تصريح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في ديسمبر 2020 الذي وصف قرار حظر الأسلحة على تركيا بأنه "غير صحيح من الناحية الاستراتيجية".[12]

التوقعات

في ضوء ما سبق، يمكن استقراء المسارات المستقبلية بشأن صفقة الغواصات الألمانية لتركيا، على النحو الآتي:

  • من المستبعد أن تتراجع ألمانيا عن إتمام الصفقة مع تركيا، إذ تُقدِّر الأوساط الألمانية أن تركيا واليونان ستتجنبان الدخول في مواجهة مباشرة في شرق المتوسط، وأن الأمر لن يتجاوز التلويح بالتصعيد أو تجديد المناوشات من وقت لآخر لخدمة أغراض التفاوض وتحقيق مكاسب سياسية أكبر تضمن إعادة تموضع تركيا ضمن خريطة الدول ذات المصالح الاستراتيجية في منطقة شرق المتوسط.
  • من المرجح أن تسعى القوى الأوروبية والولايات المتحدة إلى استعادة توازن القوى المطلوب لضمان الاستقرار في شرق المتوسط، إما عبر تصدير مزيد من الأسلحة لليونان لتعزيز ترسانتها البحرية أو ضمان عدم قيام تركيا بأية استفزازات جديدة تهدد مصالح اليونان في شرق المتوسط.
  • ستدعم ألمانيا جهود الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والولايات المتحدة في ضمان استمرار المحادثات المباشرة بين القوات المسلحة اليونانية والتركية والتي عقد الناتو ستة جولات منها هذا العام، ودعم استكمال المفاوضات بين البلدين بشأن حقوق الاستكشاف والحفر والقضايا ذات الصلة، وربما تكثيف الضغط على البلدين بهدف التوصل إلى اتفاقات ناجزة تضمن الاستقرار والهدوء في شرق المتوسط.

خلاصة واستنتاجات

مع أن صفقة الغواصات الألمانية ستُعزز قوة تركيا في شرق المتوسط، إلا أن دعم المحادثات من جانب الأطراف المتعددة سيسهم في ضمان التركيز على المصالح الاستراتيجية الأكبر لحلف الناتو المرتبطة بالتمدد الروسي في جناحه الجنوبي، وتعزيز التعاون المشترك بين الأعضاء في الحلف لإيجاد أفضل السبل لمواجهة التهديدات الأمنية التي تفرضها روسيا على الاتحاد عبر ليبيا؛ مثل مواجهة اتساع نفوذ قوات "فاغنر" الروسية، وتدفق الإرهابيين من ليبيا، وتزايد مخاطر الهجرة عبر هذه المنطقة.

الهوامش

[1] Turkey Signs Submarine Deal with Germany, NAVAL TECHNOLOGY, July 2, 2009, accessible at: https://www.naval-technology.com/news/news58831-html/      

[2] Ibid.

[3] مساع يونانية أوروبية لوقف صفقة غواصات عسكرية ألمانية لتركيا، سكاي نيوز عربية، 4 يوليو 2021، متاح على الرابط: https://bit.ly/3kZCcNY       

[4] Shifting the balance: German submarines are giving Turkey an edge over Greece, The Economist, July 3rd, 2021, accessible at: https://econ.st/372ZxpI    

[5] Ibid.

[6] German-Designed Turkish Submarines Sink Greece's Silent Edge, The National Herald, June 7, 2021, accessible at: https://bit.ly/3i4U0W2      

[7] Ibid.

[8] Shifting the balance: German submarines are giving Turkey an edge over Greece, Op Cit.

[9] Jamie Dettmer, Greece Still Hopes to Halt German Submarine Deal with Turkey, VOA, July 07, 2021, at: https://bit.ly/2WvRL5N               

[10] Russia warns UK and U.S. not to tempt fate in Black Sea, Reuters, June 25, 2021, at: https://reut.rs/3y9hiQg          

[11] Tim Stickings, EU plans extra €3bn for Turkey to manage refugees, The National News, June 25, 2021, accessible at: https://bit.ly/3rEMeFl        

[12] Germany opposes arms embargo against Turkey, AL-Monitor, December 22, 2020, accessible at: https://bit.ly/3l6p2yO      

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

 

أحدث الإيجازات