منذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى السلطة في الجزائر في ديسمبر 2019، أظهر حرصه على تقديم مشروع للحل السياسي التوافقي في ليبيا. وفي الأيام الأخيرة، بدأت تبرز ملامح هذا المشروع في ظل موقف إقليمي ودولي واسع ضاغط من أجل الحل السياسي، في الوقت الذي لا يزال مسار الصراع العسكري مفتوحاً.

ففي مقابلة مع وسائل إعلام محلية في 12 يونيو، صرّح الرئيس تبون أن بلاده عرضت الوساطة بين فرقاء الأزمة الليبية من أجل إيجاد حل للأزمة ووقف إطلاق النار، مؤكداً أن دور الوسيط الذي تقترحه بلاده "لا يعترض عليه السيد فائز السراج (رئيس حكومة الوفاق الوطني)، ولا السيد خليفة حفتر (قائد الجيش الليبي)، ولا تعترض عليه القبائل الليبية"، وفي اليوم التالي لتصريحات الرئيس الجزائري قام رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح بزيارة مفاجئة للجزائر، كما زار رئيس حكومة الوفاق فائز السراج العاصمة الجزائرية أيضاً، في 20 يونيو الجاري، والتقى الرئيس تبون، ما يُدلل على جدية الحراك الجزائري نحو الوساطة.

تعرض هذه الورقة خلفيات المشروع الجزائري في ليبيا وتوجهاته الكبرى، وتحاول استشراف آفاقه المحتملة على مستقبل الأزمة السياسية الليبية.

خلفيات المشروع الجزائري

منذ اندلاع الأزمة السياسية الحادة في ليبيا عام 2014، تمسَّك الموقفُ الجزائري بثلاثة ثوابت أساسية لا تزال هي الإطار المحدِّد للسياسة الجزائرية في الساحة الليبية رغم تغير واجهة النظام السياسي:

الأول، منْح المؤسسة العسكرية الجزائرية الدورَ الأساسي في إدارة الملف الليبي في مقابل الأجهزة الدبلوماسية والسياسية. وينسجم هذا الموقف مع المقاربة الجزائرية التقليدية في تصور العمق الاستراتيجي للدولة الجزائرية من منظور المخاطر المترتبة أمنياً على المجالات الحدودية شرقاً وغرباً وجنوباً، وتكليف الجيش بضبط هذه المصالح الأمنية الحيوية وإدارتها بالتنسيق الحصري مع رئاسة الجمهورية. وتَصدُق المقاربة نفسها على إدارة الملفين الأهمَّين بالنسبة للدوائر الاستراتيجية الجزائرية، وهما: موضوع الصحراء في علاقته بالحدود مع المغرب وموريتانيا، وملف الإرهاب وحركات التمرد في منطقة الساحل الأفريقي في علاقته بالجارتين الأفريقيتين مالي والنيجر.

الثاني، النظر إلى ليبيا بوصفها امتداداً للعمق الاستراتيجي الجزائري في مجاليه الحيويين: المشرقي والساحلي، ومن هنا التطلع إلى دور مزدوج لليبيا كحاجز فاصل عن مصر التي ينظر إليها كطرف منافس في شمال أفريقيا، وكحارسة للبوابة الساحلية الشرقية التي هي مكمن الخطر الأمني الأساسي الذي يتهدد الجزائر في حدودها الصحراوية الطويلة، حيث مناطق الاضطراب المتصاعد من إرهاب وحروب أهلية وحركات تمرد عرقي.

الثالث، رفْض أي دور عسكري أجنبي في الملف الليبي، بما يفسر موقف الجزائر الرافض لتدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الثورة ضد القذافي عام 2011، انسجاماً مع التصور الجزائري الثابت في العمل على إبعاد المحاور العسكرية والأمنية الدولية من المجال الأمن الحيوي الجزائري.

تُفسِّر هذه الثوابت الثلاثة طبيعةَ العلاقة القوية التي ظلت قائمة بين الجزائر وليبيا طوال فترة حكم العقيد القذافي الطويلة، وكان القذافي نفسه واعياً بأهمية الحلف مع الجزائر في القضايا الإقليمية (في شمال أفريقيا والساحل) من أجل حماية نظامه من خطرَي الهيمنة المصرية (خصوصاً في فترات خلافه الطويلة مع نظامَي السادات ومبارك)، والمواجهة مع فرنسا في غرب ووسط أفريقيا. ولذلك اعتبرت الدوائر الاستراتيجية الجزائرية أن سقوط نظام القذافي أدى إلى تزعزع الأمن الحيوي الجزائري ببروز تحديات خطيرة غير مسبوقة؛ مثل انفجار موجة الإرهاب في الساحل، وانتشار المجموعات الراديكالية العنيفة في الصحراء الكبرى، إلى حد مضاعفة الإنفاق العسكري الجزائري على الحدود الجزائرية-الليبية التي يصل طولها إلى ألف كيلومتر (500 مليون دولار سنوياً)، وتعبئة آلاف العناصر المسلحة بصفة دائمة.

أبعاد ومضمون المبادرة الجزائرية

أظهر الرئيس عبد المجيد تبون، فور وصوله إلى السلطة، استعدادَه للدخول في وساطة بين الفرقاء الليبيين المتصارعين. وشارك الرئيس تبون بعد أيام من تسلمه الحكم في مؤتمر برلين المخصَّص لتسوية النزاع الليبي، والذي انعقد في 19 يناير 2020، وأعلن في عدة مقابلات صحافية في شهر فبراير استعداد بلاده للإسهام في حل سريع للأزمة الليبية، في حال صدور تفويض رسمي من مجلس الأمن. وفي بداية شهر مايو جدد الموقف نفسه في لقاء مع الصحافة المحلية، دون أن تبرز معالم واضحة للمشروع الجزائري المطروح للمصالحة الليبية.

إلا أن المعطيات الأخيرة، خصوصاً المكاسب العسكرية التي حققها جيش حكومة الوفاق المدعوم تركياً أدت إلى تحريك مشروع الوساطة الجزائري. ومن أهم خلفيات المقاربة الجزائرية الجديدة:

  • التوازن العسكري الجديد بين الجهات الليبية المتصارعة إثر انسحاب قوات الجيش الوطني من أغلب مناطق الغرب، وجمود خط الاشتباك عند خليج سرت الذي هو الخط الفاصل بين الإقليمين الليبيَّين الأساسيين، بما يعني نهاية خيار الحسم العسكري بالنسبة للطرفين.
  • الاستقطاب الدولي المتزايد على الساحة الليبية بين المحور التركي في ارتباطاته بالولايات المتحدة وحلف الناتو، والمحور الروسي المُتجذِّر في الشرق الليبي، مع ما يطرحه هذا الاستقطاب من تحديات ومصاعب في التموضع السياسي بالنسبة للقوى الإقليمية، وبصفة خاصة مصر والجزائر.
  • بروز مبادرة مصرية للحل التوافقي في ليبيا (إعلان القاهرة في 6 يونيو الجاري) بالتنسيق مع القيادات العسكرية والسياسية في الشرق الليبي (المشير خليفة حفتر ورئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح). ومع أن الجزائر أخذت علماً بالمبادرة المصرية، إلا أنه من الجلي أنها لم تقبلها، وقد وجدتها غير متوازنة وغير قابلة للنجاح.

ومن هنا نُدرِك طبيعة مشروع الوساطة الجزائري البديل الذي ينطلق من المحددات التالية:

  1. الحياد الإيجابي في الصراع الداخلي الليبي، بالحفاظ على المسافة نفسها من كل الأطراف والاحتفاظ بعلاقات قوية بمختلف الفصائل والشخصيات القيادية، بما فيها زعامات المليشيات وقادة الجيش الليبي في عهد القذافي ورموز نظام القذافي، وبصفة خاصة نجله سيف الإسلام.
  2. التخلي عن المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي الذي لا تنظر إليه الدوائر العسكرية والأمنية الجزائرية بأنه شريك موثوق به، بل إن المخابرات العسكرية المقربة من الرئاسة تعترض كلياً عليه، وقد بذلت جهداً لإقناع فرنسا بالتخلي عنه. ومع إمكان منحه دوراً ثانوياً في مشروع الوساطة، إلا أن السلطات الجزائرية تفضل القيادات العسكرية التقليدية (من جيش العقيد القذافي) وشخصيات النظام السابق التي تتمتع بعلاقات قوية معها، كما أنها تنظر إلى رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح بأنه شريك مقبول في الحل المنشود.
  3. إشراك دول المغرب العربي في الحل، وربما اللجوء إلى المظلة الأفريقية لتعويض الحضانة الدولية المتعذرة نتيجة لتفاقم الخلاف الأمريكي-الروسي في الموضوع الليبي. في هذا السياق ندرك طبيعة التنسيق القوي بين الجزائر وتونس التي تحتفظ بأوراق قوية في الملف الليبي ولها روابط وثيقة بنخب الغرب الليبي، ولئن كانت الجزائر لا تمانع من دور محدود لموريتانيا ودول الساحل الأفريقي، إلا أنها تعترض على الدور المغربي الذي كان حاسماً في المسار الأممي الذي نتج عنه اتفاق الصخيرات (ديسمبر 2015).

أما مضمون المشروع، فإن كان لا يزال في طور التصور والإعداد، إلا أنه يرتكز على الخطوط الكبرى التالية:

  1. وقف إطلاق النار عند خطوط التماس الحالية.
  2. تنظيم حوار شامل وجامع بين مختلف مكونات الساحة السياسية الليبية في الجزائر من أجل الوصول إلى حل توافقي ملزم.
  3. تشكيل سلطة انتقالية توافقية لتسيير المرحلة الانتقالية المقبلة، تتفرع منها حكومة تمثل مختلف الفرقاء الليبيين.
  4. التوافق على وثيقة دستورية جديدة تضع أسساً لنظام سياسي جديد يتناسب مع الواقع الليبي، وتُعرَض على الاستفتاء الشعبي العام.
  5. تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة وشفافة بإشراف دولي لإخراج البلاد من الوضع الانتقالي.

آفاق مشروع الوساطة الجزائري

رغم تمتع الجزائر بأوراق قوة حقيقية في الساحة الليبية، أهمها العلاقات القائمة مع الأطراف السياسية والقيادات العسكرية الأساسية، إلا أن نجاح المشروع الجزائري للمصالحة في ليبيا مشروط بثلاثة عوامل هي:

  1. حصول حد أدنى من التوافق الدولي على متطلبات المصالحة ومحدداتها، بما يعني دخول الملف الليبي في مسار إقليمي واسع من التسويات المطروحة بين الولايات المتحدة وروسيا (الملف السوري، والملف النووي الإيراني ...).
  2. حِفْظ مصالح الأطراف الإقليمية الحاضِرة في الساحة الليبية، خصوصاً مصر.
  3. القدرة على ضمان تمثيل شامل وناجع للقوى السياسية والقبَلية والجماعات المسلحة الليبية، بما يشكل معضلةً كبرى تحتاج إلى جهد شاق واستثنائي.

أحدث الإيجازات