تعرَّضت القواعد العسكرية الأمريكية في مناطق شمال شرق سوريا، خلال الأسابيع القليلة الأخيرة، إلى عدة هجمات نفَّذتها عناصر الميليشيات الإيرانية المنتشرة في تلك المناطق، ما يثير التساؤل حول أسباب حصولها، والنوايا الإيرانية من ورائها، وكذلك التبعات المحتملة المؤثرة على المشهد السوري، في حال استمرار هذه الهجمات.

تصاعُد الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية

في العاشر من يوليو الجاري، طال هجوم القاعدة الأمريكية في حقل "كونيكو" بريف دير الزور الشرقي، حيث سقطت أربع قذائف هاون على القاعدة، بينما جاء بعده بساعات هجوم آخر استهدف القاعدة الأمريكية في حقل "العمر" الواقع جنوبي غربي دير الزور، حيث تعرضت القاعدة هناك إلى عدد من القذائف الصاروخية. وكانت قاعدة الحقل ذاته قد تعرضت أيضاً في السابع من الشهر ذاته، إلى هجوم بطائرة مسيرة تتبع للميليشيات الموالية لإيران، فيما تعرضت مطلع الشهر القاعدة العسكرية في حقل "العمر" لقصف صاروخي، كان مصدره عناصر محسوبة على طهران تتمركز في مدينة الميادين التابعة لمحافظة دير الزور.

وفي ضوء ذلك، أكدت الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل علني، في الثامن من يوليو، أن الفصائل المدعومة من إيران في كل من سوريا والعراق أصبحت تهديداً جدياً لقواتها، بعد تزايد الهجمات ضد المصالح الأمريكية مؤخراً.

وقد تزايد القلق الأمريكي في الآونة الأخيرة بسبب استخدام طائرات من دون طيار من قبل المسلحين الموالين لإيران في المنطقة، حيث يمكن لهذه التقنية الإفلات من دفاعات الجيش الأمريكي هناك، وذلك في الوقت الذي تسعى واشنطن إلى ضبط تصعيدها العسكري ضد إيران والمسلحين الموالين لها، من أجل خلق ينعكس إيجاباً على مشاورات فيينا مع الإيرانيين حول إعادة تفعيل الاتفاق النووي.

وفي الوقت الذي تُساوم فيه إيران على إيقاف قصف المليشيات الموالية لها للقواعد الأمريكية بدير الزور، مقابل ضمان عدم قصف مناطق وجودهم في الشرق السوري، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، فإن واشنطن قد لا ترى ضيراً في وقف الهجمات التي تستهدف الوجود الإيراني في مناطق مختلفة من سوريا، على الأقل خلال الفترة التي تشهد استمرار مفاوضات فيينا، وتحديد مدى نجاعة هذه المفاوضات في منح الاتفاق النووي فرصة حياة جديدة.

ولعل تحرك موسكو أخيراً، بإعلانها اعتراض منظومة الدفاع الجوي الروسية معظم الصواريخ الإسرائيلية التي استهدفت مواقع عسكرية في سوريا يعتقد أنها تابعة لإيران هناك منذ منتصف شهر يوليو، هذا التحرك ربما ينطلق من تفاهم أمريكي-روسي جديد في سوريا، ما يدفع للقول إن الاعتداءات الإيرانية على القواعد الأمريكية في الشرق السوري استفادت من التوافق الروسي-الأمريكي هذا، لاسيما بعد القمة التي جمعت الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن، في مدينة جنيف منتصف شهر يونيو الماضي، ونتج عنها توافق على ضبط النفوذ الإيراني في سوريا في مقابل تجميد الغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا، وهو ما أعلنته تقارير صحفية عربية مؤخراً نقلت عن مسؤول روسي لم تسمّه قوله إن الولايات المتحدة أبدت عن عدم موافقتها على استمرار الضربات الإسرائيلية.

ومع تسارُع خطى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، دون الكشف عن وجهته المحتملة، فإن المؤشرات الحالية، لاسيما بعد تزايد الهجمات الإيرانية، تشي بوصول جزء من القوات الأمريكية المنسحبة إلى سوريا.

حدود استجابة واشنطن

لا يعني احتمالية وصول قوات أمريكية إضافية إلى سوريا أن تصعيداً محتملاً سيكون قائماً هناك ضد الإيرانيين، بقدر ما يعتبر استغلالاً للتطورات الميدانية الأخيرة من أجل زيادة أعداد القوات هناك. فمسعى تثبيت الوجود الأمريكي في سوريا ما يزال قائماً على ما يبدو، ولعل مسوغ الحماية من المخاطر الإيرانية في الشرق السوري سيكون عاملاً رئيساً لرفع مستوى الحضور الأمريكي، سواء كإجراء احترازي ضد التهديدات الإيرانية، أو لتعزيز استراتيجية مواجهة فلول تنظيم "داعش" الإرهابي، بالتوازي مع وضع واشنطن استراتيجية جديدة للمرحلة المقبلة، انطلاقاً من أن تنفيذ التفاهمات المنتظرة مع روسيا يقتضي وجوداً عسكرياً يحافظ على توازن القوى على الأرض.

والأرجح أن الجانب الأمريكي لن يسعى إلى التصعيد حالياً ضد إيران؛ فواشنطن تنتظر تبيان الفائدة من المسار التفاوضي في فيينا، وتكتفي باستخدام ورقة تعزيز وجودها العسكري في سوريا وانتظار ما ستعمل عليه موسكو في سياق ضبط النفوذ الإيراني هناك.

وفي المقابل، تدرك إيران أنه ليس من مصلحتها استمرار استهداف القواعد الأمريكية في الشرق السوري، لأن الاستمرار قد يؤدي إلى انهيار المفاوضات في فيينا وزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على النظام الإيراني، لذا فإن طهران قد تكتفي بالهجمات المتفرقة التي حملت معها "رسائل تحذيرية" قرأتها واشنطن وأدركت مغازيها، وأعادت صياغتها موسكو بما يناسب مصالحها في تعزيز حضورها وتغليب استراتيجيتها للمرحلة المقبلة، القائمة على تحقيق الاستقرار من أجل الانتقال ومشاركة الولايات المتحدة في إعادة الإعمار.

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

أحدث الإيجازات